استيقظت ياسمين صباحا لم تجد يونس بجوارها ..
قامت فزعة، امسكت بهاتفها واتصلت به.
لحظات واتاها صوته عبر الهاتف: أخيرا صحيتي؟
- روحت فين بدري كده؟
- كان في حاجات لازم اخلصها، انزلي انتي وانا هاخلص واروح علي الشغل.
- يعني لازم الحاجات دي النهاردة؟
- معلش يا حبيبتي، حاجة مهمة.
أغلقت ياسمين الهاتف وهي تشعر بالضيق، اول عيد ميلاد لها وهي متزوجة من يونس و تركها في صباحه، حتي في المساء كانت تتوقع ان يكون اول من يهنئها بعيد ميلادها في الثانية عشر مساءا، لكنه لم يفعل.
تنهدت بضيق وارتدت ملابسها وذهبت إلى العمل.
دخلت إلي مكتبها، كان نهارا عاديا في يوما عاديا......
ربما الشيء الوحيد المختلف ان يونس تأخر عن العمل ما يقرب من الثلاث ساعات على غير عادته.
في منتصف النهار تقريبا، وجدت مندوب يقف امام باب القسم ويسأل عنها.
خرجت فناولها باقة كبيرة من الزهور مرسلة باسمها.
ابتسمت ياسمين وهي تحتضن باقة الزهور بين يديها وتدفن رأسها فيها تستنشق عبيرها.
كان مرفق مع الزهور كارت صغير مكتوب عليه:"كل سنة وانتي طيبة"
اتسعت ابتسامة ياسمين وانارت وجهها.
وضعت باقة الزهور امامها على المكتب، فهمست إيمان لها: ايه ده؟؟ مين اللي جايبلك الورد؟
ابتسمت ياسمين: مش عارفة.
هتفت إيمان وهي تغمز لها: معجب سري ولا ايه؟
رفعت ياسمين كتفيها وقالت ساخرة: او مش سري.
اقتربت إيمان وهتفت: ايه ده؟؟ في حد بجد؟! طيب قوليلي.. مين؟؟ هااا مين؟
ضحكت ياسمين بشدة: مفيش حد ولا حاجة..... كل الحكاية ان النهاردة عيد ميلادي و تلاقي فريدة بنت خالتي اللي بعتته..
صاحت إيمان: ايه ده بجد النهاردة عيد ميلادك.... مش معقولة.. كل ده بنشتغل مع بعض ومعرفش عيد ميلادك.... كل سنة وانتي طيبة يا ياسمين.
ابتسمت ياسمين: وانتي طيبة.
ثم قامت ياسمين من مكانها وتوجهت ناحية مكتب يونس، هتفت إيمان: رايحة فين؟
قالت ياسمين بارتباك: كنت محتاجة موافقة من يونس على البروشور قبل ما ابعته للعميل.
دخلت ياسمين مكتب يونس وأغلقت الباب خلفها بهدوء، وقفت بجواره... ثم انحنت لتضع قبلة على خده وهمست بعينين تترقرق فيهما الدموع: شكرا.
رفع وجهه إليها بابتسامة وهمس: عجبك الورد؟
هتفت ياسمين بسعادة: أوي.... فرحت جدااا... أول مرة حد يجيبلي ورد.
ثم اخفضت رأسها وهمست: كنت فاكراك نسيت.
امسك يونس بكفها يقبلها وهمس: مقدرش انسي ابدااا.
اتسعت ابتسامة ياسمين، همت ان تخرج لكن يونس استوقفها وهتف: معلش هتروحي لوحدك النهاردة علشان انا عندي اجتماع بره كمان ساعة وهتأخر.
لوت ياسمين شفتيها وهمست بضيق: ماشي.
انتهي يوم العمل، وعادت ياسمين إلي المنزل باقدام ثقيلة.
فتحت الباب، كان الظلام يحيط بالمنزل رغم انها متأكدة من انها تركت لمبة صغيرة مضاءة كعادتها قبل ان تخرج.
مدت يدها لمفتاح النور ومجرد ان أضاءت الغرفة ذهلت ياسمين...
كانت الأرض مفروشة ببتلات الورود والشموع الصغيرة.... وعلى الحائط بالونات صغيرة بحروف مجمعة.
" Happy Birthday"
وفي المنتصف كان يقف يونس.... اندفعت ياسمين نحوه بسعادة، تتعلق به كعادتها، تلف ساقيها حول خصره وهو يحملها عن الأرض.
همست وهي تدفن رأسها في عنقه: كل ده علشاني؟؟
ابتسم يونس وهمس: انتي لسة شوفتي حاجة.
