طلب هايدي الأخير

طلب هايدي الأخير

51 0

الفصل الرابع عشر:ذكريات مظلمة.

مرّ ذلك اليوم سريعًا، وأخيرًا غطّ الجميع في نومٍ عميق، سوى جافيني التي كانت تنظر إلى الساعة كل دقيقتين، منتظرة الموعد المحدد. كانت مستعدة تمامًا لأي هجوم قد يباغتها؛ فهايدي تخطط لأكلها، دون شك.

لم تتوقف الطرقات على الأبواب والنوافذ. كانوا يعلمون أن هناك شخصًا لا يزال مستيقظًا.

في تمام الساعة الثانية بعد منتصف الليل، اقتربت جافيني من باب الغرفة ووضعت يدها على مقبضه البارد. كانت ترتدي بنطالًا، وقد خبّأت العديد من الخناجر في أماكن يسهل الوصول إليها.

لم تتوقف الطرقات بعد، أخذت نفسًا عميقًا، ثم أدارت المقبض بيدٍ مرتجفة. فُتح الباب، وأصدر صريرًا خافتًا، تلاه اختفاء مفاجئ لصوت الطرق. لكن قبل أن تدرك جافيني ما يحدث، أطلّ ذلك المخلوق ذو العين الواحدة برأسه فورًا.

كان طويلًا ونحيلًا إلى حدٍ مقلق، لا يملك أي ملامح في وجهه المستطيل سوى عين واحدة ببؤبؤة ضخمة. سقط قلب جافيني في صدرها، فأغلقت الباب بعنف. لقد رأت ذلك الشيء من قبل… في مكانٍ ما.

سقطت على الأرض، تتنفس بصعوبة. إنه نفس الوحش الذي قتل أهل قريتها، تذكرت كل أحداث مجزرة القرية والتي حاولت إقناع نفسها طويلًا بأنها مجرد وهم من نسج خيالها، لم تتوقع أن يكون الوحش أول ما يقابلها عند الباب.

*لا بد أنني جننت، انهم ليسو موجودين، كانو مجرد خيال نسجه عقلي، انا مجنونة، لقد ظننت بأنني تعالجت*

أمسكت بالسكين المخفي تحت قميصها، وأجبرت نفسها على الوقوف. إن لم تتحرك الآن، فلن تكون قادرة على العثور على عائلتها، يجب عليها أن تتغلب على الوهم.

تقدمت خطوة للأمام، ثم أمسكت بمقبض الباب مجددًا، لكن صوتًا من خلفها أفزعها:

«ماذا تفعلين؟!»

كانت ميبيل، التي لم تستطع النوم بدورها. فهي ليست معتادة بعد على أصوات الطرق والأجواء المرعبة، على عكس بقيتهن.

«لا يمكنك فتح الباب! ألا تسمعين أصوات الطرق بالخارج؟! ماذا لو دخلوا وقتلونا؟!»

تجاهلتها جافيني وفتحت الباب مرة أخرى. هذه المرة لم يكن الوحش موجودًا، لكن قلبها لم يهدأ،هل هو وهم حقًا؟ ربما يكون مختبئًا في مكانٍ ما؛ فهي تعرف هذه الوحوش جيدًا. حتى لو كانوا قادرين على الدخول، فلن يفعلوا فورًا… إنهم يفضلون خداع فرائسهم.

تراجعت ميبيل، ثم ركضت نحو سريرها واختبأت تحت البطانية وهي ترتجف، بينما أمسكت جافيني بخاتمها ورمته إلى الخارج. وفي اللحظة التي سبقت ارتطامه بالأرض، اندفع ذلك الوحش نحوه وهرسه بين أنيابه.

كانت جافيني على وشك إغلاق الباب مجددًا،متقبلة حقيقة أنها لم تجن بعد، لكن صوت هايدي القادم من الخارج أوقفها:

«ما الذي تفعلههنا يا فاغوريث؟ قلت لك أن تبتعد عن طعامي.»

رفع الوحش رأسه، نظر إلى هايدي، ثم إلى جافيني، واستسلم بعدها، ملتفتًا ومغادرًا.

وقفت هايدي أمام جافيني، ترتدي ملابس مغايرة؛ فستانًا أبيض، كأنها تستعد لرسم لوحة بدماء صديقتها.

«لقد تأخرتِ! هيا، لنسرع قبل أن يضيع الوقت.»

كانت تتحدث وهي تجزّ على أسنانها. تكره هايدي ألّا ينفذ أحد أوامرها، لكنها — ولسببٍ ما — تغض الطرف عن تصرفات جافيني.

قالت وهي تنظر إلى فاغوريث المبتعد:

«لا تقلقي، لن يلتهموكِ حتى لو كانوا جائعين. اتفقنا على ألّا نأكل طعام بعضنا البعض»

ابتلعت جافيني ريقها، وحدّثت نفسها:

*هل من المفترض أن يريحني هذا؟*

أومأت لها، ثم خرجت من الغرفة وأغلقت الباب خلفها. كان العرق يتصبب من جبينها، وهي تتمنى ألّا تصادف أشباه الوحش فاغوريث؛ فهي تمقتهم. يزورونها كل ليلة في أحلامها، حاملين صور قريتها التي أُبيدت على أيديهم.

سارت هايدي وتبعتها جافيني متجاوزين عدة أبواب والصمت مطبق على المكان، أخيرًا بدأت هايدي الحديث بصوتٍ مرتفع، يتردد صداه في أرجاء الممر الخاوي:

«هل تملكين عائلة؟»

لم تترك لها فرصة للإجابة، واسترسلت:

«أنا… كنت أملك عائلة.»

ثم صمتت، وتابعت سيرها. وبينما كانتا تنزلان الدرج، أضافت:

«أختي اختفت، ووالداي توفيا، ولا أعلم ما الذي حلّ بإخوتي الأصغر سنًا.»

شبكت يديها خلف ظهرها. عاد السكون إلى المكان، ولم يُسمع سوى صوت أحذيتهما وهي تضرب الأرض.

وعلى عكس ما توقعت جافيني، كان المكان خاليًا منهم. ورغم أن ذلك أراحها قليلًا، إلا أنها لم تخفّض حذرها.

وصلتا أخيرًا إلى باب القصر. طرقت هايدي الباب، فانفتح من تلقاء نفسه. خرجت، وتبعتها جافيني، الحديقة الأمامية لا تزال كما هي، ولكن حول التمثال الذي يحمل ميزانًا ذو كفتين تجمع عدد كبير من الوحوش،لم يكونو يتحركون وكأنهم متصنمون في اماكنهم،حاولت جافيني تجاهلهم.

توقفت هايدي فجأة واستدارت:

«هل أنتِ مستعدة لسماع طلبي؟»

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لَا تَفْتَحِ الأَبْوَابَ المُغْلَقَةَ.

المؤلف hiam m
2025/08/01 مستمرة
قائمة الفصول (26)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة