العد التنازلي

العد التنازلي

30 0

في تلك الغرفة المعتمة القابعة في جناح الأميرات، جلست الأميرة الرابعة أمام نافذتها ترتشف الشاي بركودها المعتاد في هذا الوقت من النهار، متأملة نافورة العدل القابعة في منتصف الحديقة الأمامية.

لم تكن تبتسم؛ لقد نسيت منذ زمن كيف تضحك أو تحب، وتحولت إلى مجرد دمية مفرغة من كل شعور. لم تعد تتذكر متى انحدرت إلى هذا الوضع المثير للشفقة، وكل ما بات يربطها بالواقع هو رغبتها المستمرة في ألا تعيش.

قاطع سكونها الميت صوت طرقات على الباب. تجاهلتها تماماً كالعادة، ليأتي الصوت نفسه الذي يخاطبها يومياً دون ملل أو يأس:

"أليستيريا... من فضلك..."

لم تكلف نفسها عناء الالتفات أو الإجابة، فهذا الفتى المزعج يفيض بالقلق بشكل يثير حنقها، ورغم أنها صدته وأغلقت الأبواب في وجهه مراراً، إلا أنه كان يملك إرادة لا تنثني.

"لم تلمسي طبقكِ اليوم أيضاً.. لقد احتفظت لكِ ببعض طعامي، أنتِ تزدادين نحولاً مع كل يوم يمر."

وضعت كأس الشاي فوق الطاولة بجانبها، وقبل أن يستقر، مال الكأس ليتدفق السائل الساخن على فستانها ملامساً جلدها العاري. لم يهتز لها رمش، ولم تتحرك في عينها حدقة. حملت الكأس بهدوء وأعادته إلى موضعه دون أن تكلف نفسها حتى عناء تجفيف القماش المبتل. واستمر الفتى في طرقه البائس.

"عندما كنا صغاراً، كنتِ تحبين كعكة الفراولة كثيراً.. هل ما زلتِ تحبينها؟ هل ستأكلينها إن أحضرتها إليكِ؟"

أعادت نظرها نحو النافورة؛ فتح الباب كان خياراً غبياً لا يغتفر، فالقاعدة الصارمة في هذا المكان تقول: *«لا تفتح الباب لأي أحد»*. وأليستر ليس استثناءً، بل إنها لم تكن واثقة حتى إن كان الطارق بالخارج هو شقيقها فعلاً، أم كائن آخر يتشبه به ولا تريد معرفته.

أخيراً، تراجعت الخطوات ومضى الطارق في طريقه. تنهدت أليستيريا ببرود وهجست لنفسها:

"كم ساعة مرت منذ الإفطار؟"

كانت ساعة غرفتها معطلة، تفصيل صغير حرمها من معرفة الوقت، لكنها لم تمنحه تفكيراً مطولاً؛ بل وضعت رأسها على الطاولة المستديرة واستسلمت لقيلولة قصيرة قبل موعد الغداء.

اليوم، لم يمارس جون ساديته عليها بعد الإفطار كما اعتاد أن يفعل؛ لقد اعتذر في منتصف الوجبة بعد خروج ميلا واستأذن من والده مغادراً. لن تنكر أنها شعرت بارتياح بارد، فهي في النهاية تكره الألم.

أما عن أليستر... فهو لم ينظر في عينيها منذ سنوات، يبدو أنه يتحاشاها ويتجاهلها، وهذا القصر الذي يتغذى على صناعة الأوهام كطعم، يستخدم هذا الجفاء كأكبر نقطة ضعف ضدها.

هو شقيقها التوأم من الرحم نفسه، تشاركا الطفولة بحذافيرها، وتقاسما اللحظات السعيدة والمظلمة معاً، لكن بمجرد أن بلغا التاسعة من العمر، فُصلا تماماً عن بعضهما، وبات يتحاشى النظر إليها منذ ذلك الحين.

تنهدت أليستيريا بملل؛ لم تعد تملك الطاقة للتفكير في هذه الترهات. الأخوة، الروابط، والثقة... كلها مجرد أدوات تؤدي في النهاية إلى عذابها، والأميرة الرابعة كانت أكثر من يخشى عواقب مخالفة القواعد في كاليجورا.

---

وفي تلك الليلة المظلمة، اتجهت جافيني نحو جناح الأمير الأول لإنهاء عملها اليومي المعتاد. ترددت خطواتها في البداية، لكنها كانت موقنة بأن جون رجل مهووس بالنظام والترتيب، وأن أي غياب أو تأخير عن موعد التنظيف لن يمر دون عقاب مرعب.

طرقت الباب، وكما حدث في المرة السابقة، جاءها صوته البارد والمستقر:

"تفضلي."

ابتلعت ريقها بهدوء ودلفت إلى الغرفة. لم يكن لميلا أي أثر هناك، لا في أرجاء الغرفة ولا في أي مكان آخر.

بدأت جافيني بالتنظيف دون أن تجرؤ على النظر إليه، وهو كذلك لم يلتفت نحوها، بل كان ظله الأحمر قابعاً خلفه بهدوء مريب هذه المرة، وهو التفصيل الوحيد الذي طمأن قلقها قليلاً.

عندما غادرت غرفته أخيراً، شعرت براحة مؤقتة شابها قلق عميق؛ أين اختفت ميلا؟ وما الذي يمكن أن يفعله ذلك المسخ بها خلف الأبواب الموصدة؟

في اليوم الأول لاختفاء ميلا، غاب النوم عن جافيني وهي تقلب في رأسها الخطة البديلة لإلغاء هذا الزفاف المشؤوم، وتوصلت في النهاية إلى مخرج واحد: التظاهر بالجنون والتوحش هو الحل الأمثل ليفسد الزواج.

وفي جهة أخرى من قصر كاليجورا، كان نواه يسير بخطوات هادئة وموزونة عبر الأروقة المظلمة، متجهاً صوب غرفة ميلا كما اعتاد أن يفعل في مثل هذا الوقت.

طرق الباب الخشبي بطرقات خافتة، لكنه لم يتلقَ أي إجابة من الداخل. لم يستغرب صمتها ولم يساوره الشك؛ فقد كانت ميلا تتجاهله ببرود وتتحاشى الحديث معه منذ فترة ليست بالقصيرة. انحنى بهدوء، ووضع زهرة "اللوناريا" الغامضة أمام عتبة بابها المغلق، ثم التفت مغادراً المكان وعيناه تراقبان العتمة.

كان عقله يزن الخطوات القادمة بدقة؛ لقد اتخذ قراره بالفعل. سيستخدم عشبة منومة مركزة في الليلة التي تخطط فيها للهروب؛ فنقع بضع قطرات من السم في كأسها ليرخي جسدها وتغط في نوم عميق، سيكون حتماً أسهل وأقل جهداً من الاضطرار لختم وحوش أخرى.

--

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لَا تَفْتَحِ الأَبْوَابَ المُغْلَقَةَ.

المؤلف hiam m
2025/08/01 مستمرة
قائمة الفصول (26)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة