أخيرا فاض به الكيل.
فتح باب مكتبه، وقف في القسم ونظر إلي إيمان وقال بحزم: ياسمين فين؟
رفعت إيمان عينيها وقالت: ياسمين عندها اجتماع في شركة بيوتي.. كان المفروض ترجع من ساعة بس أكيد الطريق زحمة.
اتسعت عيناه، قال بقلق كان واضحا في نبرته: أنتي متأكدة... ميعاد الاجتماع يوم الأربع مش النهاردة.
إيمان: الشركة بعتولها إيميل طلبوا يغيروا الميعاد للنهاردة.
كرر الكلمات مرة أخرى عليها: شركة بيوتي بتاعت مستحضرات التجميل؟
ايمان بثقة: ايوه يافندم.
دخل يونس إلي مكتبه وشعر بأن الأرض تميد من تحته... جذب مفاتيحه وانطلق مسرعا.
ركض كمن فقد عقله... نزل السلالم برغم وجود المصعد..
خرج من الباب الأمامي مسرعا... ركب سيارته وضغط على دواسة البنزين
كان يقود سيارته كالمجنون... حاول أن يتصل بها مرارا وتكرارا... لكن هاتفها كان مغلق.
عاود الاتصال بها مرة... اثنان... ثلاثة... دائما نفس الرسالة
" الهاتف مغلق او خارج نطاق الخدمة"
ألقى هاتفه بضيق.. ضرب مقود السيارة بعنف... تنهد وقال: يارب.
كان القلق يأكله حيا...
تدور رأسه وتتوالى امامه صور كثيرة.
ضحكتها... ابتسامتها الهادئة له كل صباح.
كيف تلعق شفتيها بخفة بعد ان تشرب قهوتها...
أخيرا وصل إلى مقر الشركة.
كان الحريق هائلا، والدخان المتصاعد يكاد يصل إلي عنان السماء.
كان رجال الشرطة والمطافئ يحاوطون المكان.
كذلك انتشرت عربات الإسعاف.
صف سيارته على بعد عدة بنايات وأسرع نحو المقر.
اندفع بين الحشود حتي اقترب من باب المقر.
لكن منعه أحد رجال الشرطة.
صاح بحدة: لازم أدخل... في حد جوه.
قاطعه العسكري: للأسف مش هينفع تدخل...معظم اللي جوه خرجوا... والمصابين كلهم راحوا على مستشفى السلام.
ركض مجددا دون تفكير... قاد سيارته بجنون والدموع تترقرق داخل عينيه.
جل ما كان يفكر به هو أن يجدها بخير.
همس لنفسه: " لو حصلها حاجة... لو راحت مني وانا لسة مقولتلهاش اللي في قلبي"
أخيرا وصل امام المشفى، دخل إلي قسم الاستقبال بقدم مرتعشة.
وقف أمام موظفة الاستقبال وسأل بلهفة: ياسمين الشاذلي... جت من مصابين الحريق؟
بحثت الموظفة على الحاسوب أمامها وقالت: ايوه... غرفة 402... حالة اختناق.
لم ينتظر منها أن تكمل حديثها... ركض إلى غرفتها.
وقف أمام باب الغرفة بأنفاس متقطعة وقلب وجل.
فتح الباب بيد مرتعشة، ورآها...مستلقية على فراش المستشفى الأبيض
عيونها مغلقة... وقناع الاكسجين على أنفها..
دخل ببطء... كان الصوت الوحيد في الغرفة هو صوت دقات جهاز قياس التنفس.
كان الصوت في اذنه كصفارات الإنذار.
اقترب منها ببطء وهمس بنبرة متحشرجة: ياسمين.
فتحت عينيها ببطء، ابتسمت حين وقعت عينيها عليه.. ابتسامة هزيلة ضعيفة.
اقترب منها أكثر.. جذب مقعد وجلس بجوار فراشها...
أمسك كفها بين راحتيه وهمس والدموع تلمع في عينيه: كنت هاتجنن عليكي... قلبي كان هيخرج من مكانه... أنتي مش عارفة انتي بالنسبالي أيه.... دورت عليكي في كل مكان... كانوا بيقولوا في ناس جوه.. خفت تكوني...
ابتلع غصة حلقه وصمت.
ابتسمت له ولم تعقب
همس بعاطفة جياشة وهو يضغط على يديها: ياسمين انا بحبك.
اتسعت عيناها... سقطت دمعة من عينيها برغم تلك الابتسامة المرسومة على شفتيها.
همس لها بلهفة: طمنيني عليكي... أنتي كويسة؟ في حاجة بتوجعك... حاسة بايه؟
أزاحت قناع الأكسجين عن وجهها، وهمست بضعف وصوت مبحوح: أنا كويسة يا يونس.
ربت على يديها بحنان وهمس: سلامتك.
سعلت بقوة وهمست: الله يسلمك.
أعاد قناع الأكسجين على وجهها مرة أخري... نظر لها بحنان وقال: متتعبيش نفسك... أنتي متعرفيش أنا قلقت عليكي ازاي... مكانش المفروض تروحي الاجتماع من غير ما تقوليلي.. من النهاردة مفيش اجتماعات هتروحيها لوحدك.
ابتسمت ياسمين بضعف.
جلس إلى جوارها صامتا.... يمسك يديها بقوة وكأنها أخر أمل له في الحياة.
مرت ساعتين وهو يجلس بجوارها... يتأملها فقط بلا كلام.
حتى قطع الصمت صوت رنين هاتفه.
نظر إلي الهاتف وجد مكالمة من سلمي.
ابتعد ببطء ليتلقى المكالمة.
أجاب بنبرة هادئة: ايوه يا سلمي.
هتفت سلمي على الجانب الأخر بقلق: يونس.. أتأخرت يا حبيبي... هترجع أمتي؟
يونس: معلش عندى حاجة في الشغل هتأخر النهاردة.. مش عارف هارجع أمتي... متستنينيش على العشا.
أنهى المكالمة سريعا... وعاد يجلس بجوار ياسمين مرة أخري.
ازاحت قناع الأكسجين عن وجهها وهمست بمرارة: أمشي يا يونس... علشان مراتك متقلقش عليك.
يونس: مش هامشي واسيبك هنا ابدا.
همست ياسمين بضعف والدموع ترقرق في عينيها: انا بقيت كويسة أرجوك أمشي.
أمسك بيدها من جديد بقوة وقال: مش هاسيبك لوحدك.
صمتت ياسمين بألم..... اعادت وضع القناع على وجهها من جديد.
دخلت الطبيبة... فحصت ياسمين، ثم قالت: حالتك اتحسنت جدا يا مدام تقدري تخرجي بعد ساعة لما المحلول يخلص.
ثم نظرت الطبيبة إلي يونس وهتفت: حضرتك زوجها؟
نظر يونس إلي الطبيبة بصدمة، ثم إلي ياسمين، ثم عاود النظر إلي الطبيبة مرة أخري، وقبل ان ينطق بكلمة هتفت الطبيبة: يستحسن تبعد عن أي روايح نفاذة اليومين الجايين... ممكن ترتاح بكرة في السرير وبعد كده تتحرك عادي بس بلاش مجهود لحد اما الرئتين تستقر... ولو حضرتك بتدخن ياريت متدخنش جنبها.
تركتهم الطبيبة وخرجت... ابتسم لها يونس وقال مازحا: الدكتورة فكرتني جوزك... واضح أننا شكلنا لايقين على بعض.
ابتسمت ياسمين بألم.
بعد مرور الساعة... أتت الممرضة ونزعت المحلول من يد ياسمين وكذلك قناع الأكسجين وسمحت لها بالخروج.
ساعدها يونس أن تخرج من الغرفة... أمسك بيدها وسندها حتى وصلت إلي باب المشفى.
وقفت على باب المشفي وهمست بضعف: شكرا على كل اللي عملته علشاني النهاردة..أنا هاخد تاكسي واروح.
نظر إليها بحب وهمس: مش معقولة أسيبك وانتي في الحالة دي يا ياسمين.. اوصلك لحد البيت.
بهدوء جلست إلي جواره في السيارة... وقعت عيناها على بعض ألعاب الأطفال ملقاه على المقعد الخلفي وشعرت بغصة في حلقها..
لمعت الدموع في عينيها حين تذكرت أنه سيعود لبيته وأولاده وزوجته.
زوجته...
كم هي مؤلمة هذه الكلمة... حتي حين تأتي في افكارها.. فما بالك وهى حقيقة.
أسندت رأسها على ظهر المقعد ونظرت الي النافذة الجانبية تتظاهر بأنها تتابع الطريق، لكنها كانت تخفى دمعة فرة من عينها.
كانت تصف له الطريق وتوجهه حتى وصلت إلى منزلها.
وقف بسيارته أمام المنزل.... خرج منها ودار ليفتح لها الباب..
ساعدها تخرج من السيارة، واغلق الباب خلفها.. مشيت بخطوات بطيئة وتتبعها، لكنها وقفت عند الباب والتفت إليه وهمست: كفاية لحد هنا.
نظر إلى عمق عينيها وقال بحزم: ياسمين أنتي تعبانة... مش هينفع أسيبك.
بصوت مبحوح من الألم قالت: ومش هينفع تطلع معايا، أنا أسفة.
اومأ لها بتفهم.. ثم قال بألم: طيب محتاجة حاجة؟ أنا هاجيبلك الدوا وابعته مع البواب.. هتحتاجي حاجة تاني؟
اومأت رأسها بالنفي وهمست: شكرا.
التفت وهمت بالرحيل لكنه استوقفها مرة أخري وهمس: خلي بالك من نفسك يا ياسمين... ولو احتاجتي أي حاجة كلميني هاجيلك على طول.
ابتسمت بهدوء: متتعبش نفسك...هاتصل بفريدة بنت خالتي تيجي تقعد معايا.
لم تنتظر منه رد... دلفت إلي داخل المنزل.
وقف هو يشاهدها تبتعد بألم.
أحضر إليها الدواء وطعام وأرسله لها مع الحارس.
دخل إلي منزله وقد قاربت الساعة على منتصف الليل.
أقبلت عليه سلمي بقلق وهتفت: ايه أخرك كل ده؟
نظرت إلي حالته ... شعره غير المرتب.. ملابسه غير المهندمة.
هتف بضعف: كان في حريق في مقر شركة عميل عندنا، وكان في حد من الفريق بتاعي هناك... بس الحمد لله محدش جراله حاجة.
تمتمت: الحمد لله... أنت مش عارف أنا قلق عليك ازاي يا حبيبي.
اقتربت منه وضمته إلى صدرها.
ألقى برأسه المثقل على كتفها..
ربتت على كتفه بحنان: أدخل خد حمامك وهتخرج تلاقي الأكل سخن... معلش بقي الأولاد ناموا من بدري.
اومأ لها وتحرك كجسد بلا روح.. ذهنه وعقله وروحه كانا هناك.
مع ياسمين..
لم يستطع ان يغمض له جفن طوال الليل.... قالها... هكذا ببساطة قالها.
كان يمكن ان يفقدها اليوم.... ان يحرم منها في غمضة عين.
أعترف بحبه لها ببساطة... مجرد كلمة خرجت منه سهلة... بسيطة وسريعة.
لو كانت بتلك البساطة، فلما ضمرها في نفسه كل تلك السنوات.
كان ضعيفا... جبانا.... وضعفه حرمه منها.
نظر إلى سلمي النائمة بجواره.
ملامحها هادئة... مستكينة.... تنام ملئ جفونها لأنها تشعر بأمان وجوده.
لكن هل حقا هو موجود؟ ...
موجود جسدا بلا روح.
رجل بلا قلب.... فقلبه عند ياسمين.
زفر تنهيدة حارة وأغمض عينيه يتصنع النوم.
أما ياسمين...
فجلست تبكي وتبكي كما لم تبك من قبل.
أقتربت منها فريدة... ربتت على كتفها وهمست: مش هتقوليلي بتعيطي ليه؟؟ بقالك ساعة بتعيطي متواصل... الحمد لله أنتي كويسة.. خرجتي من الحريقة سليمة... ليه العياط ده كله؟
هتفت ياسمين من بين دموعها: يونس.
فريدة: ايوه عرفت... عمل فيها جان وجالك المستشفى... ودفع الحساب ووصلك لحد هنا... ليه بتعيطي برضه.
نظرت لها ياسمين بعينين احمرتا من كثرت البكاء، وهمست بنبرة باكية: يونس قالي إنه بيحبني.
صاحت فريدة بفزع: ايه؟!!!
اومأت ياسمين رأسها بإيجاب، فأردفت فريدة: وقولتيله ايه؟
ياسمين: مقولتش... تتخيلي يا فريدة بعد كل ده يونس بيحبني... كان بيحبني ولسة بيحبني زي ما بحبه.
هزتها فريدة بعنف: فوقي يا ياسمين.... يونس متجوز وعنده بيت وأولاد.
اخفضت رأسها وهمست: عارفة... علشان كده بعيط... علشان كده مقهورة يا فريدة.
صاحت فريدة بحدة: هو ازاي أصلا يقولك كده وهو راجل متجوز؟
قالت ياسمين من بين دموعها: لو كنتي شوفتي لهفته، كان خايف عليا بجد.... بس اللي محيرني بجد ليه عمل كده زمان؟
فريدة: مش مهم عمل ايه زمان... المهم دلوقتي أنتي هتهدي بيته؟
بكت ياسمين بحرقة وهمست: استحالة.
فريدة: يبقي خلاص مش مهم اللي حصل زمان... المهم دلوقتي.
حركت ياسمين رأسها بتفهم.
غفت ياسمين ليلتها ولا تدري هل يجب أن تشعر بالسعادة لأن يونس يبادلها الحب.. أم تشعر بالحزن لأنه أعترف بحبه بعد فوات الأوان.
في الصباح... استيقظت ياسمين على صوت تنبيه رسالة من هاتفها.
أمسكت الهاتف بعينين منتفختين من أثر البكاء.
كانت الرسالة من يونس...
" طمنيني عليكي.."
لم تستطع ان تقاوم ابتسامتها..
بعد لحظات أرسلت ردا على رسالته.
" الحمد لله"
لكم ودت لو أنها تسترسل في الحديث معه.
تسأل لماذا أخفي حبه؟
لماذا تركها لسيف؟
ولماذا يقولها الأن.
لكنها أثرت الصمت.
قضت يومها بين تمددها في فراشها تصارع أفكارها.
وبين أنها تتمشي في المنزل جيئا وذهابا تحاول ان تقضي على الملل والفراغ المحيط بها..
وانتظرت الصباح وعادت إلي عملها.
دخلت إلي مكتبها كعادتها في الصباح الباكر بخطى مثقلة.
كان كل منهما يتجنب الأخر برغم المشاعر التي كانت تفيض داخل قلبيهما..
حاولا أن يتعاملا كزملاء في العمل، لكن كانت نظراتهم تخونهم من حين لأخر..
حتى قرر يونس أن يكسر حلقة الصمت.
خرج من مكتبه، وقف أمام مكتبها وقال: ياسمين محتاجك في مكتبي بعد أذنك.
تركها ودخل مكتبه... تبعته بعد دقائق.
جلس على مقعده بهدوء.. صمت للحظة، ثم قال بنبرة هادئة: ياسمين أنا محتاج أتكلم معاكي بعيد عن الشغل.
ابتسمت بتوتر وقالت: نتكلم عن ايه؟
نظر يونس إلي عمق عينيها وهمس: عن السنين اللي فاتت.... عنك وعني... عننا... أنا من ساعة ما شوفتك وحسيت.... صمت للحظة ثم قال: انا ما كنتش متخيل اننا ممكن نتقابل تاني.
حاولت ياسمين أن تسيطر على دموعها التي كادت ان تفلت منها وقالت: وانا كمان اتخضيت لما شوفتك... أنت اختفيت من حياتي فجأة ورجعت فجأة.
يونس: انا مش طالب منك غير أنك تديني فرصة أشرحلك اللي متقالش زمان... ممكن نتعشي سوا النهاردة؟
اخفضت رأسها وقالت: مينفعش يا يونس... أنت متجوز... كمان لو حد من الشغل شافنا مع بعض....
قاطعها يونس: أنا مش طالب غير ساعة واحدة بس... نبقي فيها يونس وياسمين بتوع زمان.
صمتت لثواني ثم قالت: ماشي ساعة واحدة.
ابتسم: هابعتلك اللوكيشن والميعاد.
خرجت من مكتبه، وبعد أقل من ساعة أرسل إليها رسالةبها المكان والزمان.
اختار مطعما هادئا، بعيد عن مكان عملهم...
حين وصلت أمام الباب، وجدته ينتظرها في سيارته..
لمعت عينيه حين وقعت عليها، وابتسم: شكرا أنك جيتي.
ابتسمت ياسمين بتحفظ: انا هاسمع اللي أنت عايز تقوله وكل واحد فينا يرجع لحياته.
جلسا على طاولة صغيرة في أحد زوايا المطعم، مرت لحظات من الصمت الثقيل بينهما..
ثم قطعه يونس بصوت هامس: انا منسيتكيش يا ياسمين..... عشر سنين وانا فاكر كل تفصيله فيكي.... صوتك... ضحكتك.. مشيتك... حتى نظرتك اللي قدامي دلوقتي.
اشاحت بوجهها عنه، أبعدت عينيها تخفي دمعة ترقرقت فيهما، ثم قالت بنبرة مرتبكة: يونس مينفعش الكلام ده دلوقتي... أنت راجل متجوز.
قاطعها بانفعال: ايوه متجوز... بس عمري ما حبيت حد قدك... أنا كنت باموت كل يوم وانا بعيد عنك.... كنت بادعى ربنا كل يوم أنساكي.... كنت بنام بالليل على أمل أني أصحي ناسيكي... وباصحي فاكرك أكتر من الأول.
اتسعت حدقتيها ووضعت يدها على فمها تمنع شهقة كادت ان تفلت منها... ساد الصمت بينهما....
أخذت نفس عميق ثم قالت بحدة: أنا... أنا كنت مستنياك ترجع، كان نفسي حتى في وداع... نهاية لحدوتة مبتدتش.. بس أنت هربت... ليه يا يونس؟ ... ليه بتقولي الكلام ده دلوقتي... أنت متأخر سنين كتييير.
نظر إليها بألم وصاح: كنت غبي يا ياسمين... كنت فاكر أني بهرب منك ومن نفسي... بس مقدرتش...
لم تستطع ياسمين أن تسيطر على دمعة فرت من عينيها وقالت: ليه رجعت دلوقتي؟ ليه بتفتح في القديم تاني.
قال يونس باندفاع: علشان مش قادر أمثل أكتر من كده... مش قادر اشوفك قدامي كل يوم وانا مخبي كل ده في قلبي... أنا بحبك يا ياسمين زي زمان ويمكن أكتر.
سالت الدموع من عينيها، نظرت له بألم ثم قالت بحدة: الكلام ده ملوش لازمة... مش هيغير حاجة... يمكن لو كنت قولت الكلام ده زمان حياتنا كانت اتغيرت واتغير فيها حاجات كتير.... بس دلوقتي لأ.
أمسكت بحقيبتها، وقفت ولاتزال الدموع تنهمر من عينيها وقالت: أنسي يا يونس.... أحنا كنا أصحاب زمان ودلوقتي زمايل في الشغل بس... أنت عندك بيتك وأولادك.
مشت بخطوات ثابتة برغم الرجفة التي هزت روحها، الا انها افتعلت الثبات.... لكنه أستوقفها فجأة، أمسك بمعصمها بشدة يلفها لتصبح بمواجهته، نظر إلى عينيها وقال: انا مش عايز منك حاجة... بس قولت مبقاش غبي زي ما كنت غبي طول عمري، ومكنتش هاقدر أشوفك تاني قدامي ومتعرفيش انا بحبك قد ايه.
فكت قيود يديه من معصمها بهدوء وقالت: ارجع لبيتك وولادك يا يونس.
تركته يصارع أفكاره وانصرفت..
كان الندم يأكل روحه حيا.
ركب سيارته.... وقاد على غير هدي.
حتي وجد نفسه تحت منزل سيف.
وقف أمام الباب، ضغط على الجرس بيد مرتعشة.
كان كالمنوم مغناطيسيا... لا يشعر بما حوله..
فتح سيف الباب واستقبله بالترحاب.
افاق من شروده على صوت سيف يهتف: امال فين سلمي والولاد.. مجوش معاك ليه؟
اتسعت حدقتيه فجأة... وكأنه أدرك للتو وجود سلمي والأولاد في حياته.
حاول أن ينظم أنفاسه المتلاحقة... نظر إلي سيف ثم إلي آية زوجته واقترب من سيف وقال: ممكن نتكلم لوحدنا.
دخل إلي الشرفة وتبعه سيف..
نظر إليه سيف وإلي عينيه الشاردتين وقال: مالك يا يونس؟
تنهد وقال بنبرة متهدجة: فاكر ياسمين؟
ابتسم سيف: ايوه فاكرها... انت ايه فكرك بيها.
تصارعت انفاس يونس، وقال بنبرة مرتبكة: ياسمين بتشتغل معايا... أنا مش قادر... أنا لسة بحبها... مش عارف أتصرف.
عقد سيف حاجبية وهتف مستنكرا: بتحبها؟!
اومأ يونس برأسه.
سيف: من أمتي؟
همس يونس بنبرة حزينة: من زمان أوي... يمكن من أول يوم شوفتها فيه.
ثم أخفض رأسه وقال بخزي: أنا اسف... انا عارف انها كانت خطيبتك... مش مفروض أحبها... بس أنا كنت بحبها من قبل كده بكتير.
نظر إليه سيف مليا ثم قال: انت عارف انا وياسمين سيبنا بعض ليه؟
حرك يونس رأسه بالنفي، فأردف سيف: انا سيبت ياسمين علشان كانت بتحبك.
Amira Ahmed