جلس أمامها، يرمقها بنظرة بين الحين والأخر...
لا يعرف لماذا اختار ان يجلس أمامها بالتحديد.
لكن الشوق بداخله كان كبيرا... لدرجه لا يمكنه تجاهلها.
فتح حاسوبه بهدوء..
اختار أن يجلس مع كل فرد من أفراد فريق العمل ليتعرف عليه ويعرف أكثر عن طبيعة عمله.
حتى جاء عندها.
نظر إليها بعمق وقال بنبرة مسموعة للجميع: أنا محتاج أشرب قهوة... ممكن تيجي معايا يا ياسمين توريني البوفيه فين وندردش في الطريق.
ابتسمت بخفة وقالت: حضرتك لو عايز قهوة ممكن أتصل بالبوفيه يجيبها لحضرتك.
لمعت عينيه وقال: بحب أعمل قهوتي بنفسي.
وقف منتظر منها أن تتحرك... قامت ببطء وهدوء من مكانها... تحركت بخطوات مترددة بينما تبعها هو بخطوات ثابتة.
وقف أمام ماكينة القهوة وقال دون أن ينظر لها: بقالك كتير شغالة هنا؟
همست: 3 سنين.
ابتسم وقال: مكنتش متوقع أشوفك بعد كل السنين دي.
صمتت... ثم قال هو قاطع الصمت بينهما: لسة ساكنة في البيت القديم؟
حركت رأسها بالنفي.
ارتشف رشفة من كوب القهوة وقال بحنين بدا واضحا بنبرة صوته: تعرفي أن الشارع والبيت القديم وحشني أوي... باباكي ومامتك عاملين ايه؟ وحشوني أوي.
ترقرقت دمعة في عينيها وهمست بصوت متحشرج: اتوفوا يا يونس... بابا مات من 5 سنين وماما بعديه بسنة.
اخفض رأسه وقال بألم: انا أسف... البقاء لله.
ياسمين: ونعم بالله.
نظرت إليه مطولا وهمست: ليه سيبتوا البيت القديم؟ وانقطعت كل أخباركوا.... استغربت أنك تمشي من غير حتى وداع... كنت مفكرة أننا أصدقاء.
هتف بارتباك: أكيد طبعا أصدقاء... بس الشغل جه فجأة وكان لازم أسافر بسرعة... وطبعا كان أول حاجة لازم أعملها لما ربنا أكرمني أني أكرم أهلي، خصوصا بعد ما بابا مبقاش شغله زي الأول.
تغيرت ملامحها وهتفت بضيق: كنت فاكرة اننا هنا علشان نتكلم في الشغل.
ابتسم بثقة: قالولي أنك النائب بتاعي، مهم أني أعرف أيه اللي في حياتك.... بعدين أعتبري أننا بندردش كاصحاب.
لم تستطع أن تتحكم في فضولها أكثر من ذلك، نظرت إلى خاتم الزواج الذي يلمع في أصبعه وهتفت وهي ترمش باهدابها لتمنع دمعة كادت ان تفلت منها: اتجوزت؟
ابتسم بهدوء واومأ رأسه بإيجاب وقال بنبرة مكسورة: من 8 سنين.... عندي ياسين وحور.
شعرت ياسمين بخنجر يرشق في قلبها، لكنها ابتلعت غصة حلقها وهتفت: ربنا يخليهملك.
اخفض رأسه لثوان يحاول أن يجد الكلمات المناسبة، لكنه رفع رأسه ونظر إليها أخيرا وهتف: وانتي؟ متجوزة؟
ازدردت ريقها وهمست بألم: كنت.... انفصلت من 3 سنين تقريبا.
تنهد يونس بألم، بينما ياسمين كانت تشعر بأنها تختنق... مجرد سماعها بأنه متزوج كادت أن تصرخ، لكنها تمالكت نفسها... نظرت إليه يضع كوب القهوة من يده وقالت بضيق والدموع تلمع في عينيها: انا هامشي.
ألتفت لتخرج لكنه هتف فيها: أستني... أنا مقولتلكيش تمشي.
نظرت إلي ساعة يدها، ثم إلي وجه مرة أخري وهتفت: الساعة 4 وده الميعاد اللي بامشي فيه.
نظر لها مطولا وهمس: بس أحنا مخلصناش كلامنا يا ياسمين....
تنحنح وأردف: لسة في حاجات كتير في الشغل محتاج أعرفها منك.
لم يكن يونس فعلا يريد أن يعرف منها معلومات عن العمل، فما سمعه من الزملاء كان أكثر من كافي، لكنه كان يريد أن يستبقيها بجواره... يستنشق رائحة عطرها الزاكي، وينعم بقربها...كانت كلما شرحت له بعض المعلومات، يعيدها عليها ويسألها أن تستفيض فيها.