أنزلها يونس ارضا، ثم امسك بكفها وتوجه ناحية الباب.... تبعته ياسمين وهي تهتف: هنروح فين بس؟
نظر لها يونس بابتسامة وهمس: مش عايزة تشوفي الهدية بتاعتك؟
هتفت ياسمين ضاحكة: طيب وليه ننزل تحت؟
ضحك يونس بخفة: علشان الهدية مش هينفع تطلع فوق.
وقف يونس امام باب البناية.... ثم اخرج من جيبه مفتاح سيارة وناوله لياسمين وهو يشير إلي سيارة مركونة أمام البناية: كل سنة وانتي طيبة يا حبيبتي.
وقفت ياسمين تنظر له بذهول، تتنقل بعينيها بين عيني يونس التي يرتسم فيهما ابتسامة، ويده الممدودة بالمفتاح لها..
أخيرا تكلمت ياسمين وقالت: ايه ده؟
مد يونس يده بالمفتاح وهتف: هديتك يا حبيبتي.
لايزال الذهول يتملك من ياسمين، لكنها هتفت: ايه هي هديتي؟؟
ابتسم يونس وهو يفتح السيارة: عربيتك يا حبيبتي.
صاحت ياسمين بذهول: يونس انت بتهزر؟
ضحك يونس: دي حاجات يتهزر فيها برضه؟
ياسمين: يونس بس دي غالية اوي... حبيبي دي فلوسك وفلوس ولادك... انا مش ممكن اقبلها ابدااا.
وضع يونس كفه على كتفها وقال: مش عاجباكي؟
ياسمين: لا طبعا دي حلوة جدااا..... بس بجد كتير وغاليه اوي..... يعني انا توقعت ممكن تجيبلي حاجة دهب.... او مثلا موبايل جديد.... لكن عربية اكيد لا.
ضحك يونس: أولا انا جايبلك عربية لاني مقبلش مراتي تتبهدل في المواصلات، وثانيا دي عربية صغيرة وبالقسط كمان فا مش مكلفاني كتير زي ما انتي فاكرة..... هي معلش صغيرة بس انتي مشاويرك مش بعيد ولو عايزة عربية كبيرة ممكن تبقي تاخدي عربيتي.
همست ياسمين: بس....
قاطعها يونس: وأخيرا اعتبريها اني باعدل بينكوا..... لان اول ما رجعنا مصر اشتريت عربية لسلمي علشان تودي الولاد المدارس والتمارين.
اتسعت ابتسامة ياسمين، ووضعت قبلة على خد يونس وهمست: ربنا يخليك ليا يا حبيبى.
ابتسم يونس: ويخليكي ليا.
ثم نظر اليها وهتف: ايه مش هتجربي عربيتك الجديدة؟
قفزت ياسمين من السعادة كالأطفال، اخذت منه المفاتيح ودخلت السيارة، جلست خلف المقود واستقر يونس علي المقعد المجاور لها.
يونس: لسة فاكرة السواقة صح؟
ضحكت ياسمين: ايه ده انت بتشكك في قدراتي؟
يونس: ربنا يستر.
ضحكت ياسمين بشدة وهي تقود السيارة وكأنها ملكت الدنيا بما فيها، فقط بوجود يونس بجوارها...
---------------------------
امتلأت قاعة الفندق بالأنوار والزينة.... الموسيقي تعلو في الخلفية والموظفون يتحركون في كل مكان.
كان يونس يقف بجوار المدير التنفيذي يتحدث بثقة وهدوء، لكن عيناه كانت تتبع ياسمين اينما ذهبت.
كانت ياسمين ترتدي فستانا أنيق، وابتسامتها الساحرة كانت تخطف قلبه... مر يونس بجوارها وانحني خلف أذنها تماما وهمس: أحلى واحدة في المكان.
ارتبكت ياسمين واحمرت وجنتيها وهمست: بطل كلامك ده هيبان علينا.
هز رأسه بابتسامة وابتعد عنها، يعاود الكلام مع بعض الزملاء لكن عينيه كانت لاتزال تتبعها.
أما ياسمين فكانت من الحين والأخر تفتعل الحجج حتي تتحدث معه، تسأله عن مشروع أو ملف لعميل.. وكان يونس ينتهز الفرصة كلما مرت من جواره همس لها بإحدى كلماته الرقيقة.
أخيرا وقف يونس مع ياسمين وحدهما... يتحدثان بعفوية.. بخفة..
ضحكاتهم تملأ المكان بهجة.
