في صباح اليوم التالي... استيقظت ياسمين باكرا... حضرت الإفطار ودخلت إلي الغرفة مرة أخري... تحاول أن توقظ يونس دون فائدة.
لمست ذراعه بحنان وهتفت ساخرة: يونس أنت لسة نومك تقيل زي زمان... مش معقولة كل ده نوم.
همس يونس بصوت ناعس دون أن يفتح عينيه: طيب أنتى عارفة مش حاجة جديدة عليكي.
ابتسمت ياسمين ووضعت قبلة على خده بحنان وهتفت: طيب يلا علشان هنتأخر بجد على الشغل.
مد يده ليمسكها لكنها ابتعدت عنه بسرعة وهتفت ضاحكة: والله لو مقومتش هادلق عليك كوباية ماية ساقعة.... انا مش هاروح متأخر على الشغل بسببك...
ثم هتفت بدلال: مديري هيزعقلي.
أعتدل في جلسته على الفراش وقال مازحا: ممكن أتوسطلك عنده تروحى متأخر النهاردة.
خرجت من الغرفة وهي تضحك وقالت: هو كمان هيروح متأخر النهاردة.
انتهيا من الفطور وارتدي كل منهما ملابسه استعدادا للذهاب للعمل.
وقفت ياسمين تشاهد يونس بابتسامة عريضة، عدلت له من هندامه بكل حب.
همس لها: برضه يا ياسمين مش عايزة تركبي معايا العربية أوصلك؟
ابتسمت بخفة وهمست: طيب أفرض حد شافنا مع بعض... هاطلب عربية هتوصلني زي كل يوم.
تنهد بضيق وهتف: يعني ينفع مراتي تركب عربية مع راجل غريب وانا وهي رايحين نفس المكان؟
ياسمين: عادي يا يونس... ظروفنا كده... مش أحسن ما حد يشوفنا... بعدين ده وضع مؤقت مش كده.
تنحنح بخشونة وهمس: اه طبعا يا حبيبتي... مؤقت.
ابتسمت ياسمين بثقة.... تحرك كلاهما نحو العمل.
مضت الأيام بين يونس وياسمين سريعة... بين تفاهم وحب وسعادة، لم يكن كلاهما يتخيل أن يعيش فيها.
كعادتها الأيام السعيدة... تمضي سريعا.
لكن بالنسبة ليونس وياسمين كانت ايامهما معا تمضي سعيدة جدا و سريعة جدا... وايامهما في البعد تمضي بطيئة جدا جدا.
حتي كان يوم الفراق... يونس سيعود بعد العمل إلي سلمي.
كانت تلك الأيام ثقيلة على كلاهما... حتى كانت إيمان تلاحظ تغير مزاج ياسمين في العمل.
ويونس دائما في حالة من العصبية والحدة.
دخل يونس منزله في المساء... المنزل هادئ...الأولاد يشاهدون التليفزيون بصمت.
لكن سلمي كانت تنتظره بترقب.
رحبت به كعادتها.
دخل يغير ملابسه.. تبعته إلي غرفة النوم.. وقفت تنظر إليه بأرتباك ثم ناولته خطاب في ظرف مفتوح.
هتفت سلمي بارتباك: كشف حساب البنك جه، أنا راجعته زي كل مرة... بس المرة دي في مبلغ كبير مسحوب من الحساب... أنت اللي ساحب المبلغ ده.
تنهد يونس وقال: أه فعلا انا سحبت المبلغ ده.
قالت سلمي بحدة: ليه تسحب مبلغ كبير زي ده؟ وليه مقولتليش.
صاح يونس بحدة: أنتي هتحاسبيني يا سلمي؟ قولتلك انا اللى سحبته ومفيش غلط في الحسابات.
نظرت له سلمي بحدة وقالت: ليه سحبت المبلغ ده وانت مش هتعمل بيه حاجة؟
هتف يونس بنزق: سيف كان محتاج فلوس علشان يخلص تشطيب الشقة.. أديتهمله... خلاص؟
رفعت سلمي حاجبها وقالت: وليه مقولتش أنك اديتهم لسيف؟
يونس بحدة: علشان سيف مش عايز آية تعرف... وانتي كل حاجة بتقوليها لآية.
سلمي: وانت من أمتي بتخبي عليا يا يونس؟
زفر يونس بحدة: بقولك أيه... انا راجع تعبان ومش قادر للخناق... وبعد كده متبقيش تراجعي حسابات البنك.
سلمي: يونس أنت بتتعصب من غير داعي.. أنا..
قاطعها يونس بحدة: انا مش عايز أعلي صوتي علشان الأولاد... تصبحي علي خير
تركها تقف وسط خيباتها واعطاها ظهره ونام.
أغمض عينيه لكنه لم ينم... يأكله الندم... يعلم أنه كان قاسي مع سلمي بلا داع.. لكن لا سلطان له على قلبه.
أنقضت الأيام بين سلمي ويونس بفتور... بلا كلمات الا في الضرورة.. أو ما يخص الأولاد.
يعود يونس من العمل يقضي المساء مع أولاده ثم ينام.
وفي الصباح يذهب للعمل بابتسامة عريضة كونه فقط سيري ياسمين.
دخلت عليه ياسمين في مكتبه بوجه باهت..
كان يلاحظ علامات الإرهاق والألم مرسومة على وجهها طوال النهار، وجهها الشاحب المصفر وتلك الهالات السوداء حول عينيها، رغم أنها حاولت أن تخفيها بمستحضرات التجميل الا انها كانت جلية له.
حركتها البطيئة... وللضرورة فقط لفتت أنتباهه.
دخلت ياسمين المكتب.. جلست على المقعد أمام مكتبه... أبتسم لها وهمس: شكلك تعبان.
اومأت رأسها بخجل وهمست: شوية تعب بسيط.
ازدردت ريقها وقالت بارتباك: يونس... يمكن أحسن النهاردة تروح تبات مع الولاد.
رفع رأسه يطالعها بحدة، وهتف باستنكار: ليه يا ياسمين؟ ده انا مستني اليوم ده من أول الأسبوع.
فركت كفيها من التوتر، وقالت بنبرة مرتبكة: يعني... أنا تعبانة شوية... مش هتكون مبسوط لما تبات معايا... أصل... أنا.
صمت قليلا يطالعها، ثم أنفجر يونس ضاحكا وقال من بين ضحكاته: عرفت السبب.
ظهر الارتباك أكثر على ياسمين واحمرت وجنتيها وهمست: يونس من فضلك.
أقترب منها وأمسك كفها بحنان وهمس: وانا عايز أبقي جنبك.
همست بخجل: بابقي تعبانة جدا.
يونس: وده سبب أقوي أني أكون معاكي.
لاحظ وجنتيها الحمر، ونظراتها التي تتفادي عينيه فهمس: ياسمين أنتي مكسوفة مني؟
أبتسم ياسمين بخجل.
ربت على وجنتها بحب وأردف: روحي ارتاحي يا ياسمين.
همست: مش هينفع عندي شغل كتير.
يونس: أنا هاعمل الشغل اللي وراكي وانتي روحي أرتاحي.
ياسمين: هاخلص طيب حاجات مهمة وأمشي.
هتف يونس بحزم: أنتي أهم من أي شغل... روحي البيت وارتاحي.. وانا هاجيب أكل وانا جاي.
ابتسمت ياسمين بخجل، لكن كانت عيناها تحمل كثير من الامتنان.
عادت ياسمين إلي المنزل وبعد عدت ساعات شعرت بمفتاح يونس يدور في الباب.
دخل يحمل بين يديه أكياس، حين وجدها تستلقى على الأريكة في وضع الجنين، ملفوفة بالأغطية.
وضع الأكياس بالمطبخ، أقترب منها .. وضع قبلة رقيقة على جبينها وهمس: يلا يا حبيبتي علشان تاكلي... أسف لو اتأخرت عليكي.
ابتسمت ياسمين وهمست بنبرة متعبة: مش عاوزة أكل حاجة.
يونس: معلش علشان خاطري...
شمر يونس أكمامه، وذهب إلي المطبخ، عاد بعد قليل يحمل صينيه موضوع عليها الطعام ، وضعها أمام ياسمين وجلس بجوارها على الأريكة وهمس: جبتلك الفراخ المشوية اللي بتحبيها.
ابتسمت ياسمين وهمست: شكرا.. بس بجد مش قادرة أكل حاجة.
أخذ قطعة من الدجاج ووضعها بفمها وقال: ولا حتى تاكلي من أيدي؟
ابتسمت وهي تفتح فمها ببطء تلتقط قطعة الدجاج منه.
أطعمها بيديه حتى امتلأت وهتفت: يونس بجد مش قادرة أكل تاني.
نظر إلي عينيها وقال مازحا: بجد شبعتي ولا بتدلعى؟
ياسمين: شبعت فعلا... بس أنت مكلتش حاجة.
ضحك بخفة: لأ انا أكلت وانا بأكلك.
قام يحمل الصينيه يضعها بالمطبخ وعاد بعد دقائق يحمل كيسا أخر وهتف: شكولاتة وأيس كريم والكيك اللي بتحبيه... تحبي أيه دلوقتي؟
ضحكت ياسمين بسعادة: كل ده علشاني؟
جلس يونس إلي جوارها... أسندت رأسها على كتفه بألم.
أمسك يونس جهاز التحكم بالتليفزيون... شغل فيلم هادئ .
ضحك يونس وهو يهتف: أنتي عارفة أني أيام الجامعة كنت بعرف لما بتبقي تعبانة كده.
أخفت رأسها في صدره من الخجل وهمست: بجد!
ضحك وهو يربت على كتفها: امال الشكولاتة اللى كنت باجيبهالك وأني أصر أننا نروح بدري ده كان ايه؟
ضحكت بخجل : كنت فاكراها صدفة.
ضحك بشدة: صدفة كل شهر؟
ضحكت بشدة وهتفت: ده انت كنت مركز أوي بقي.
يونس: أه مركز... بس بجد بيبان عليكي أوي.
غفت ياسمين على كتفه وهي تشاهد التليفزيون.
حملها بهدوء ووضعها في الفراش.
أستلقي بجوارها يضمها إلي صدره.. يحاول أن يخفف عنها الألم.
أستيقظ يونس في الليل على صوت ياسمين تأن من الألم وهي تمسك ببطنها.
همس ناعسا: حاسة بإيه يا حبيبتي؟
همست بضعف: مغص شديد.
قام يونس من مكانه، وعاد بعد دقائق، يحمل في يده كوب من النعناع الدافئ وقربة للماء الساخن.
رفع رأس ياسمين بحنان وعدل وضعيها للجلوس.
وضع القربة الساخنة على بطنها، وهمس لها: معلش فوقي بس خدي مسكن واشربي نعناع دافى علشان تبقي كويس.
قرب الكوب من فمها ترتشف منه على مهل، ثم أعطاها قرص المسكن.
عادت تنام في وضع الجنين مرة أخرين وبين يديها القربة الساخنة تضغط بها على بطنها.
ضمها يونس من ظهرها، يتمني لو بإمكانه ان ينتزع ألمها ويحفظه لنفسه.
غفت بين أحضانه حتي الصباح.
فتحت ياسمين أعينها مع أول شعاع من الشمس يتسلل إلي الغرفة.
ابتسمت حين تذكرت ما فعله معها يونس بالليلة السابقة.
تحركت ببطء كي لا توقظه.... لكن ما أن سحبت جسدها من بين ذراعيه فتح عينيه وهتف بقلق: أنتي كويسة؟
ابتسمت ياسمين وهتفت ساخرة: يونس اللي نومه تقيل صحي أول ما اتحركت من جنبه
همس يونس بنبرة ناعسة: كنت قلقان عليكي... كنتي تعبانة بالليل.
ابتسمت ياسمين بحب وهمست: بس الحمدلله دلوقتي أحسن كتير... دايما بابقي كده اول يوم بس.
ضمها إلي صدره وهمس: خلاص يبقي دلع وحب زيادة أول يوم.
ابتسمت بخجل... تحركت تستعد للعمل، حين وقف أمامها هاتفا: ياسمين لو لسة تعبانة بلاش تروحي الشغل النهاردة.
ربتت على ذراعه بحب وهمست: والله انا كويسة أوي كمان متقلقش.
وضعت قبلة رقيقة على خده وهمست: ربنا يخليك ليا.
--------------------
جلست سلمي مع آية... وضعت أمامهم صينيه بها بعض قطع الكعك والشاي.
ناولت آية كوب الشاي وهي شاردة حتي كادت أن ينسكب الشاي الساخن على آية.
سلمي: أنا أسفة جداا يا آية مخدتش بالي.
ابتسمت آية ببشاشة: ولا يهمك يا سلمي... بس مالك شكلك سرحانة.
همست سلمي بضيق: بصراحة يا آية انا هاحكيلك بس متقوليش حاجة لسيف.
آية: ايه يا بنتي قلقتيني.
سلمي: أنا زعلانة مع يونس... متغير معايا أوى الفترة الأخيرة.
هتفت آية بقلق: في ايه يا بنتي... قلقتيني.
تنهدت سلمي بألم وقالت: مش عارفة... بس هو على طول متعصب...مبقاش زي الأول... أقل حاجة بتنرفزه ...
صمتت سلمي قليلا ثم أردفت: مبقاش زي الأول خالص... مش معايا.. حساه بعيد.
آية: ما يمكن مضغوط في شغله.
سلمي: هو فعلا بيقولي كده.. بس ما هو طول عمره مضغوط في شغله بس عمره ما كان بعيد عني كده.
ضحكت آية بخقة لتخفف من توتر سلمي وهتفت: حبيبتي... متجوزين بقالكوا 8 سنين... طبيعي يبقي في فتور بينكوا... هما الرجالة كده.
سلمي: ايوه بس يونس مكنش كده.
آية: على فكرة، سيف برضه مؤخرا بقي كده... بس انا بقول علشان الولاد والمشاغل... بس هما الرجالة عمتا بيزهقوا بسرعة مش زينا.... يمكن الروتين خنقة.. أو يمكن ضغوط الحياة.
شردت سلمي وهمست: تفتكري؟
ابتسمت آية وهي تربت على كفها: أيوه طبعا امال هيكون ايه.... حاولي أنتي بس تعملي حاجة تكسري بيها الروتين.
سلمي: روتين ايه بس، هو بقي يقعد في البيت... نص الأسبوع في الشغل في اسكندرية، والنص التاني بيرجع متأخر وبياكل وينام.
آية: خلاص روحي معاه اسكندرية... مش الأولاد فاضلهم شهرين في المدارس.. أول ما يخلصوا روحي معاه.
سلمي: تصدقى فكرة حلوة... هو بيقولي بيقعد في شقة مع واحد صاحبه، بس ممكن نحجز كلنا في فندق هناك وتبقي فرصة للتغير.
آية: شوفتي بقي... الموضوع مكنش مستاهل.
سلمي: بجد ربنا يخليكي ليا يا آية أنتي أكتر من أختي.
آية: متقوليش كده أنتي عارفة أنا بحبك قد ايه.
هتفت سلمي بسعادة: اخبارك مع البيبي الجديد ايه؟
ضحكت آية بسعادة: الحمدلله ... أنتي عارفة البنات مختلفة تماما.
هتفت سلمي بسعادة: الحمدلله... أخيرا حور بقي ليها أخت.
آية: اسكتي انا كان نفسي في بنت بدل صف العساكر اللي أنا عايشة معاهم في البيت.
ضحكت كلتاهما بسعادة.
سلمي: فاضلكوا قد ايه علشان تخلصوا الشقة اللى هنا وتنقلوا؟
آية: والله لسة مش عارفة...بس سيف بيقولي لسة كتير.. العمال واقفين دلوقتي، بيقولي ممكن يكمل تشطيب فيها بعد سنة ولا حاجة.
شردت سلمي للحظات، أخرجتها آية من شردوها حين هتفت: انا نفسي نخلص علشان أنقل جنبكوا أنا كمان بدل ما أنا بعيد كده.
سلمي: متأكده أن مفيش عمال شغالين في البيت عندكوا؟
آية: ايوه يا بنتي... سيف قالي أنه مش فاضي دلوقتي.
سلمي: هممم.
آية: يلا بقي أنا هامشي علشان ألحق أعمل الغدا.
سلمي: خليكي نتغدي سوا، وهاقول لطنط وعمو كمان ييجوا، كلمي سيف ييجي من العيادة على هنا.
آية: طيب أنا هاروح أسلم على طنط وعمو علشان بيزعلوا لما باجي عندك ومبروحلهمش الأول... بس أعمل ايه نوح وداوود بيبقوا عايزين ييجوا يقعدوا مع ياسين وحور أطول وقت.
سلمي: خلاص روحي يا حبيبتي وانا أول ما أخلص الغدا هاجيب الأكل واجيلكوا.
آية: طيب هاخلي الولاد يروحوا هما واقعد انا اساعدك.
سلمي: الغدا جاهز أصلا فاضل حاجات بسيطة، وانتي حرام تقفي في المطبخ وتسيبي فرح ... روحي خلى حماتك تدلعك شوية على ما أخلص أنا الأكل.
ضحكت آية: اه والله... طنط دى نعمة كبيرة في حياتنا... ربنا يحفظها ويبارك فيها هي وعمو.. بيعاملونا زي بناتهم بالظبط.
مالت سلمي عليها وكأنها تتلو سر وهتفت: علشان كان نفسها في بنات.
ضحكت آية: ايوه فعلا.... بس برضه أجوازنا نعمة من ربنا متنكريش.... محترمين ومترببين وبيحافظوا علينا وعلى بيتهم.
سلمي: عندك حق.
ضمتها آية بحب وهمست: ربنا يريح قلبك... كبري دماغك وبلاش نكد الرجالة مبتحبش النكد.
سلمي: هو اللي بينكد والله.
آية: خليها عليكي أنتي ومتديلوش فرصة.
سلمت آية على سلمي وانصرفت.
Amira Ahmed