نظرت إلى ساعتها التي قاربت على السادسة ونظرت إليه وهتفت بإجهاد: ممكن نكمل بكرة؟
نظر إلى علامات الإرهاق التي كانت جلية على وجهها وقال: ماشي... مفيش مشكلة.
تركها دون سلام، أخذ حقيبته وحاسوبه وانصرف.
راقبته ينصرف بلا وداع مثلما فعل من قبل... تركها بقلب ممزق.
كان رحيله مؤلم وقربه مهلك.
عادت إلي منزلها بعدما حل المساء..
دخلت غرفتها.. ألقت حقيبتها بإهمال..
غيرت ملابسها واسترخت بجسدها المرهق على الفراش.
أمسكت جهاز التحكم وشغلت التلفاز، علها تجد ما يلهيها عن افكارها.
لكنه اعادها إلى نقطة الصفر...
حين ضغطت على زر التشغيل... اتاها صوت فيروز العزب يهمس..
بعدك على بالي
يا قمر الحلوين..
يا زهرة بتشرين..
يا دهب الغالي
بعدك على بالي
يا حلو يا مغرور.. يا حبق ومنتور
على سطح العالي
ابتسمت بألم وهمست بصوت بالكاد مسموع: بعدك على بالي..
أغلقت التلفاز ...أمسكت هاتفها واتصلت بصديقة عمرها..
فريدة... ابنة خالتها.. تكبرها بعام واحد فقط..
أصدقاء منذ الطفولة.. كانت دائما الخل الوفي لياسمين.
الوحيدة التي كانت تعرف بعشقها ليونس وجنونها به.
هي من وبختها حين وافقت على الخطبة لسيف.
خاصمتها لأنها لم تواجه يونس وتخبره بحقيقة مشاعرها.
كانت تراها سلبية... تستقبل ما يفعله بها دائما بلا رد فعل.
لكن من سواها يمكنها أن تتحدث معه عن عودته.
جاءها صوتها متحمس كعادتها على الطرف الأخر.
لكن خبت حماسها حين همست ياسمين بنبرة ضعيفة: يونس رجع.
لم تكد تبدي فريدة ردة فعل حين صاحت ياسمين باكية: متجوز.. متجوز يا فريدة.
لم تحاول فريدة تهدئتها، لكنها هتفت بصدق: وانتي كنتي مفكرة أنه هيعيش راهب؟
ابتلعت ياسمين مرارة دموعها وقالت: سنين كنت مخدوعة فيهم ومفكرة أنه بيحبني... حتى لما سافر، فكرت انه سافر علشان بيحبني...
قالت فريدة ببرود: وانتي لما شوفتي حياتك واتجوزتي كنتي بطلتي تحبيه؟
ارتبكت ياسمين من صراحتها، صاحت بهيستريا من بين دموعها: انا مكنتش عايزة أشوفه تاني... فريدة أنتي مش فاهمة... انا هاشوفه كل يوم.. هاضطر اتعامل معاه كل يوم.. يونس يبقي مديري الجديد.
شهقت فريدة من الخضة، صمتت قليلا ثم هتفت: عادى.... هتتعملي معاه عادى، انتوا كنتوا أصحاب بس العشر سنين اللي فاتوا أكيد غيرت فيه كتير... اتعاملي كأنه مدير جديد مش أكتر.. حافظى على الرسمية في تعاملك معاه.
همست ياسمين بنبرة ضعيفة: رسمية... اعامل يونس برسمية؟! أكيد مش هاقدر.
فريدة بجدية: حاولي.
همست ياسمين بضعف: أنا مش قادرة أمنع نفسي أني أجري عليه واسأله سابني ليه؟ مشي ليه فجأة... نفسي اسأله عمل ايه في السنين دي... مراته حلوة؟ مبسوط معاها؟ عنده طفلين يا فريدة... وانا قدامه مثال حي على الفشل.
صاحت فريدة: اوعي تقولي كده... أنتي مش فاشلة.... ايه يعني متوفقتيش في جوازة، عادي... انتي ناجحة في شغلك ومعتمدة على نفسك.
تنهدت ياسمين بألم وصمتت.
هتفت فريدة بعد قليل: اتعاملي عادى يا ياسمين.. أنسيه وشوفي حياتك.
همست ياسمين بألم: هحاول.
قالت فريدة بنبرة مرحة: يلا روحي نامي عندك شغل بدري.
أغلقت ياسمين الهاتف مع فريدة...
حاولت ان تنام... لكن أبي النوم أن يمنحها الراحة.
ظلت حبيسة ذكرياتها وعقلها...
عادت بذكرياتها إلى الوراء.... يوم أن كانت في الجامعة... تنعم بصحبة يونس يوميا.
يصاحبها في كل المحاضرات... وبين المحاضرات..
