الفصل السادس:
رجل بلا ظل.
داخل القطار، نظرت جافيني إلى دفترها محاولةً تجاهل ظلال الناس من حولها، كانت الأماكن المزدحمة تخنقها، والظلال فيها أسوأ بكثير من البشر أنفسهم.
"ياللسخرية…"
تمتمت وهي تستعيد ما حدث قبل دقائق في مكتب آوس، لم تكن تقصد أن تتصرف بتلك الطريقة، لكن الكلمات خرجت منها بلا تفكير، كان يكفي أنها تحدثت عن الانتحار لتفسد كل شيء…فلم يعد كشف مشاعرها أمرًا يستحق الذهول.
منذ أول يوم في الميتم، لم تستطع جافيني احتمال الحياة، وجود أوستيرا القلق وروزيانا الثرثارة زاد الأمر سوءًا، لكن شخصًا واحدًا فقط خفف ثقل الأيام.
فتى بلا ظل ظاهر، كان ظله مختبئًا دائمًا خلفه، وكأنه يعرف أنها تراه، ويُخفي نفسه بمهارة، لكنه اختفى فجأة، بلا رسالة ولا وداع.
كانا صديقين حقيقيين، على الأقل كانت تظن ذلك.
*لماذا أتذكره الآن؟*
وضعت رأسها على النافذة وأغمضت عينيها، مستسلمةً للنوم.
ما الذي ينتظرها هناك؟
**
عندما وصلت جافيني إلى قلب المملكة، أي مدينة كوردان، حيث تقع الغابة على حدودها، والغابة ليست ضمن أراضي أوريفاليس، ولهذا تُركت كوردان الملتصقة بالغابة مهملة؛ منطقة يسهل فيها انتشار الجرائم والعصابات، ولا أحد من العائلة الحاكمة يهتم.
من سوء الأمن هناك، لم يمضِ وقت طويل حتى هاجمها لصّ فور نزولها من القطار.
"يالها من بداية جيدة…"
قالتها وهي تنتزع حقيبتها منه بعد أن ضربته وأسقطته فاقدًا لوعيه.
الطريق إلى الغابة لا يستغرق ربع ساعة، نظرت جافيني إلى ساعتها وعزمت الوصول بأسرع ما يمكن، لم تعد تطيق الإنتظار.
"عذرًا سيدتي."
رفعت عينها عن ساعتها والتفتت، فرأت رجلاً بلا ظل ظاهر، وجهه مخفي تحت قبعته، وصوته منخفض.
"أ… أنت…"
لكنّه قاطعها:
"ذلك اللص سرق كيسًا مني، وهو في يدك الآن."
نظرت إلى يدها، لتجد كيسًا لا تذكر أنها التقطته، كان يوجد بداخله دمية أرنب محشوة.
لم تسلمه فورًا، سألت بصوت متردد:
"هل أنت نواه؟ ما الذي تفعله هنا؟ ظننت أنهم باعوك في سوق العبيد…"
"ما الذي تتحدثين عنه يا آنسة؟"
قال بحدة وهو يعدل قبعته.
"أعطيني الكيس فقط."
هذا ليس نواه، الصوت مختلف، والشعر مختلف، حتى أسلوبه.
"تفضل."
مدت يدها بهدوء، أخذه دون أن يعلّق، ومشى مبتعدًا،
لكن حين التفتت تراقب ظهره، جمدت مكانها.
كان ظلّه عالقًا بظهره، متمسكًا بملابسه بشكل مثير للإشمئزاز، طويلًا بطريقة غير مريحة، يجرّ نفسه خلفه ببطء.
*هذا الرجل… ليس طبيعيًا.*
الظلال دائمًا تعكس شخصيات أصحابها.
تابع سيره في اتجاه الغابة، لم يكن هناك أي شيء آخر في ذلك الاتجاه، لذلك تأكدت من أن وجهته هي نفسها وجهتها.
ألقت جافيني نظرة حولها ثم لحقت به، إذا خرج شيء خطير، سيموت قبْلها.
هي لا تهرب من الموت، لكنها لا تريده الآن، ليس قبل أن ترى عائلتها.
بعد دقائق، ظهرت البوابة المعدنية، مفتوحة على مصراعيها.
أخيرًا وصلت جافيني إلى غابة القصر، حيث ستجد في الداخل غايتها.
hiam m