دخل إلي الشرفة وتبعه سيف..
نظر إليه سيف وإلي عينيه الشاردتين وقال: مالك يا يونس؟
تنهد وقال بنبرة متهدجة: فاكر ياسمين؟
ابتسم سيف: ايوه فاكرها... انت ايه فكرك بيها؟
تصارعت انفاس يونس، وقال بنبرة مرتبكة: ياسمين بتشتغل معايا... أنا مش قادر... أنا لسة بحبها... مش عارف أتصرف.
عقد سيف حاجبية وهتف مستنكرا: بتحبها؟!
اومأ يونس برأسه.
سيف: من أمتي؟
همس يونس بنبرة حزينة: من زمان أوي... يمكن من أول يوم شوفتها فيه.
ثم أخفض رأسه وقال بخزي: أنا اسف... انا عارف انها كانت خطيبتك... مش مفروض أحبها... بس أنا كنت بحبها من قبل كده بكتير.
نظر إليه سيف مليا ثم قال: انت عارف انا وياسمين سيبنا بعض ليه؟
حرك يونس رأسه بالنفي، فأردف سيف: انا سيبت ياسمين علشان كانت بتحبك.
تجمد يونس مكانه للحظة، ثم قال بنبرة مكسورة: بتحبني؟؟ بس عمرها ما قالت حاجة... بتحبني ووافقت تتجوزك؟
ابتسم سيف: هو انت كنت مستنيها هي اللي تيجي تقولك انها بتحبك ولا ايه؟
صمت يونس، لا تجد الكلمات سبيل لحلقه .....
نظر له سيف وأردف: مقولتليش ليه؟ انا جيت وقولتلك أنت قبل ما أقول لأي حد أني عايز اتجوزها... موقفتش قدامي وقولتلي ليه أنك بتحبها؟
صاح يونس بحدة: علشان كنت غبي... كنت فاكر أنها هترفض.. قولتلك روح أتكلم معاها الأول... مسمعتش كلامي وروحت اتكلمت مع باباها... كنت باشتري وقت لحد أما اقولها أنا، لقيتها بتفاجأني أنها موافقة وفرحانة.
نظر له سيف مطولا وقال: انا معرفش ياسمين وافقت ليه، بس اللي اعرفه أنها طول الوقت كانت بتحبك أنت... أنتوا الاتنين أغبي من بعض.
ابتسم يونس ولمعت دمعة في عينه وقال: بتحبني؟
سيف: لما كنت باشوفها بتتكلم معاك، عينيها كانت بتلمع، صوتها كان بيرقص من الفرحة.... لكن معايا عمرها مكانت كده... ده خلاني أشك في الأول... بس اللي خلاني اتأكد كان يوم ما أنت تعبت وأغمي عليك...كنت معاها وقتها لما بابا كلمني... أول ما عرفت شوفت لهفة في عنيها عمري ما شفتها...
واجهتها... قولتلها انتي ملهوفة علي يونس كده ليه... سكتت ومعرفتش ترد.
بس لما جيت على البيت واصرت انها تيجي معايا، وشوفت نظرتها ليك اتأكدت... واجهتها ومأنكرتش أنها بتحبك.
وكان لازم أسيبها.
اتسعت حدقتي يونس بذهول وهمس: ومقولتليش ليه؟
ضحك سيف بخفة: كنت فاكر أنك مش في دماغك... أو عارف ومطنش.
خبط يونس مقدمة رأسه بكفه وقال: لوكنت عرفت وقتها... يمكن مكنش كل ده حصل... بس لسة في وقت أصلح غلطات الماضي.
قام يونس من مكانه فجأة، صاح سيف: هتعمل ايه؟
قال يونس بحزم: هاتجوزها.
هتف سيف بذهول: طيب وسلمي والولاد؟
قال يونس بإصرار: مفيش حاجة في الدنيا هتمنعني عن ياسمين بعد النهاردة.
انطلق يونس كالمجنون...
قاد سيارته حتي وقف أمام منزل ياسمين.
أتصل بها... دقائق واتاه صوتها ضعيف.. مبحوح من أثر البكاء.
قال بثقة: ياسمين انا تحت البيت أنزليلي.
صاحت: تحت البيت ايه؟ انت عارف الساعة كام؟
يونس: ياسمين انا مش هامشي غير لما تنزلي.
اضطرت ياسمين أن تنصاع لرغباته.... دقائق وكانت تجلس إلي جواره في السيارة.
أنطلق بالسيارة حتي مكان هادئ على ضفاف النيل.
صف السيارة وألتف إليها.
نظر إلي عينيها وقال: ياسمين... أنتي ليه وافقتي تتجوزي سيف؟
أخفضت رأسها ولم تعقب.
صاح بحدة: وافقتي تتجوزيه علشان هو كان أحسن مني؟ كان عريس مناسب أكتر مني؟
ابتسمت بهدوء وقالت: وانت ليه مقولتليش أنك بتحبني وسيبت أخوك ييجي يخطبني؟
صاح بحدة: كنت غبي... راهنت نفسي أنك بتحبيني زي ما بحبك... كنت متأكد أنك هترفضي.
ضرب المقود بيده ثم قال بحدة: راهنت عليكي وخسرت الرهان.
نظر إليها قليلا، ثم قال: سيف قالي النهاردة بس الحقيقة... قال أنتوا سيبتوا بعض ليه.
صمت دقائق ثم صاح بحدة: وافقتي تتجوزي سيف ليه لو كنتي فعلا بتحبيني؟
لم تعد ياسمين تحتمل ضغطه أكثر... صاحت بحدة: قولتلك قبل كده موافقتش أتجوز سيف من الأساس.
نظر لها بعدم فهم، فأردفت من بين دموعها: انا وافقت علشان كنت فاكراه أنت.
صمت يونس وعيناه متسعتين من شدة دهشته، ينظر إليها ويكاد لا يصدق ما تقوله..
فأردفت ياسمين وهي تمسح دموعها: بابا لما قالي.... قال أبن أحمد قنديل جارنا عاوز يخطبك... الفرحة عمتني وقتها .. مكنتش متوقعة أنك تسيب سيف يعملها... كنت حاسة أنك بتحبني...تقدر تسميه طيش شباب.. اندفاع... أي حاجة... بس وقتها قولت لبابا من غير تردد أنا موافقة... كنت فاكره أنه أنت.. كنت فاكراها مفاجأة منك.
وجريت أقولك إني موافقة... وأني فرحانة... مقولتليش ليه وقتها أنه سيف مش أنت؟
صمت يونس ثم همس بنبرة ضعيفة: كنت فاكرك فرحانة أن سيف هيخطبك.. مفهمتش أنك....
قاطعته ياسمين وقالت من بين دموعها: مقولتليش أنك بتحبني ليه؟
أمسك بكفها بين راحتيه وهمي: ياسمين أنا بحبك... كل السنين دي مقدرتش أنساكي.
جذبت كفها من بين يديه بحدة وقالت: ولما أنا سيبت سيف مقولتليش ليه أنك بتحبني؟ ليه سافرت حتى من غير سلام.... انت عارف وقتها أنا كنت عاملة ازاي... كنت ميتة وانا على وش الدنيا.
همس بضعف: مكنش هينفع يا ياسمين... أنتي مش فاهمة حاجة..... كنت هاروح أقول لأبويا ايه؟ جوزني خطيبة أخويا علشان انا بحبها؟ ولو بابا وافق.... اهلك كانوا هيوافقوا؟ عبث.. كل اللي كنا فيه كان عبث... مكنش حد هيرضي بيه ابدا.. كان لازم أبعد علشان مكنتش هاقدر أشوفك وانتي بتروحى لراجل تاني وانا واقف متكتف.
ابتسمت بسخرية: متشوفنيش بروح لراجل تاني... بس تسيبني أضيع من ايدك واروح لراجل تاني عادي... أنت مش عارف الدنيا عملت فيا أيه بعد ما انت مشيت... ولا عارف جوزي كان بيعاملني ازاي.
أمسك كفها يقبلها بحنان وحب وهمس: انا اسف... حقك عليا.
جذبت يدها من يده بهدوء وهمست: متأخر أوي يا يونس.
نظر إليها وقال بلهفة: لأ مش متأخر... تعالي نتجوز يا ياسمين ونعوض كل اللي فات.
اتسعت عيناها وصاحت: يونس... أنت متجوز.. فاهم يعني أيه؟
يونس: اللي فاهمه أني بحب.