ووسط أجواء الاحتفال، كان المصور يدور بين الموظفين يلتقط صورا عفوية. حين اقترب من يونس وياسمين وهما يقفان بالقرب من بعضهما البعض ، كان قربهما بشكل ملحوظ، ونظراتهم المتبادلة توحي بالحب، اقترب المصور وقال وهو يضحك: ماشاء الله... شكلكم كابل حلو أوي... متجوزين بقالكوا كتير؟ ايه رأيكوا ناخد صورة سوا؟
ارتبكت ياسمين واتسعت عيناها، لوحت بيدها سريعا: لألأ.. أحنا مش..
قاطعها يونس بابتسامة كلها ثقة وقال: ماشي نتصور.
وقف بجوارها، اقترب منها بخفة... وضع يده خلف ظهرها لكنه لم يلمسها.... صارت المسافة بينهما صغيرة جدا، لكنها كانت كافية لأن يلتقط المصور تلك اللمعة في اعينهما...كان يونس ينظر إليها بعينين لامعتين يشع منهما الحب، وكانت ياسمين تبادله نفس النظرة والابتسامة، فلم ينظر أيا منهما إلي الكاميرا.
التقط المصور الصورة العفوية قبل أن ينظرا إلي الكاميرا ويبتسم كلاهما ابتسامة رسمية.
بعد أن ألتقط المصور الصورة، اقترب منهما يريهما بعض اللقطات العفوية التي أخذها لهم طوال الحفل.
كانت اللقطات تظهر التفاهم الواضح بينهما، واللمعة في عيونهما التي لا تخطأها عين.
ابتسامة ياسمين له، ضحكاتهما العفوية معا.
ارتبكت ياسمين أكثر حين نظرت إلي الكاميرا وشاهدت الصور... بينما هتف يونس في هدوء: الصور حلوة أوي... بس استأذنك مش عايز حد من الشركة يشوفها.
أخرج من جيبه كارت وقدمه للمصور: ده رقم تليفوني ممكن تبعتلي الصور بتاعتنا بعد ما تخلص.
اتسعت ابتسامة المصور وقال: اه طبعا مفهوم.... أول ما الصور تجهز هابعتهالك لوحدها بعيد عن صور الحفلة.
ابتسم يونس: اوعي تنسي.
المصور: عمري ما هانسي كابل زيكوا.... انا بحب اصور الناس اللي زيكوا بيبقي الحب واضح في عينيهم فالصور بتطلع حلوة.
ابتعد المصور وهمست ياسمين بتوتر: هنعمل ايه دلوقتي؟
ضحك يونس بثقة: هيبعتلنا الصور.
ياسمين: ولو حد شافها؟
نظر لها يونس وهتف بابتسامة: هو حرام زمايل يتصوروا مع بعض؟ ولا أي زمايل بيتصوروا مع بعض بيبقي في بينهم حاجة؟
ياسمين: يونس بس أنت شوفت الصور....
قاطعها يونس: عادى متقلقيش... صور عادية، حتى لو حد شافها.
تنهدت ياسمين بقلق: ربنا يستر.
اقترب منهما كريم بخفة وهتف: أستاذ يونس... ممكن أتصور معاك قبل ما الحفلة تتزحم.
ضحك يونس بخفة: اه طبعا.
بدأ المصور يلتقط لهم الصور، حين هتف يونس: تعالي يا ياسمين أتصورى معانا انتي وبقيت التيم.
وقفت إيمان بجوار كريم، يضع كريم يده بخفة فوق كتفها، وقفت ياسمين بين كريم ويونس، وباقى افراد الفريق في الخلفية.
بدأت مراسم التكريم.
صعد الرئيس التنفيذي على المنصة.. الأضواء مسلطة عليه.
بدأ يلقي كلمته... هتف في مكبر الصوت:
" السنة دي كان عندنا تحديات كبيرة وكتيرة... لكن النجاح الحقيقي بيبان لما فرد يقدر يرجع الثقة ويخلق روح جديدة في الفريق.. والحقيقة ده اللي عمله يونس.. من اول لحظة أنضم فيها للفريق والفرق كان واضح.
بدأ الجميع في التصفيق.. أبتسم يونس بهدوء وصعد إلي المنصة، حاول أن يبدو متماسكا برغم الارتباك الواضح في عينيه.
صافح الرئيس التنفيذي بثقة، وتسلم منه درع كريستالي يحمل أسمه.
