البستاني

البستاني

55 0

خرجت جافيني من الغرفة، ولحقتها ميبيل بعد لحظات. كانت قد استلمت لتوّها جدول أعمالها؛ وعليها تنظيف غرفة الأميرة السادسة.

قالت ميبيل بحماسٍ ظاهر، يخفي توترًا شديدًا:

"سأنظّف غرفة الأميرة الرابعة! ماذا عنك؟"

تجاهلتها جافيني، واتجهت مباشرة نحو الدرج المؤدي إلى الطابق الرابع، كما هو موضّح في الخريطة المرسومة على الورقة؛ غرف الأميرات في الطابق الرابع، وغرف الأمراء في الثالث.

خلفها، أسرعت ميبيل بخطواتها لتلحق بها:

"انتظريني، سأذهب معك!"

في الطابق الرابع، توقفت جافيني أمام غرفة الأميرة السادسة، طرقت الباب، ولم يصلها أي رد. قالت ببرود:

"سيدتي، إنه الصباح. اعذريني، سأدخل."

ثم فتحت الباب ودخلت.

كانت الغرفة جميلة، مزدانة بالجواهر التي لمع بريقها فور أن تسلل الضوء إلى الداخل. تقدّمت جافيني نحو النافذة وفتحت الستائر، فرفعت الفتاة المستلقية على السرير بطانيتها بسرعة، وغطّت عينيها.

"قلتُ لكم ألا تنظفوا غرفتي اليوم."

*صوتها… مألوف.*

حدّثت جافيني نفسها، قبل أن تقول:

"إنها مهمتي لذ—"

"حسنًا، فهمت، فهمت."

جلست الأميرة، وانسدل شعرها الأشقر على كتفيها، وهي تفرك عينيها وتتثاءب. كانت هي نفسها الأميرة التي ستتزوج من مملكة أوريفاليس. والتي تدعى ميلا.

كان الاحمرار أسفل عينيها واضحًا، ولم تشك جافيني في أنها قضت الأمس تبكي، لكن ذلك لا يعنيها.

قالت ميلا بفتور:

"أحضري لي كأسًا من الماء."

---

ساعدت جافيني الأميرة على ارتداء ملابسها، ثم بعد مغادرتها الغرفة بدأت بالتنظيف، تتنهد مع كل حركة.

بعد الانتهاء، وتناول الإفطار، ستذهب للبحث عن البستاني… ولا تعلم ماذا ستفعل إن لم تجده، إذا كان لغز عينيها سيحل هنا، فقد تبدأ بكسر القواعد حتى لو عنى ذلك موتها.

فجأة، توقفت عيناها عند شيء لم تكن تتوقع رؤيته.

على سرير الأميرة… كانت هناك دمية أرنب.

نفس الدمية التي كانت داخل كيس ذلك الرجل بالأمس.

قطّبت جافيني حاجبيها.

ما علاقة ذلك الرجل بالأميرة؟

*لا علاقة لي بالأمر.*

---

في غرفة الاستراحة، تجمعت الخادمات اللواتي أنهين عملهن حول ميبيل المرتجفة. كان وجهها مصفرًا، تعانق نفسها وترتجف كورقة في مهبّ الريح.

قالت إحداهن محاولة تهدئتها:

"هوني عليكِ، تحدث هذه الأمور غالبًا في غرفة الأميرة الرابعة."

لم ينتبه أحد لدخول جافيني، بينما قالت ميبيل بصوتٍ متقطع:

"لقد رأيتها! كانت هناك ايادي شاحبة تمتد من تحت سريرها! وعيناها تلمعان بلون أحمر وتنظران إلي وكأنني فريستها،وكأنها ممسوس..."

قبل أن تكمل، وضعت إحداهن يدها على فمها. كانت صاحبة الشعر الأحمر، وقالت بصرامة:

"توقفي عن الحديث. في هذا القصر، يجب أن تتصرفي وكأنكِ عمياء."

أومأت ميبيل بعيون دامعة.

تابعت الحمراء:

"لا أعلم سبب حاجتكِ للمال لدرجة قدومكِ إلى هنا، لكن عليكِ أن تتحلي بالشجاعة. إن استمررتِ هكذا، لن تُكملي شهرًا واحدًا، ولن تستلمي راتبكِ الأول."

أضافت أخرى:

"نعم، قد يكون الأمر مخيفًا، لكنكِ ستعتادين. والراتب سينسيكِ كل شيء… إنه ليس بالمبلغ الهيّن."

"ولا تنسي، تجاهلي هايدي تمامًا، صدقيني ستندمين إذا علمت بأنك ترينها"

"هل يمكنني الانضمام للمحادثة؟"

كان ذلك صوت هايدي.

دخلت من النافذة، وبمجرد ظهورها تغيّر الجو، وتفرقت الخادمات كأن شيئًا يطاردهن.

"أوه… أنتم تستمرون في تجاهلي!"

ثم التقت عيناها بعينين ذهبيتين. نفس الفتاة التي تحدثت معها بالأمس. ارتسمت ابتسامة سعيدة على وجهها، واقتربت من جافيني بخطوات سريعة.

"لنصبح أصدقاء! لنصبح أصدقاء!"

قلبت جافيني عينيها، ثم استدارت وتجاهلتها. جلست في المكان الفارغ، ووضعت صحنها على الطاولة.

"هل تتجاهلينني الآن؟ أعلم أنكِ تستطيعين رؤيتي!"

كان طعم الخبز ألذّ مما توقعت، وحتى الحساء—الذي لم يعجبها شكله—كان لذيذًا.

"همم…"

وضعت هايدي يديها خلف ظهرها، وأخذت تسير ذهابًا وإيابًا خلف جافيني.

"حقًا لن تصبحي صديقتي؟"

بعد الإفطار، خرجت جافيني من غرفة الطعام، تنظر إلى جدول أعمالها. يمكنها إنهاء كل شيء بعد أن تبحث عن البستاني.

"إلى أين أنتِ متجهة؟ غرفة أدوات التنظيف ليست بهذا الاتجاه."

سألت هايدي وهي تمشي بجانبها.

لم يصلها رد، ومع ذلك لم تتراجع. استمرت في السير خلفها، حتى توقفتا عند مدخل الحديقة الخلفية.

"الحديقة الخلفية؟ لماذا تدخلينها؟ ما رأيكِ بالذهاب إلى مكان آخر؟ إن كنتِ تريدين رؤية الأزهار، فالحديقة الأمامية مليئة بها."

لم ترد جافيني.

وكان واضحًا أن هايدي—التي ارتسم العبوس على وجهها—لا تستطيع دخول الحديقة الخلفية لسببٍ ما. وهذا لم يهمّ جافيني.

"أرى أن هناك ضيوفًا غير مدعوين."

صوت مألوف أخرج جافيني من أفكارها. كانت هايدي تقف عند المدخل، وبمجرد سماعها الصوت اختبأت في الداخل، وكتمت أنفاسها.

"أنتِ…؟"

كان هو نفسه الرجل من المحطة. ظلّه كان بالأمس متشبثًا بقميصه، أما الآن فكان متصلًا برأسه.

"لماذا تتبعكِ تلك؟"

سأل دون مقدمات، وبصره موجّه نحو الباب. لم ترَ جافيني وجهه؛ كانت قبعة تخفي ملامحه.

"لا شأن—"

توقفت فجأة. أدركت أنه الشخص الوحيد الذي رأته في الحديقة، غير أفراد العائلة.

"هل تعرف أين هو البستاني؟"

"البستاني؟

صمت للحظة للحظة، ثم قال:

" ولِمَ تبحثين عنه، أيتها المستجدة؟"

على عكس بروده في لقائهما الأول، كان صوته الآن أكثر تهذيبًا.

قالت:

"لديّ شأن معه"

"أنا هو البستاني."

ظنّت أنه يكذب… ثم قررت تصديقه فظل الكاذب يتحول إلى اللون الفضي.

"إذن، هل تعرف رجلًا يُدعى كيران؟"

بمجرد نطقها للاسم، انتفض ظلّه وقفز إلى الأرض. وما فاجأها أكثر، أنه ضغط على ظلّه بقدمه.

"ربما."

"ماذا تعني بربما؟ هل تعرفه؟"

سألت بيأس، والأمل ينبض في صدرها لأول مرة منذ سنين.

"يبدو أن هذا الأمر مهم جدًا لكِ. إن أردتِ إجابتي، فلدي طلب."

"أريد ان اتأكد من معرفتك له أولا!"

ضحكة ضحكة خفيفة، وكأنه يستمتع بهذه المحادثة:

"أعرفه حق المعرفة"

تجمد الدم في عروقها، فلون ظله الأسود ظل ثابتًا، إنه لا يكذب.

ابتسم مستمتعًا بردة فعلها.

"هل تريدين الحديث عنه؟ بشرط واحد "

امتعض وجهها.

"وماذا تريد؟"

" أخبريني أولًا… ما الذي يريده ذلك الوحش منكِ؟"

"إنها تلاحقني، وتقول إنها تريد أن تصبح صديقتي."

صمت البستاني مفكرًا، ثم قال:

"إذًا، طلبي هو أن تصبحي صديقتها. إن نجوتِ لمدة أسبوع، سأخبركِ عن الرجل الذي تبحثين عنه."

لم يترك لها فرصة للاحتجاج. ابتعد وهو يلوّح بيده بصمت، وكأن ذلك المختل النفسي يستمتع برؤية معاناتها.

عضّت جافيني على شفتيها، ثم عادت إلى القصر وهي تضرب الأرض بقدميها.

ظهرت هايدي أمامها:

"هل انتهيتِ من الحديث معه؟"

هذه المرة، نظرت جافيني إليها عمدًا. تواصل بصري مباشر.

تجمدت هايدي في مكانها.

«هل تريدين أن نصبح صديقتين؟»

بادرت جافيني.

ارتسمت ابتسامة غير طبيعية على وجه هايدي واسودّت عيناها

« وأخيرا! بالطبع! نحن أصدقاء الآن!»

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لَا تَفْتَحِ الأَبْوَابَ المُغْلَقَةَ.

المؤلف hiam m
2025/08/01 مستمرة
قائمة الفصول (26)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة