الأمير والقطة

الأمير والقطة

47 0

مع شروق الشمس، خرجت جافيني من الحديقة الخلفية وهي مخضّبة بالدماء. كانوا يهربون من النهار ويذوبون في الظلال وكأنهم لم يكونوا، خصوصًا أولئك المتجمهرين حول تمثال العدل، الذي أصبح لغزًا بالنسبة لها. بدا التمثال كالمغناطيس الذي يجتذبهم، ولم تجد تفسيرًا آخر لإحضار هايدي لها إلى هنا سوى أنها تستمد قوتها للتحوّل منه.

استيقظ الجميع، وبدأ الخدم بالخروج من غرفهم وكأنهم مدرَّبون على ذلك، يسيرون في صفوف منتظمة. 

لم يهتم أحد برؤية فتاة ملطخة بالدماء تمر بجانبهم، بل تابعوا طريقهم نحو أعمالهم.

كانت جافيني تنظر إلى الأرض وهي تسير. فقدت عيناها بريق الأمل الذي لمع بالأمس، ولم يبقَ بداخلها سوى كره كبير لنواه، أخيها من الميتم. لكنها لم تفهم ما الذي مرّ به ليصبح هكذا… هل هرب؟ هل اختُطف؟ ولماذا جاء إلى كاليجورا تحديدًا؟

قررت أن تبقى هنا حتى تكتشف سره. ستدمّر حياته ببطء شديد، تسلبه كل شيء، تجعله يتمنى الموت… بل ليتَه يقتل نفسه. وبعدها ستبحث عن أخيها.

مسحت الدماء عن خصلة شعرها، ثم أدركت شيئًا… 

إذا كان أخوها يبحث عنها ولا يعرف مكانها، فمن أرسل الرسالة؟

ظلّت غارقة في أفكارها حتى قطعت ميبيل شرودها بصراخ: 

"ك… كيف…"

تجاهلتها ودخلت الغرفة الفارغة، أخذت ملابسها وذهبت للاستحمام، ثم ارتدت ثيابها وتوجهت إلى عملها. كان في جدول اليوم زيارة غرفة الأمير الرابع.

سارت شاردة الذهن. اسمه أليستر، وسمعت من الخادمات أنه أكثر الأمراء سذاجة بعد ميلا.

*أتمنى ألا يعتبرني صديقته أيضًا.*

لكنها لم تكن متفرغة للتفكير فيه؛ كل تفكيرها كان منصبًا على نواه وكيف ستنتقم منه. ستبدأ بمعرفة سبب وجوده في كاليجورا، ثم ستفسد خطته أيًا كانت.

وأخيرًا وصلت إلى غرفته. طرقت الباب مرتين وقالت: 

"إنه الصباح يا سيدي، سأدخل."

أمسكت المقبض، لكن صراخه من الداخل أوقفها: 

"لا!! لا تدخلي!!"

تجمّدت في مكانها. ما الذي يفعله ليكون مذعورًا هكذا؟

بعد دقائق، سئمت وقالت: 

"سأدخل."

فتحت الباب… لكنه لم يكن في الغرفة. تجاهلت الأمر وبدأت التكنيس.

فجأة شعرت بشيء يلتصق بقدمها. كانت قطة بفراء أبيض كثيف وعيون زرقاء كبيرة.

"لا! عودي إلى هنا!"

قفز أليستر، سحب القطة، وخبأها داخل ملابسه، ثم ابتسم ابتسامة بلهاء: 

"لم تري شيئًا هنا، حسنًا؟"

لم تعره اهتمامًا، مما زاد توتره. وقف أمامها متجاهلًا القطة التي تخدش ملابسه: 

"أتوسل إليكِ! لا تخبري أحدًا أنك رأيتِ مومو هنا!"

تنهدت بضجر وقالت بنبرة مهذبة قدر استطاعتها: 

"لا أفهم ما الذي تتحدث عنه… ومن مومو؟"

تراجع، ومواء القطة غطّى على صوته: 

"إذن… أنتِ لم تريها حقًا؟"

"لا، لم أرها."

تنفس بارتياح، ثم أخفى القطة تحت بطانيته.

*هل هو أحمق… أم يتحامق؟*

"أأنتِ خادمة جديدة؟ لم أركِ من قبل."

"نعم."

"هكذا إذن…"

اتجه إلى خزانته ووقف أمامها دون أن يفتحها. كان يلعب بأصابعه ويضرب الأرض بقدمه. ظله المرتجف كان منكمشًا في الزاوية، متوترًا للغاية.

"عذرًا، هل…" 

تردد وهو يحاول أن يشجع نفسه.

"لن أنظر." 

قاطعته، فقفز ظله من الفزع، ثم فتح خزانته وأخرج ملابسه.