تذهب إلى الجامعة معه وتعود معه..
تتعلق به وكأنه والدها.
أحبته منذ أن كانت طفلة صغيرة لا تعرف للحب معني..
وازداد حبها له حين عرفت كل معاني الحب به.
كانت ترى لمعة الحب في عينيه، رغم أنه لم يقولها ابدا.
كان ينظر إلى عمق عينيها ويتحدث عن حبيبته وكأنه يحكي لها عنها.
كانت متأكدة أنها هي حبيبته... وأنه أفتعل ذلك ليتغزل بها دون أن يعترف.
أخبرها ذات يوم أنه سيعترف لحبيبته بحبه بعد انتهاء الدراسة.
وكانت تنتظر ذلك اليوم بفارغ الصبر....
تذكرت يوم دخل عليها والدها الغرفة بعد ان عاد من عمله، كانت جالسة تذاكر من أجل الامتحان النهائي.. جلس والدها أمامها يطالعها بنظرة لم تتبين ماهيتها في البداية، لكنها كانت مزيج من السعادة والحب والفخر.
أبتسم والدها وقال: أبن بشمهندس أحمد قنديل جارنا كلمني النهاردة... عاوز يخطبك.
رفعت رأسها عن الكتاب أمامها ولمعت عيناها... لابد أن يونس فعلها أخيرا.. هتفت في نفسها.
لكنها لم تستطع أن تخفي حماستها عن والدها.. فكان كفيلا ان يعرف ردها من لمعة عينيها.
لكنه سألها على كل حال: موافقة؟
ابتسمت واومأت برأسها.
كانت سعيدة... سعادة لم تعرفها من قبل.
أمسكت بهاتفها وأرسلت له... تعاتبه... تخبره بموافقتها عله يقولها أخيرا..
أه لو قالها...
ستفضي له بمكنون قلبها...
ستخبره كم كانت تمضي الليالي تطالع صورة لهما معا أخذتها صديقتها بالصدفة.
ستخبره بحبها له منذ كانت طفلة...
بالأمان الذي تشعر به بمجرد وجوده...
بالسعادة التي تتملكها حين تسمع صوته أو تشم رائحة عطره...
دقت والدتها على الباب... دخلت وجلست أمامها وقالت: بابا قالي إنك موافقة... طيب مش كنتي أخدتي وقت تفكري.
ابتسمت بخجل وهمست: فكرت وموافقة.
هتفت والدتها: شكلك كده كنتي بتحبيه من ورانا.
احمرت وجنتيها وحركت رأسها بالإيجاب.... ربتت والدتها على كتفها بحنان وهمست: طالما بتحبيه يا بنتي يبقي ربنا يسعدكوا.
خرجت والدتها وتركتها... لا تتذكر أنها نامت يوما ملئ جفونها مثلما غفت ذلك اليوم.
كانت تعد الأيام من أجل أن تراه... لو رأته لذهبت إليه بكل حماس الدنيا تخبره هي بحبها حتى لو لم يقولها هو.
ما الفائدة من أن يقولها وقد أعلنها أمام الجميع...
طلبها من والدها وأيام وسيعرف الكل أنها حبيبة يونس.
اتصلت به صباح يوم الامتحان الأخير... لكن هاتفه مغلق.
ربما نفذت بطاريته ونسي أن يضعه على الشاحن في المساء، هكذا بررت له.
ذهبت مبكرا إلى الجامعة تنتظره على أحر من الجمر.
لكنه لم يأت..
دخلت إلى قاعة الامتحان بقدم ثقيلة....
خرجت بعد الامتحان تسأل عليه كل أصدقاءه... لم يراه أحد.
الا صديقا واحدا أخبرها أنه خرج من الامتحان مبكرا.
ظنت أنه ربما مرهق.... أو ربما يعد لها مفاجأة أخري.
عادت إلى منزلها وقضت الأيام التالية تنظر إلى أصبعها وتبتسم.
تتحسسه وهي تقول لنفسها: هنا سيكون دليل حبه، سيزين أصبعي بخاتم خطبته.
تري أي الاشكال سيختار لي.
أنه يعلم ذوقي تماما...
أيا ما يكون اختياره سيعجبني... سأحبه لأنه منه وهديته.
وكان اليوم الموعود...
تعجبت في نفسها كثيرا أنه لم يحادثها كل هذه الفترة...
لكنها ستراه اليوم...
تزينت ... تتزين له اليوم.
ارتدت فستان بلونه المفضل.
وقفت أمام مرآتها تنظر لنفسها بإعجاب... ساعدتها بنات خالتها لتبدو جميلة في هذا اليوم.
جلست في غرفة الاستقبال تفرك يداها بتوتر.
دخل والده ووالدته وتبعهم أخوه سيف.
