وفى اليوم المنتظر... ارتدت ياسمين فستانها... وضعت قليلا من مساحيق التجميل... نظرت إلي نفسها في المرآة قبل أن تخرج من غرفتها... شعرت بأنها عروسة بالفعل.
خرجت إلي عمها الذي قال لها: متأكدة يا حبيبتي من قرارك؟
اومأت رأسها بإيجاب.
همس لها عمها: ربنا يسعدك يا بنتي ويعوضك خير.
وبعد دقائق رن جرس الباب... فتح عمها.
دخل يونس ومعه سيف والمأذون، وصديق قديم ليونس.
أرتدي يونس بذلة سوداء أنيقة.. وقميص أبيض.
تعلقت عيني يونس بياسمين مجرد أن وقعت عينيه عليها... أحمرت وجنتها من نظراته وشعرت بأنها تخترقها... لكن عينيه لم تفارقها ابدا
جلس المأذون في المنتصف بين يونس وعمها وجلست هي بجوار عمها أمام يونس.
بدأ المأذون في الإجراءات.
وطوال الوقت كانت عيني يونس لا تفارقها.
وحين أنهى المأذون كلماته، ورن صوته في قلوبهم يهتف: " بارك الله لكما وبارك عليكما... وجمع بينكما في خير.."
لم يسمع يونس بعدها شيئا..
وكأن العالم كله من حوله أختفى.
لحظة واحدة تفرق بين الحلال والحرام..
والآن فقط أصبحت ياسمين حلاله.
نهض يونس من مكانه فجأة خطا خطوتين تجاه ياسمين، ثم مد ذراعه وجذبها إليه.
ضمها بين أحضانه وكأن العالم كله توقف من حولهما..
لم يهتم بنظرات الحاضرين، ولا لشهقة عمها الغاضبة... ولا ضحكة المأذون الخافتة..
كان يشعر وكأن الزمان توقف والمكان تلاشي ولم يبق شيئا سوى هو وياسمين بين احضانه.
همست بارتباك ودموعها تختلط بأنفاسها: يونس ... احنا مش لوحدنا.
لكنه لم يتركها، بل أحكم قبضة ذراعيه حولها أكثر برغم ارتجافة يده، وكأنه يخشي لو تركها لحظة أن تختفي.
همس بالقرب من اذنها : أخيرا بقيتي ليا.
شعر بدمعة ساخنة سقطت منها بللت قميصه.
لم يكن يدري بما يدور حوله... ولا يسمع سوي نبض قلبيهما.
حتى شعر بربته على كتفه وصوت سيف يهتف بضحكة خبيثة: احنا ماشيين يا عريس.
انتفض يونس فجأة وكأنه أدرك للتو وجود الناس من حوله.
نظر إلي سيف، ثم إلي صديقه الذي كان يحاول ان يكتم ضحكته.. ونظرات عمها المليئة بالغضب.
ثم نظر إلي ياسمين التي خبأت وجهها في صدره من الخجل.
انصرف الجميع... وأغلق يونس الباب خلفهم.
كان الصمت يخيم على المكان فلم يكن هناك سوي صوت أنفاسهم.
أقترب يونس من ياسمين التي كانت تقف على بعد خطوات منه.. تحسس وجهها ببطء بأنامله وهمس: ياسمين احنا لوحدنا.
همست بصوت خافت: ايوه.
جذبها إلي صدره من جديد في عناق أطول وأقوي... لامست أنفاسه الحارة أذنيها وهو يهمس: سنين وانا بحلم باللحظة دى... كنت فاكر أنها مش هتيجي.
لم تجد كلمات في حلقها... بل دفنت وجهها في عنقه أكثر ودموعها تختلط بابتسامتها، ودقات قلبها تكاد تكون مسموعة.
أخيرا ابتعد عنها قليلا، رفع وجهها بين كفيه.. نظر لها نظرة مليئة بالحب والشوق، ثم أنحني ليطبع أول قبلة على شفتيها.. لم تكن كأي قبلة... بل كانت وعد غير منطوق بالسعادة الأبدية.
فقدت ياسمين رباط جأشها من قبلته... فتركت نفسها تستمتع بدفء قربه.
تحركت يداه على جسدها ببطء وكأنه يكتشف مملكته للمرة الأولي.
همست ياسمين بخجل بصوت مرتعش متقطع من بين قبلاته: يونس.. أستني.
ابتسم يونس وشفتيه تلمس وجنتها: أستني؟؟ بعد كل ده بتقوليلي استني.... لأ مش هاستني ثانية واحدة.
ثم حملها بين ذراعيه بخفة وانطلق بها نحو الغرفة...
أغلق يونس الباب خلفه ببطء... وضعها على طرف الفراش برفق، ثم جلس أمامها... ينظر إليها بصمت وكأنه يحاول ان يحفظ ملامحها.
تحسس وجهها بأنامله وقال: عمري كله كان ناقصك يا ياسمين... مكنتش عايش وانا بعيد عنك.
ارتجفت بين ذراعيه وسقطت دمعة ساخنة على وجنتها، لكنه أسرع يمسحها بيديه، ثم قبل موضع دمعتها بحب وكأنه يريد أن يمحي أي أثر لدموعها.
أغلقت عينيها وهمست بعاطفة جياشة: بحبك يا يونس... محبتش في حياتي راجل غيرك.
قرب وجهه من وجهها وهمس: وانا ليكي.. وأنتي ليا.. ومفيش حاجة هتفرقنا عن بعض ابدا.
أقبل عليها يقبلها بشغف... ويضمها برفق.. اختلطت أنفاسهما الساخنة.
كان من بين قبلاته يهمس لها بكلمات اذابت أوصال قلبها.
" بحبك ... من قبل ما أعرف يعني ايه حب"
" مكنتش عايش وانا بعيد عنك"
" كنت باحلم بيكي كل ليلة"
ضحكت ياسمين من بين دموعها، واحكمت قبضتها على رأسه تشده إليها أكثر وهمست: متسيبنيش ابدا يا يونس.
أطبق ذراعيه عليها أكثر، وكأنه يعاهدها الا يتركها ابدا.
ثم في حضن الليل لم يكن هناك غيرهما... توقف الوقت وتلاشى كل شيء ولم يتبق سوى قلبين التقيا بعد سنوات طويلة ليبدأ عمر انتظراه معا.
ناما متعانقين.. ومنذ تلك الليلة كانا يناما في أحضان بعضهما البعض... وكأنهما جسدا واحد.
في الصباح.. شعرت ياسمين بيديه الحديديتين تلتفان حول خصرها بقوة، فتحت عينيها لتتلاقى مع عينيها وهو ينظر إليها بابتسامة.
همست ياسمين بصوت ناعس: أنت صحيت أمتي؟
همس يونس: منمتش أصلا... معرفتش أغمض عيني ومشوفكيش.
ضحكت، ثم قالت بخجل وهى تعض على شفتها: يونس انا مش مصدقة اننا اتجوزنا.
مال ليضع قبلة طويلة شغوفة على شفتيها وهمس: كده تصدقى؟
ابتسمت ياسمين وهمست بخجل: امبارح أول مرة أحس أني ست...
عقد حاجبيه بعدم فهم، لكنها لم تمنحه تفسير، هتفت : هاقوم أحضر الفطار.
ضمها مرة أخري وهمس: مش عاوز أكل... خليكي جنبي.
ضحكت بخفة وهى تقوم من الفراش.. وقف ترتدى ثوبها حين استوقفها يونس وقال بذهول: ايه اللي في ضهرك ده يا ياسمين؟
ارتبكت ياسمين وقالت والدموع تترقرق في عينيها: مفيش.
قام من مكانه.. وقف خلفها.. يتحسس أثر ذلك الجرح على ظهرها وهمس: مين اللي عمل فيكي كده؟
سقطت دمعة حارة على خدها وهمست: انا اتعذبت كتير أوى وانت بعيد عني يا يونس.
يونس: طليقك؟
اومأت بألم وهمست باكية: كان بيضربني... ومكنش حد بيصدق ان الأستاذ الجامعي بيعمل كده في مراته...
هتف بضيق: بيضربك ليه؟
علي صوت بكاؤها وقالت: مكنش بيحب الستات... كنت بقرف منه... مبحبش أنه يلمسني.. وكل حاجة كان بيطلبها بالضرب.
نظر لها يونس بألم وقال بضيق: واتجوزك ليه لو هو كده؟
ياسمين: مظهر اجتماعي... زي الشقة اللي في أحسن كومبوند والعربية أخر موديل... وعلشان محدش يشك فيه.
ضمها يونس إلي صدره وسقطت دمعه منه رغما عنه وهمس: انا أسف.. حقك عليا.. أنسي كل اللي فات.
ثم التف إلي ظهرها يقبل موضع الجرح بشفتيه وكأنه يمسح أي أثر له.
مسح دموعها بيديه وهتف مازحا: ينفع أول يوم لينا مع بعض تقضيه وانتي بتعيطي كده؟
بعدين كده هتبوظى المفاجأة.
ضحكت ياسمين: مفاجأة.
يونس: بتاخدي قد ايه وقت علشان تجهزى شنطك؟
ياسمين: هنسافر؟
ابتسم يونس: زمان قولتيلي أنك نفسك تسافري المالديف... وقتها أنا أخدت عهد على نفسي لما نتجوز لازم نقضي شهر العسل هناك.... يارب متكونيش روحتيها قبل كده علشان انا مروحتهاش قبل كده.
صاحت ياسمين بسعادة: يونس أنت بتهزر صح؟
حرك رأسه بالنفي، ألقت بنفسها بين ذراعيه وهتفت بسعادة: دي أحلي مفاجأة.... فعلا كان نفسي أروحها بس معاك أنت... محدش غيرك يعرف أني نفسي أروح المالديف.
قبلها بحب وهمس: طيارتنا بكرة الساعة 5 الفجر.. جهزي نفسك.
وضعت قبلة على خده وهمست: ربنا يخليك ليا.
------------------------
هبطت الطائرة الصغيرة التي استقلاها من المطار الرئيسي إلي الجزيرة، كان الغروب يلون الأفق بألوان ذهبية ساحرة.... عبرا معا الجسر الخشبي الطويل الذي يقود إلي فيلا معلقة فوق سطح الماء، والبحر الأزرق تحت اقدامهما يتلألأ..
كان المكان أشبه بقطعة من الجنة.... كهف من الخشب أنيق، مزين بستائر بيضاء وفراش أبيض اللون... بواجهة زجاجية تطل على المحيط مباشرة، ويمتد أمامها مسبح زجاجي صغير خاص بهما.
كانت الغرفة بسيطة لكنها ساحرة... سرير خشبي معلق... وأرجوحة بيضاء على المحيط مباشرة... شجيرات صغيرة في كل مكان وزهور استوائية.
وقفت ياسمين مشدوهة تنظر حولها بسعادة، ثم ألتفت خلفها لتنظر ليونس وهتفت: يونس هو ده حقيقي؟ ولا أنا بحلم؟
حاوطها بذراعيه وهمس بالقرب من أذنها: حلم بس مش هنصحي منه.
ضحكت بخفة وهي تميل لتسند رأسها على صدره: أنا مش مصدقة أني هنا... ومعاك...وفى حضنك.
أحكم قبضته حول خصرها أكثر وهمس: ده المكان اللي مكنتش أتخيل أني أجيه غير معاكي.
همست بسعادة: بس المكان حلو أوي.
يونس: المكان حلو علشان أنا وأنتي فيه لوحدنا... مفيش حد هياخد مننا السعادة دي.
سحبها يونس من يدها وجلسا على حافة المسبح... نظرا إلي البحر أمامهم يمتزج بالسماء الذهبية، ثم قال يونس وهو يضمها بين ذراعيه: أول يوم لينا في الجنة.
أغمضت ياسمين عينيها وهمست: انا حاسة أني في حلم... مكان أحلامي مع راجل أحلامي.
ضحك يونس بخفة: أستعدي... علشان انا ناوي أحققلك كل احلامك... بس دلوقتي وقت الواقع.
وقف يونس فجأة وجذبها لتقف أمامه... حملها بخفة واتجه بها ناحية السرير... ألقاها برفق عليه فتدحرجت وهى تضحك بسعادة وهتفت: مجنون.
أقترب أكثر وهو يهمس: أعمل أيه إذا كنتي جننتيني.
قبلها بشغف يبث لها أشواقه وحبه.
في المساء....
كان السكون يحيط بالجزيرة الا من أصوات الأمواج المتلاطمة.... تلألأت النجوم في السماء تعكس نورها على سطح البحر بشاعرية.
جلست ياسمين على الأرجوحة تنظر للبحر أمامها... شعرها الأسود يتطاير مع نسمات الهواء... ترتدي قميص بسيط من الساتان الأبيض..
دخل يونس بخطوات بطيئة يحمل بين يديه كأسين من العصير..
ناولها أحداهما وهو يهمس: اتفضلي يا ست العرايس.
ضحكت ياسمين بخفة: أنا هاخد على الدلع ده.
افسحت له المجال ليجلس بجوارها...جلس بجوارها وهتف: انتي لسة مشوفتيش دلع.
نظرت ياسمين للحب الظاهر بين مقلتيه وهمست ضاحكة: أنت من أمتي بقيت رومانسي كده؟ عرفتك عشرين سنة مقولتليش فيهم كلمة حب...وفي ست شهور بس مش عارفة أسكتك.
أمسك بيديها بين يده وهمس: أنا كنت زمان بخبي... خبيت كتير أوي... بس من دلوقتي هاقول كل حاجة... مش ناوي أخبي أي حاجة انا حاسس بيها.
نظرت لانعكاس القمر يتلألأ في عينيه وهمست: أنا مش مصدقة أني معاك... مش مصدقة أننا هنا سوا.... أنت كل حاجة انا حلمت بيها يا يونس.
أمسك وجهها بين راحتيه، نظر في عمق عينيها وطبع قبلة هادئة على شفتيها..
حاوطها بذراعيه وهو يأخذ كأس العصير من يدها يضعه جانبا..
استقرت ياسمين بين أحضانه على الأرجوحة، ثم همست وهي تدفن رأسها في صدره: بحبك.
همس يونس بالقرب من أذنها: أنتي الحلم اللي كنت مستني أحققه.
مال عليها أكثر... يجذبها إلى حضنه، يزين وجهها وعنقها بقبلات صغيرة... ضحكت ياسمين بخجل قبل أن تستلم بين ذراعيه، وكان البحر شاهدا على دفء قلبيهما.
بعد مرور يومين..
استيقظت ياسمين في الصباح على دفء نور الشمس.. فتحت عيناها لتجد يونس يجلس عند طرف الفراش ينظر إليها بابتسامة.
هتفت ياسمين مازحة بصوت ناعس: هو أنا كل يوم هاصحي الاقيك بتراقبني كده.
ضحك يونس وهو يقترب منها: أعمل ايه مبشبعش منك.
أقترب منها أكثر، فابتعدت عنه بدلال وهتفت:يونس... انت وعدتني هنخرج النهاردة....النهاردة رابع يوم لينا هنا ومخرجناش من باب الفيلا... عاوزة أشوف البلد.
يونس: طيب عايزة تروحي فين يا حبيبتي...انا عن نفسي مش عايز أكتر من كده.. الماية والهوا والوجه الحسن... أكتر من كده هابقي طماع أوي.
هتفت مازحة: بكاش أوي... عايزة أعمل أي اكتيفتي.
خرج يونس إلي الشرفة وهتف: طيب مش نفطر الأول.
تبعته بنزق، لكنها فوجئت بصينية صغيرة عائمة على المسبح الصغير معدة للإفطار.. أطباق من الفاكهة الاستوائية... خبز ساخن... وزهور متناثرة في كل مكان.
صاحت ياسمين بسعادة: عملت كل ده امتي؟
ضحك يونس بخفة: وانتي نايمة.
أمسكت كفه وضغطت عليها وهي تهتف بسعادة: أنت مجنون... بس أنا بحب جنانك.
قفز يونس في المسبح الصغير وهو ينظر لها ويهتف: يلا مش هتيجي.
قفزت بدورها بسعادة... ضحك وهو يضع قطعة من الفاكهة بفمها....
ارتجفت حين مسح بأنامله بعض من قطرات الفاكهة سقطت على شفتيها.
أمسك زهرة من الزهور المتناثرة فوق المسبح ووضعها بين خصلات شعرها.
نظر لها بحب وهمس: عارفة يا ياسمين... شكلك متغيرش خالص... يمكن نفس الشكل من يوم ما عرفتك.
ضحكت بخفة وهي تهمس بخجل: مبقيتش في العشرين يا يونس.
أقترب منها أكثر و لف ذراعيه حولها، ظهرها ملاصق تماما لصدره ينظران إلي البحر الممتد أمامهم وقال: هتفضلي في عيني نفس البنت الصغيرة اللي حبيتها ومتمنتش أعيش مع واحدة غيرها.
صمتا قليلا يستمتعا بالمنظر الخلاب، ثم همس يدندن: القلب اللي اتمنيته يا قلبي معقولة اتمناك... واللي أنت حلمت في يوم بيه يا قلبي معقول يبقي معاك.
ضحكت ياسمين بخفة وهمست: شاعر ومغني ورومانسي... وبعدين معاك انا مش هاستحمل.
ضحك يونس بخفة: هو ده المطلوب... دي خطة تكتيكية.
ألتفت تواجهه وذراعيه لازالت ملفوفة حولها وهمست: عايزني أحبك أكتر من كده ايه؟ حبك أكبر مني.
قبلها بخفة وهتف: أكيد في أكتر... أنا طماع وخصوصا في حبك.
جلس على حافة المسبح، ومد يده يسحبها لتجلس بجواره وقال: يلا علشان منتأخرش.
نظرت له بعدم فهم، فأردف: مش أنتي مش عايزة منقعدش النهاردة في الأوضة... يلا هنخرج.
صاحت بسعادة وذهبت تستعد.
وقفت ترتدي ملابسها أمام المرآة حين رن هاتفها.
نظر إليها باستغراب وقال: انتي ليه مش قافلة تليفونك؟ انا قافل تليفوني من وقت كتب الكتاب.
ضحكت بخفة: علشان عارفة ان محدش هيتصل بيا.
نظرت إلي الهاتف وقالت: رقم غريب... مش عارفة مين.
اقترب منها، نظر إلي شاشة الهاتف وقال بريبة: ده رقم سيف.. ليه بيكلمك؟
Amira Ahmed