ضحكت ياسمين بسخرية وقالت: ودي بقي اللحظة اللي هتقولي فيها قد ايه مراتك ظالمة.. وبتعاملك وحش...وأنك مبتحبهاش... ومكمل معاها بس علشان الأولاد... صح.. شوفت المشهد ده في الأفلام كتير.
أخفض يونس رأسه وقال: لأ يا ياسمين... أنا بحب سلمي.. ست محترمة... بتحبني... ومخلية بالها مني ومن البيت والأولاد.... بس أنتي.. أنتي روحي يا ياسمين.
صاحت ياسمين بحدة: وعايزني أهد بيتك وحياتك؟ أنا مقبلش أني أعمل كده في ست زيي.
همس يونس بعينين تترقرق فيهما الدموع: ياسمين انا مش هاعرف أعيش من غيرك... أنا كنت عايش وساكت بس علشان كنت فاكر أنك مبتحبنيش... تعالي نتجوز يا ياسمين ونصحح الغلط وسوء التفاهم القديم.... نتجوز في السر ومحدش هيعرف بس نكون مع بعض.
صاحت ياسمين من بين دموعها: لأ... عاوز تتجوزني في السر على مراتك؟ ..... لأ انا مش هاخرب بيتك أبدا... أرجع يا يونس لمراتك وولادك وأنسي أنك قابلتني تاني.
فتحت ياسمين باب السيارة وخرجت.. أوقفت سيارة أجرة وانطلقت دون أن تلتفت إلي الوراء.
عاد يونس إلي منزله مرهق.
دخل إلي منزله، وأسرع ياسين وحور إليه.
جثا على ركبتيه بجوارهم... ضمهم بين ذراعيه كما لو كان لم يراهم من عدة أشهر.
دخل معهم إلي غرفتهم يلاعبهم... حتى أنه أصر أن يضعهم في فراشهم... وغفى بجوار ياسين وهو يقص عليه حكاية ما قبل النوم.
في الصباح... دخل إلي مكتبه... وجدها لم تحضر بعض.
بعد ما يقرب من النصف ساعة.. دخلت إلي مكتبه بلا استأذان.
وضعت ورقة أمامه دون أن تتحدث.
دون أن ينظر إلى الورقة... رفع عينيه وقال بحدة: أخر مرة يا ياسمين أكون بكلمك وتسيبيني وتمشي.
أخفضت رأسها بألم وهمست: الكلام بينا خلص يا يونس.
أردف بحدة برغم صوته المنخفض: لأ مخلصش .... لسة عندى كلام أقوله.
أرجع ظهره إلي الوراء وقال بألم: ياسين أبني اتولد عنده مرض نادر في القلب... صحته مش مستقرة... عمل أكتر من عملية أول ما اتولد.. ولسة محتاج يعمل عملية تانية بعد ما يكمل 10 سنين... الدكتور مانع عنه الانفعال... أو أي حاجة ممكن تضايقه.... أنا مش هاطلق سلمي غير لو هي عايزة... أنا خايف من رد فعل الأولاد مش منها... خايف على ياسين... مضمنش سلمي ممكن تقوله ايه... مش عايز أخسر أبني يا ياسمين... بس برضه مش عايز أخسرك.... أتجوزيني يا ياسمين وهيبقي سر بينا بس لحد اما ياسين حالته تستقر ويعمل العملية... واوعدك وقتها هاقول للدنيا كلها أنك حبيبتي ومراتي.
سقطت دمعة منها ولم تعقب.. مدت يدها إليه بالورقة.
نظر إليها وصاح بحدة: مش موافق... استقالة ايه يا ياسمين؟ انتي اتجننتي؟
همست بضعف: هيبقي صعب نكون في مكان واحد أنا وانت.
نظر إليها ثم قال: خلاص لو مش عايزة تشوفيني انا اللي هاقدم استقالتي.
ياسمين: يونس أنت عندك بيت وولاد مسؤولين منك... لكن انا عادي لو سيبت الشغل لحد اما الاقي شغل تاني.
نظر لها بعتاب وهمس: عايزة تحرميني حتي من أني اشوفك كل يوم؟
أخفضت رأسها ولم تعقب.
همس لها: لو مش عايزة تتجوزيني حقك... مش هاجبرك على الجواز.... بس خليني أشوفك كل يوم... متحرمنيش منك تاني.
اخفضت رأسها واومأت بالموافقة.