بعد دقيقتين، انتهى من ارتداء ثيابه. التفت نحو جافيني التي كانت ترتب السرير. كان واضحًا أنه يريد قول شيء، لكنه متوتر. تجاهلته في البداية، لكنه ظل ينظر إليها حتى قالت بضجر: 

"هل هناك شيء تريد قوله يا سيدي؟"

اقترب منها وهو يلعب بأصابعه: 

"أنا… لا أعرف كيف أرتدي ربطة العنق…"

صمت لحظة. 

"هل يمكنكِ مساعدتي؟"

نظر إليها بعينيه البنفسجيتين المتوترتين. 

"حسنًا."

اقترب منها ومدّ لها ربطة العنق. أدار وجهه وأغمض عينيه بينما بدأت بربطها. توقفت فجأة عندما رأت رسمًا غريبًا على عنقه. أبعدت ياقة قميصه قليلًا… فراشة صغيرة موشومة على رقبته.

*لم أكن أعلم أنهم يسمحون بالوشوم في هذا القصر… ولماذا وضعها في رقبته؟ هل انتهت الأماكن؟*

ابتعدت وقالت: 

"انتهيت يا سيدي."

فتح عينيه وركض إلى المرآة: 

"لقد أعجبتني! شكرًا لكِ!"

"هذا عملي يا سيدي، لا داعي للشكر."

هز رأسه وقال: 

"لا أحد يعرف ربطها غير إخوتي، وهم لا يساعدون أحدًا. خادمي الذي كان يربطها لي اختفى. لو لم تساعديني لوقعت في مشكلة… اليوم سيحضر أبي للإفطار، وهو لا يحب أن نخرج دون ربطة العنق."

ثم أدرك أنه أطال الحديث: 

"آسف! هل تحدثت كثيرًا؟!"

"لا." 

إجابة موجزة كعادتها.

مشّط شعره سريعًا وهو يتظاهر بأنه لم يلاحظ برودها، ثم اتجه نحو الباب وقال: 

"شكرًا على استماعك لحديثي. في العادة لا يتحدث الخدم لدرجة أنني ظننت أنهم بُكم."

أغلق الباب خلفه. تذكرت جافيني ما قالته ميلا… هل الخدم باردون لهذه الدرجة فعلًا؟ هل هناك سبب؟ أم أنهم يظنون أن البرود جزء من وظيفتهم؟

قفزت القطة على رأس جافيني ثم استلقت فوقه.

*سأسأل كاترينا لاحقًا.*

ـــــــ

مرّ الوقت سريعًا، ووقفت جافيني أخيرًا في غرفة الخدم. كانت ميبيل تنظر إليها بصدمة، لكن الفتاة الجالسة بجانبها نهرتها هامسة: 

"لا تنظري… تجاهليها تمامًا."

لم تهتم جافيني واتجهت نحو كاترينا، التي ركضت فور رؤيتها واختلطت بباقي الخادمات. تنهدت جافيني ولحقت بها، لكن كاترينا استمرت بالهرب حتى توقفت أمام النافذة، ولم يبقَ لها مكان آخر. قالت جافيني: 

"أريد التحدث معك قليلًا… هل يمكننا؟"

نظرت كاترينا حولها وتظاهرت بأنها لا تسمع. وبمجرد أن تقدمت جافيني خطوة، قفزت كاترينا من النافذة دون تردد. ركضت جافيني نحوها ونظرت للأسفل… سقطت على شجرة ثم نزلت منها وركضت بعيدًا.

*ما الذي يحدث هنا؟*

التفتت نحو ميبيل، التي صرفت بصرها فورًا. هل أخبرتهم بأنها خرجت ليلًا؟ وعندما عادت حية… ظنوا أنها أصبحت مثل هايدي؟ لم تكن متأكدة، لكنه الاحتمال الوحيد.

تنهدت بقلة حيلة، أخذت قطعة رغيف وغادرت الغرفة وهي تأكلها بصمت.

"جافي؟ أين أنتِ؟" 

اخترق سكون الممر صوت ميلا الضجر. ارتسمت على وجهها ابتسامة واسعة عندما رأت جافيني، ثم ركضت نحوها وعانقتها: 

"صباح الخير! جئت إليكِ فور انتهائي من الإفطار! هل تكرهين أن أقاطع وقت عملك؟"

"نع… لا، إنه وقت الاستراحة على أي حال." 

تراجعت في اللحظة الأخيرة عندما لاحظت ظل ميلا الذي يبكي وقد ارزق لونه، هل يعقل أن نواه فعل لها شيئًا بالأمس؟

ارتاحت ميلا وقالت برجاء: 

"هل يمكننا الذهاب لمكان لوحدنا؟ أريد التحدث معك."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لَا تَفْتَحِ الأَبْوَابَ المُغْلَقَةَ.

المؤلف hiam m
2025/08/01 مستمرة
قائمة الفصول (26)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة