الفصل الأول:
القاعدة الأولى
"الأشياء الجميلة ستبقى جميلة، فقط إذا نظرت إليها من بعيد"
يحكى أن هناك خادمة، بوجه بشوش، وعينين واسعتين، جعلت كل من يعملون معها يحترمونها ويحبونها بقلبها الصادق وابتسامتها الجميلة.
عملت بجد في النهار وكانت أول من يستيقظ ويوقظ الجميع بحماس لا مثيل له، على نقيضها كانت اختها الكسولة التي تتذمر من العمل كل يوم وتردد:"اريد العودة إلى الديار"
نهرتها أختها الكبرى أكثر من مرة على هذا، فمن سيعيل العائلة اذا توقفتا عن العمل؟ ولكنها تمنت لو استمعت إلى كلام اختها الصغرى وعادت، لم يكن سيحصل لها ما حصل.
في أحد الليالي خرجت تلك الخادمة من غرفة نوم الخادمات، أوقفتها صديقتها عند الباب وقالت:"انتظري، الوضع في القصر ليس آمنًا، قد تختفين كما يحدث مع بقية زملائنا"
سحبت الخادمة يدها وقالت بعزم لا ينطفئ في عينيها:"سأبحث عن أختي وأعود بسرعة، لا بد ان القصر ابتلعها، ولكنني سأجدها وأعيدها إلى الديار، لن نعمل في هذا القصر الملعون مجددًا"
ثم ركضت في الممرات تحت نظرات صديقتها، تراجعت للخلف وتنهدت ثم قالت:"أتمنى أن تعود بسرعة"
ثم مرت خمس دقائق...
عشر...
نصف ساعة..
ولم يعد لتلك الخادمة وجود في صباح اليوم التالي.
جلست الخادمات حول بعضهن وهن حزينات لفراقها، كانت تلك الخادمة أفضلهن، ولكنها فقدت عقلها بعد اختفاء اختها بشكل مفاجئ.
"حذرتها، ولكن أرجو ان تكون بخير"
تمتمت جوليا.
"تكون بخير؟ هل تعتقدين ان ذلك سيحصل حقًا؟ ألم تسمعي ما قاله كولين؟ لقد وجد جثة لفتاة ميتة في الطابق السفلي قبل اسبوع، ولكنها اختفت في اليوم التالي، بالتأكيد هذا ما سيحصل مع هايدي الحمقاء، اتساءل متى سنجد جثتها، ربما اليوم أو..."
"كفى!"
صرخت جوليا واسترسلت:
"أعلم انك تغارين منها ولكن أليس هذا مبالغًا به؟!"
"هذا يكفي يا فتيات، رئيسة الخدم تأمركن بالعودة للعمل حالًا فقد انتهى وقت الإستراحة"
ومرت الأيام، وبعد اسبوعين، استيقظ الجميع بخمول متجهين لعملهم،واتفقن على ان هناك شيئًا غريبًا يحصل.
تحدثت جوليا وهي تعدل ملابسها:
"سرير هايدي غير منظم، هل نامت إحداكن فيه الليلة الماضية؟"
نفى الجميع حتى تحدثت إحداهن:"ولماذا ننام فيه؟ أشعر بأن الحظ السيء سيصيبني بمجرد أن أقترب من ممتلكاتها"
وهذا ما يشعر به الجميع، فحتى ملابسها الملقاة على الأرض لم تُرفع.
بعد وقت ليس بطويل اقتربت احداهن من الأخرى متوقفة عن الكنس وقالت هامسة:"سارا، هل رأيتِ ذلك؟!"
نظرت سارا إليها باستغراب:"ماذا؟"
قالت الخادمة بتوتر:"لمحت شخصًا يمر من هنا،بدا وكأنه...هايدي"
سخرت الخادمة ثم عادت لمسح النافذة:"لا بد أنك متعبة،اذهبي للراحة"
توقفت عن الحديث عندما شمت رائحة عطر مألوفة،رائحة عطر هايدي.
قطبت حاجبيها ثم استمرت في مسح النافذة بهدوء.
بعد ساعات جمع الإبن الأكبر لسيد هذا القصر جميع الخدم في مكتبه، كان التعب واضحًا عليه وهو يضع يده على رأسه ويتنهد.
"هل أتى الجميع؟ لا يهم سأبدأ على أية حال"
وقف ونظر إلى أحد الأوراق في يده ثم قال:
"من اليوم فصاعدًا سأعطيكم بعض القواعد، احفظوها، ومن يخالفها فلا يلومن إلا نفسه"
كان هذا تهديدًا واضحًا من السيد التالي للمنزل، نظراته الجليدية جعلتهم يرتعشون، ليس وكأنهم يجرأون على مخالفة أوامره.
باعد بين شفتيه ليسرد عليهم ما تبقى من خطابه، ولكن قاطعه صوت طرق على الباب.
"تفضل"
فُتح الباب بهدوء وتوجهت جميع الأنظار نحو الوالج، اتسعت أعينهم بالدهشة واختلطت وجوههم بين فرح وحيرة.
"اعتذر عن التأخر سيدي الصغير"
وقفت هايدي مع صف الخدم بهدوء، وكأنها لم تكن قد اختفت لأسبوعين كاملين.
تجاهلها السيد ولم يسمح لهم بمواصلة صدمتهم، ضرب الطاولة بقوة ثم قال:
"القاعدة الأولى، ممنوع على الجميع مغادرة غرفهم بعد ساعة واحد من العشاء، باقي القواعد تعتمد على مدى تجاوزكم، ولا أنصحكم بالتجاوز"
اعتلت ملامحهم التوتر ولم يجرأو على سؤال سيدهم، ثم انصرفو ونظراتهم موجهة نحو هايدي، التي كانت واقفة في مكانها ولم تغادر معهم.
في الخارج تعالت همساتهم:"أليس هذا غريبًا؟ لقد كانت هايدي مختفية ولكنها عادت اليوم، هل رآها أحدكم صباحًا؟ هل تعلمون ما حصل لها في تلك الفترة؟"
قاطعهم صوت الباب يفتح ثم خرجت هايدي، كانت تتصرف بشكل طبيعي لدرجة أن أحدهم لم يجرؤ على سؤالها، خاصة بعد تحذير السيد بترك الفضول جانبًا.
ابتسمت لهم ثم سارت في الممر مبتعدة عنهم، ومنذ ذلك اليوم، لم يعرف أحد ما سر فترة الإختفاء تلك، والسؤال الذي حيرهم حقًا، هل هذه هي هايدي؟ أم أنها كيان من كيانات القصر؟
لا أحد يعلم، ولكن ما كانو متأكدين منه، هو أنها لم تعد طبيعية، لأنهم وفي يوم من الأيام، رأوها في الحديقة الامامية للقصر بوجه ضجرته الدماء، تغرس أسنانها في عنق إحدى الخادمات تحت صراخاتها ثم تناولت جثتها بشراهة.
hiam m