ابتسم لها وهمس: عارفة يا ياسمين... 10 سنين بعدت عنك فيهم.. فكرت أني لما اتجوز وأخلف ويبقي ليا حياة هانسي... أو حبي ليكي هيقل... بس أكتشفت أن حبك جوايا زي روحي... عمره ما هيسيبني ابدا.
تجمعت الدموع في عينيها وهمست بنبرة ضعيفة: يونس لو عاوزني أقعد فعلا وممشيش... يبقي بلاش الكلام ده... خلينا أصحاب.
ابتسم لها وقال باستنكار: أصحاب!
نظرت إلى عمق عينيه، فهمس: أصحاب... موافق.. بس متبعديش عني تاني.
ابتسمت له بضعف واستأذنته لتخرج.
كانت الأيام تمر بينهم وكأنهم مراهقين.... كان الحب في اعينهم جليا... كذلك الحزن.
لم يستطع كل منهما أن يكبح حبه بعد أن سمع اعتراف الأخر وعرف ما يجيش في صدره....
كان يأتي كل صباح يحمل كوبان من القهوة... يضع واحد أمامها وينصرف.
كان تبتسم وهي تحتسيه... وكأنها جرعة الحب اليومية التي يهديها لها.
مجرد وجوده أمامها كان يسعدها... لم تكن تطمح في أكتر من ذلك.
وكانت ابتسامتها تضيء دنياه... حتى لو لم تعرف ذلك.
صمدا على هذه الحالة عدة أشهر... حتى كان ذلك اليوم.
كانت ياسمين في زيارة خارجية لأحد العملاء مع إيمان صديقتها.
دخلت إلي القسم في منتصف اليوم...ترتدي بنطال باللون الأسود بقصة مظبوطة على الجسم من أعلى وينسدل على ساقيها، وبلوزة باللون الأزرق الفاتح، وحين دخلت كان يونس يقف في المنتصف يتحدث مع بعضا من زملائها.
كان يوما طبيعيا... عاديا.... حتى يونس نفسه كان يتحدث بنفس التواضع، والابتسامة التي لا تفارق شفتيه.. حتى دخلت تغيرت ملامحه للحدة...أنهي حديثه سريعا، ونظر إليها وصاح بحدة: ياسمين... عايزك في مكتبى حالا.
عقدت حاجبها بعدم فهم، لكنه لم يمهلها وقت للدهشة.. تحرك على الفور إلي غرفة مكتبه، وتبعته هي بهدوء.
دخلت وأغلقت خلفها الباب... كان يجلس خلف مكتبه، وعلامات الغضب على وجهه لا تنبىء بخير.
ازدردت ريقها وهمست: أفندم.
نظر لها والشرر يخرج من عينيه وقال بنبرة منخفضة حادة: لفى كده.
حركت رأسها بعدم فهم، فكرر كلمته مرة أخري بحدة أكثر: بقولك لفي كده.
دارت حول نفسها سريعا وقالت: في ايه؟
هتف بحدة: مش ضيق شوية البنطلون ده؟
هتفت مستنكرة: أيه؟
صاح بحدة: بقولك ضيق... مفصل جسمك.. أنتى كنتي عند العميل بالمنظر ده؟
هتفت: يونس أنت ازاى تتكلم معايا كده؟ ازاي تعلق على لبسي أصلا... انا مسمحلكش.
قال بغضب: ياسمين... متجننيش... أنا مش مستحمل أشوف حد يبص عليكي.
نظرت إليه باستغراب وقالت: محدش بيبص عليا... أنا..
قاطعها يونس وهو يصيح بحدة: انتي مشوفتيش كريم كان بيبص عليكي ازاى لما دخلتي..
تنهد بألم وأردف: كنت عايز أخنقه بأيدي وهو بيبصلك بالطريقة دي بس مقدرتش.
أخفضت رأسها وهمست: حاضر يا يونس... بس مش علشان أنت طلبت.. علشان انا محبش حد يبص عليا كده.
ألتفت لتخرج فهمس بنبرة ضعيفة: ياريت تلبسي بناطيل أرحم شوية.
برغم الغضب الذي كان يتملكها من تعليقاته على ملابسها، ألا أنها ابتسمت.
شعرت بغيرته.
أليست الغيرة دليل على الحب.
لكنه حب خاطئ..... في غير محله.
همست في نفسها: آااااه يا يونس لو قلتها قبل فوات الأوان.
لو لم تكن متزوجا، لألقيت بنفسي بين ذراعيك مجرد ما سمعت كلمات الحب منك..
لو لم تكن رب أسرة، لوهبتك حياتي وعمري بأكلمه.
وبعد يومين... كان الليل بدأ يسدل ستائره.. أغلب الموظفين غادروا الا قلة قليلة.
حمل يونس حقيبته وخرج من مكتبه، لكنه تجمد مكانه لحظة حين وقعت عينيه على ياسمين تجلس وبالقرب منها يجلس كريم.. يميل قليلا نحوها يقرأ معها شيء على الحاسوب الخاص بها، ألقي تعليقا ساخرا فانفجرت ياسمين ضاحكة.
نظر يونس إليهم وحاول أن يجمح غضبه.... أبتسم ببرود وقال: كويس أن في حد لسة شغال لحد دلوقتي.
رفعت ياسمين رأسها عن الحاسوب وقالت: باظبط أخر حاجة في البروشور بتاع العميل وكريم كان بيساعدني.
نظر يونس إلي كريم وإليها ثم قال وهو يضع حقيبته على الطاولة ويقترب منهما: طيب بما أني أنا كمان لسة هنا... خليني أساعدكوا.
هتف كريم بنبرة مرتبكة: احنا تقريبا قربنا نخلص... متتعبش نفسك.
يونس: مش يمكن الاحظ حاجة أنت مخدتش بالك منها.
أقترب يونس من ياسمين ببطء، حتي وقف خلفها تماما.. نظر إلي الشاشة أمامها وقال: الخط صغير.. واضح أن كريم مكنش شايفه كويس فكان محتاج يقرب.... الأفضل تكبريه.
نظرت إليه ياسمين بحرج ولم تعقب، لكن يونس أردف: الناس هنا بتحب تساعد بعض، صح يا كريم؟
ابتسم كريم ابتسامة باهتة وشعر بالتوتر وقال: ااه طبعاا...
حاول ان يصب تركيزه على الملاحظات التي يبديها يونس، وبعد قليل استأذن في الانصراف حيث أنه لديه موعد.
أنصرف كريم... تبعه يونس بعينيه حتى خرج من الباب، ثم ألتفت إلي ياسمين وقال بهدوء: لو محتاجة حد يساعدك في الشغل قوليلي أنا... بس متطلبيش مساعدة من حد تاني.
ابتسمت ياسمين من شعور الغيرة الذي يخرج من عينيه، فهتف بحنق: انا عاوز أكسر الماوس اللي كان في ايده علشان متلمسيهوش.
جلس يونس إلي جوارها.... خلع جاكيته وساعدها في أجراء التعديلات التي كانت تعمل عليها..
مر الوقت ولم يشعرا به... أخيرا انتهوا من التعديلات المطلوبة.. اراحت ياسمين ظهرها على المقعد وتنفست بعمق كما لو كانت انهت للتو ماراثون...
كان يونس يراقبها بصمت... وفي عينيه مزيج من الاعجاب والحب والامتنان.
قام من مكانه فجأة... وتوجه للمطبخ الملحق بالقسم... وعاد بعد لحظات وهو يحمل كوبان من العصير البارد.
ناولها الكوب وجلس أمامها ينظر إليها بصمت.
ابتسم وهو يدندن: " عارف أنت أجمل حاجة تفرح الواحد هي ايه.... ان اللي ياما حلمت بيه تلاقيه حبيبك"
ابتسمت ياسمين وهمست: لسة بتحب تدندن الأغاني يا يونس.
نظر لعينيها طويلا بعنينين لامعتين وهمس: تصدقي أول مرة أخد بالي... انا مش باغني غير وانا معاكي.
ابتسمت ياسمين، نظر يونس إليها وهمس: تعبتي أوي النهاردة... تعالي نختم اليوم ده بحاجة حلوة.
حركت رأسها بعدم فهم، فاقترب منها وهمس: تعالي نتعشي سوا النهاردة.
ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت بحرج: لأ يا يونس... مش هاخرج معاك تاني.
ابتسم ببساطة وجلس بجوارها بأريحية: خلاص يبقي نطلب أكل وناكل هنا سوا... أنتي مش جعانة؟
ياسمين: روح كل في بيتك مع اولادك.
