الفصل الخامس:
الوجه الحقيقي.
بعد ساعة من شروق الشمس، ومع أول نسيم لطيف، انقطع هدوء الصباح بصوت جافيني:
"آسفة، لا يهمني أيًا مما تقولينه، سأذهب إلى القصر مهما كلفني الأمر."
لم تحتمل روزيانا ذلك وقالت بسرعة:
"ولكن… ألم تقتنعي بأي شيء قلته؟ هل قرأتِ ما كتبته حتى؟!"
وأشارت إلى الورقة الموضوعة أمام جافيني:
"هناك سحر تنويم مغناطيسي في الرسالة! أنتِ لستِ بكامل وعيك!"
رفعت جافيني كأس الشاي وقالت بسخرية خفيفة:
"حقًا؟ وكيف عرفتِ؟ ألم يندثر السحر بعد الفيضان؟"
"لن نعرف حتى نجرب! سمعتُ أن أزهار شجرة لوناريا تُبطل تأثير السحر."
أخرجت روزيانا كيسًا صغيرًا ووضعته على الطاولة:
"أحضرتها بصعوبة من السوق السوداء، ضعي هذه في شايك."
كانت جافيني على وشك الرفض، لكنها وجدت ما هو أفضل:
"إذا أكلتها… ستتوقفين عن إقناعي؟"
"نعم!"
لم تكن روزيانا تتوقع أن يزيد ذلك من إصرار جافيني. في اليوم التالي، والذي يليه، كانت جافيني تغلق الباب في وجهها، رغم أن روزا تدخل بطريقتها الخاصة دون خجل بعدها.
كل يوم كانت جافيني تؤكد أنها ستذهب، وكأن هذه الرحلة هي الشيء الوحيد الذي يبقيها على قيد الحياة.
***
في مكتب اوستيرا.
"لا أفهم ما بها!"
وضعت روزا يدها على رأسها.
قال الآخر وهو يقلب أوراقه:
"لا بأس… بقيت الخطة الأخيرة."
"جرّبنا إبطال السحر ولم ينجح! أعطيناها أدلة على أن عائلتها ميتة! حتى المعلّمة التي تحبها لم تُقنعها! ربما يجب أن نقيدها فقط…"
"نعم، هذا ما كنتُ أفكر به."
اتسعت عينا روزا:
"نقيد جافيني؟ ولأجل كم؟ حياتها كلها؟!"
"لا. فقط حتى تنتهي فترة استقطاب الخدم للقصر،فالغابة المؤدية للقصر تكون مغلقة في غير ذلك، ألم يحن وقت تدخل رجالك؟"
هزّت روزا رأسها فجأة:
"صحيح! لماذا لم أفكر بذلك؟!"
أغلق أوس الملف واستعد للكلام، لكن الباب فُتح ودخلت فتاة بشعر أسود.
"لن يجدي ذلك نفعًا."
"جافيني؟!"
وقفت روزا مذعورة وتقدمت نحوها:
"ما الذي تفعلينه هنا؟ أوس لن يعالجك بعد الآن!"
"لا."
نظرت إليها جافيني بعزمٍ لم تره روزا من قبل. تجمّدت في مكانها. لم تتوقع أن تملك جافيني هذه النظرة.
"أتيتُ لأتحدث معكما… يا أخي وأختي."
تبادل أوس وروزا نظرة قَلِقة. أسرعت روزا نحو الباب وأغلقته.
"بالطبع، سنتحدث. لكن… ما هذه الحقيبة؟ هل تخططين للذهاب الآن؟"
ابتعد أوس عن مكتبه وجلس على الأريكة:
"لا تقفا هكذا. اجلسا."
جلست جافيني أمامهما و وضعت حقيبتها بجانبها. لم يتحرك أوس ولا روزا؛ إن خططت للذهاب الآن، يجب إيقافها بسرعة.
"هل كنتما تحاولان إيقافي كل تلك الأيام؟"
لم يُنكر أحد، قالت روزا:
"نحن نقلق عليك. لا يمكنك الذهاب إلى هناك."
"نعم، إنه انتحار!"
ارتسمت على وجه جافيني نظرة ساخرة:
"انتحار؟ وما المشكلة؟"
ساد صمت مُربك.
"برأيكما… قطع الشريان؟ السقوط من مكان مرتفع؟ السم؟ أم الخنق؟ أيها أفضل؟"
"جافيني… لا تقولي ذلك…" همست روزا.
"ولمَ لا؟ لماذا أتصنّع أنني بخير بينما أنا على حافة الجنون؟ أنتما جاهلان تمامًا، صحيح؟"
غطّت نصف وجهها بكفّها وهي تقول:
"السكين والسم تحت وسادتي، الحبل معلق في خزانتي، والطريق إلى جبل المدينة مرسوم في دفتري. كنت أفكر… أي طريقة هي الأنسب؟"
كان صوتها هادئًا على نحو مخيف.
ثم ضحكت بخفوت،ضحكة لم يسمعها أي منهما منذ اول يوم التقيا بها:
"هناك طرق أمتع. ماذا عن قرش جائع يلتهمكم؟ تتخيلان ذلك؟ لا تستطيعان التنفس، ولا الصراخ، ثم آخر ما ترونه هو الأسنان وهي تقترب وآخر ما تشعران به هو لحمكم يتمزق… ممتع، أليس كذلك؟"
تصبب العرق من جبين روزا غير مدركة لما تسمعه، حافظ أوس على ثباته رغم انقباض صدره. كان يعرف أن جافيني فقدت عقلها منذ زمن، لكنها كانت تتظاهر بالاتزان فقط لتتعايش، لكنه لم يفهم، لماذا كشفت حقيقتها في هذا الوقت.
"لكنني وجدت طريقة أفضل الآن. الذهاب للقصر الملعون. هل رأيتما الرسالة؟ ربما يريدون جذبي كي يقتلوني. لم أنم من شدة الفضول!"
قالت روزا بصوت مكسور:
"توقفي…"
لكن جافيني لم تتوقف:
"هل تحبانني؟"
لم يجب أحد. لكنها لم تنتظر الإجابة أصلًا.
"إن كنتما تحبانني… أعطياني سببًا واحدًا لأعيش. سببًا حقيقيًا، أقوى من الحقيقة التي اتذكرها وحدي."
فجأة تلاشت نبرتها المجنونة، وحلّت مكانها نبرة حزينة متعبة،أخفضت يدها فرأى كلاهما ارتعاش شفتيها:
"إذا كانت تلك الرسالة من عائلتي حقًا… فسأكون سعيدة بالذهاب، أكثر من بقائي هنا، وإذا لم تكن، فسأسعد بالموت بطريقة ممتعة"
أمسكت بحقيبتها ونهضت.
"لذلك… لا توقفاني. إن كنتما تريدان سعادتي."
ساد صمت ثقيل، لا يُسمع فيه إلا خطواتها وهي تتجه نحو الباب. وضعت يدها على المقبض، ثم التفتت:
"نسيت أن أقول شيئًا… أردت قوله منذ سنوات."
ارتسمت على وجهها ابتسامة غريبة، ليست سعادة ولا جنونًا، بل خلاصًا من التظاهر.
"أنا… أكرهكما. وأكره الجميع."
قالتها ثم خرجت، تاركة الغرفة غارقة في الصمت.
تمتمت روزا بصدمة:
"هل… هل ابتسمت؟ أم أنني بدأت أجن؟"
hiam m