كان الضوء مسلط على يونس، حين تقدم من مكبر الصوت وهتف: الحقيقة انا شايف أن التكريم ده مش ليا لوحدى... لأن الشغل عمره ما كان مجهود فردي، والنجاح اللي حصل السنة دي سببه ناس اشتغلت وتعبت وسهرت علشان الشغل يطلع أحسن ما يكون.
صمت للحظة، عيناه تبحث بين الحضور عنها، حين وقعت عينيه عليها تقف في الصف الأول أردف: يمكن محدش يعرف بس جزء كبير من الشغل والنجاح ده بفضل ياسمين هي والفريق اللي معاها... أنا محظوظ أني باشتغل معاهم وباتعلم منهم كل يوم... وأنا عمري ما كنت هاوصل للنجاح ده من غيرهم.
ساد الصمت في القاعة، ثم علي تصفيق مدوي... كان الحضور يصفقون اعجابا بتواضعه، بينما ياسمين وقفت في ذهول، تفتخر به وبنجاحة، وممتنة بذكره اسمها ونسبه نجاحه لها.
نزل من فوق المنصة بعد أن سلم على الرئيس التنفيذي.. أقترب من ياسمين بابتسامة وهمس: تفتكري الجايزة هيبقي شكلها حلو لما نحطها في الريسيبشن؟
اخفضت رأسها بابتسامة وهمست: شكرا أنك قولت أسمى.
يونس: دي أقل حاجة اعملها.. ده حقك.
اقترب كريم وهتف مازحا: مبروك يا مدير.... تستاهلها والله.
ضحك يونس: شكرا يا كريم.
بينما اقتربت إيمان بضيق واضح على ملامحها وقالت ساخرة: مجهودات ياسمين محدش يقدر ينكرها ولا ايه؟
ابتسم يونس بثقة: ده أكيد.
مضي الحفل بهدوء، بين أحاديث الزملاء وبعض الفقرات الترفيهية.
اقترب يونس من ياسمين التي كانت تقف مع كريم وإيمان ومجموعة من الزملاء، نظر اليها نظرة فهمتها وقال: انا هامشي علشان الولاد تعبانين، ثم نظر إلي ياسمين وقال: تحبي أوصلك معايا؟
هتف كريم: معقولة تمشي قبل البوفيه... ميصحش.
ضحك يونس بخفة: الساعة داخلة على 11، بس أنت ممكن تاكل مكاني.
كريم: لو كده أنا موافق.
ابتسمت ياسمين وهي تحمل حقيبة يدها: لو مش هاتعبك ممكن توصلني.
هتفت إيمان: خليكي وكريم يوصلك.
ضحكت ياسمين بخفة: تعبانة خلاص محتاجة أنام، كمان بكرة في شغل الصبح.
يونس: أكيد طبعا يلا.
مشي يونس وتبعته ياسمين.
جلست بجواره في السيارة وهتفت مازحة: أول مرة نمشي من غير ما حد يشبط فينا.
تنهد براحة: اخيرااا.
همست ياسمين بدلال: مجيتش امبارح ليه ؟
يونس: الولاد بقالهم أسبوع تعبانين أوي... كان لازم اطمن عليهم قبل ما اجي.
تمتمت ياسمين: ألف سلامة عليهم.
----
في الصباح... حين تسللت أشعة الشمس إلي الغرفة، دق جرس المنبه معلنا السابعة صباحا.
لم تتحرك ياسمين من مكانها على غير العادة... ظل المنبه يدوي طويلا قبل ان يتحرك يونس بكسل ليطفئه.
هزها بخفة وهو يهمس: ياسمين... ايه الكسل ده.. اول مرة تتأخري في النوم كده.
همهمت بكسل: مش قادرة.
لمس كتفها برقة ليوقظها، لكنه لاحظ حرارتها المرتفعة.
اعتدل في جلسته واضاء المصباح الجانبي لفراشه وهتف بقلق: ياسمين أنتي حاسة بايه؟
همست بوهن: مش قادرة أقوم حاسة جسمي مكسر.
لاحظ البقع الحمراء المنتشرة على خدها وعنقها، خبط مقدمة رأسه بكفه وصاح: ازاي مفتكرتش... ازاي مخدتش بالي.
فتحت عينيها بتكاسل وهمست: في ايه؟
انتفض من مكانه وهو يمسك هاتفه: دكتور... لازم اتصل بالدكتور.
همست بوهن متسائلة: في ايه؟
جلس بجوارها، أمسك بكفها وهتف بندم: أنا اسف... والله العظيم حقك عليا.. أنا نسيت خالص.
ياسمين: نسيت ايه؟ انا مش فاهمة حاجة؟!!!
Amira Ahmed