يونس: بس أنا عاوز أتعشي معاكي النهاردة.... أنتي مش جعانة ولا ايه؟
ابتسمت بخفة وحركت رأسها بإيجاب وهمست: جعانة.
أمسك هاتفه وناوله لها وهتف: خلاص يبقي شوفي عايزة تاكلي ايه؟
ثم سحب الهاتف فجأة وقال: لأ خلاص أنا عرفت هناكل ايه.
ابتسمت وقالت بخفة: طيب هناكل ايه؟
يونس: طلبتلك حاجة على ذوقي بس متأكد أنها هتعجبك.
ابتسمت بهدوء وهمست: أكيد هتعجبني.
جلس يونس باسترخاء وشمر اكمامه..
بعد ما يقرب من النصف ساعة... أتي الطعام.
نظرت ياسمين في حقيبة الطعام وشهقت بدهشة.
ضحكت كالأطفال وهي تخرج الساندويتش وهمست: لسة فاكر؟
نظر لها يونس بحب وقال: كنتي بتحبي الشاورما السوري جدااا واحنا في الجامعة.
اخذت قضمه من الساندويتش وهتفت: ولسة بحبها.
ضحك يونس بخفة وهو يلوك الطعام في فمه: كنتي دايما بتاكليها وتوقعي الصوص على بقك.
ثم نظر إليها وضحك: زي دلوقتي كده.
احمرت وجنتي ياسمين... وضعت يدها على فمها وهمست: أنت مركز بقي.
ضحك بخفة: معنديش حاجة تانية أركز فيها.
صاحت ياسمين: كنا بناكل كتير أوى واحنا في الجامعة.
يونس: ايوه أنتي كنتي بتاكلي كميات رهيبة.
ياسمين: أنا لوحدى يعني... فاكر لما الدكتور قفشك وانت بتاكل في المحاضرة.
ضحك يونس بشدة وقال: ايوه... وقتها خبيتي الساندويتش في شنطتك علشان ميقفشنيش.
ضحكت ياسمين: يعني أسيبك تترفد من الجامعة علشان ساندويتش... أنت عارف كان دكتور هربانة منه على الأخر وكان ممكن يرفدك بسهولة.
ضحك كلاهما...
مر الوقت وهما يسترجعان ذكريات الماضي.
كان التناغم بينهم واضحا....
فدائما ما كان يفهم كل منهما الأخر دون الحاجة للكلمات.
ومن بين ذكرياتهم وضحكاتهم... توقف يونس فجأة عن الكلام، نظر إلي ياسمين بعمق وقال: انتي اتطلقتي ليه؟
عقدت حاجبيها ونظرت إليه بدهشة... فأردف: مقصدش والله أتدخل في خصوصياتك... بس أقصد لو أنتي كملتي حياتك ليه انفصلتي؟
صمتت ياسمين وارتسم على وجهها علامات الألم.
أعتدل يونس في جلسته وقال: لو مش عايزة تقولي متقوليش... أنا أسف أني سألت.
نظرت إليه ياسمين وقالت: اتجوزت جواز تقليدي... مكنتش بحبه.. بس كان شخص مناسب... بس أكتشفت أني مش عارفة أعيش مع شخص مش بحبه... مش قابلة منه كلمة... فا قررت أنهي المهزلة دى وامشي.
يونس: ومخلفتيش ليه؟
ضحكت ياسمين بألم: دى أحلي حاجة حصلتلي أني مخلفتش... بيحصلي اجهاض متكرر... أحيانا حتى قبل ما اعرف أني حامل... الدكتور قالي عندى مرض جيني بيخلي جسمي يهاجم الأجنة كأنها فيروس.
نظرت ياسمين إلي ساعتها، ثم قامت وهتفت: يا خبر ... الساعة داخلة على 12... لازم أمشي.
نظر يونس في ساعته، وقال بخفة وهو يأخذ جاكيته: خلتيني أبات في الشغل.
ضحكت ياسمين... وقف يتأمل ضحكتها بعيني لامعتين حتى شعرت بالخجل واحمرت وجنتيها.
خرجا معا من باب الشركة... وقفا أمام سيارته وهتف يونس: يلا علشان أوصلك.
ركبت إلى جواره بمرح... شعرت وقتها وكأنها لا تزال طالبة في الجامعة.
Amira Ahmed