كانت تبحث بعينيها عنه، حتى دخل هو... بطلته التي تأخذ أنفاسها.
لمعت عيناها حين رأته... لكنه أدار وجهه عنها.
خجول... لابد أن يكون خجول في حضرة والدينا.
جلس الجميع الا هو... بقي واقفا في ركن من اركان الغرفة.
متوتر... بالطبع هو متوتر..
كانت تطالعه بكل حب.. بينما هو يخفض عينيه أرضا يتحاشى ان تتلاقي مع عينيها.
كاد قلبها أن يقف من السعادة وهي تري والدها يتحدث مع والده عن مستقبلهما.
لكن خفتت ابتسامتها حين سمعت والده يهتف: قوم يا سيف لبس عروستك الشبكة.
ذهلت...
سيف!!
شعرت بالنيران تأكل قلبها...
الان فقط تأكدت أن وجع القلب مرض حقيقي وليس مجازي.
فألم قلبها لا يحتمل...
شعرت بكل العيون موجهه عليها.. فعادت تبتسم مرة أخري
تبتسم بفتور وكأنها ليست حية...
لم تعرف ما حدث بعد ذلك، فكانت شاردة حين وضع سيف في يدها خاتم الخطوبة.
وحين اقبلت والدتها تضمها بسعادة.
وقبل والدها رأسها بحب..
لكنها كانت تبحث بعينيها عنه..
لم تجده الا حين هتفت والدته باسمه.
وقف أمامها كتمثال من حجر، يهتف بلا مراعاة لمشاعرها: مبروك يا أختي.
همست متسائلة: أختك؟!
بعد كل هذا الحب تقول ببساطة أختك...
هل كنت تراني أختك من البداية.
لا لست أختك يا يونس... فأمي لم تنجبك.
كادت أن تصرخ فيه... لكنها ابتلعت صوتها بألم.
أنتهي اليوم.... لكن الكابوس قد بدأ.
دخلت إلى غرفتها... أغلقت الباب جيدا وغابت في نوبة من البكاء.
كانت مغفلة...
أعماها حبها عن الحقيقة...
حقيقة أن ليونس حبيبة... حكي لها عنها مرارا وتكرارا ... ومن سذاجتها ظنت أنها هي.
ودت لو بإمكانها أن تكرهه... لكنها لم تستطع.
والورطة التي وضعت نفسها فيها... كيف ستتزوج من أخيه.
وتراه أمامها كل يوم بحياتها..
كيف وقتها تستطيع أن تتغلب على حبها له.
غفت على أمل أن تجد حلا في الصباح...
وفي الصباح تملكها الغضب... أن كان لا يحبها.. فلتتزوج ممن يحبها حتي لو كان أخوه.
هكذا ظنت أن الأمر سهل...
كانت ساذجة... فبرغم الشبه في الشكل بين سيف ويونس.... الا أن في الشخصية والطباع كانا نقيضين.
يونس حساس... مراعي... حنون.
وسيف.. عملي... جاد.
عزمت أمرها.... ستجعل سيف هو من يفسخ الخطبة... فلو راحت الان تخبر أهلها بانها لا تريده سينقلب البيت رأسا على عقب فوق رأسها.... فهي من اختارت سيف... هي من وافقت عليه بكل حب امام والدها.. هي من اعترفت بحبه لوالدتها... نعم كانت تقصد يونس، لكن كيف لها ان تواجههم بالحقيقة.
حتى كانت يوما مع سيف في أحد محلات الأثاث حين أتصل به والده يخبره بأن يونس مريض.... فقد الوعي واعادوه إلى المنزل والطبيب عنده....
شعرت بأن الأرض تميد من تحتها....
حاولت أن تسيطر على انفعالاتها لم تستطع...
صاحت في سيف: يلا بسرعة نرجع نشوف يونس.
لم تنس أبدا نظرة سيف لها يومها، نظر إليها نظرة مليئة بالاستغراب والغضب في نفس الوقت وهتف: انتي مخضوضة عليه كده ليه؟
هتفت بتوتر: يعني اخوك... لازم أقلق عليه... كمان يونس صديق ليا من زمان.
نظر لها سيف بألم: وانتي هتقلقي على أخويا اكتر مني؟
ابتسمت بارتباك وهمست برجاء: يلا نروح وانا هاجي معاك أطمن عليه.
دخلت غرفته..
نظرت إليه مستلقي على فراشه بضعف...
لم تستطع أ تخفى لهفتها، أو حبها الذي كان يطل من عينيها.
جلست على طرف فراشه...
تتأمل ملامحه بكل حب..
ودت لو كان بإمكانها ان تقترب أكثر... تتحسس وجهه الضعيف.
تقترب منه وتطعمه بيدها حتى يسترد عافيته.
جلست ترقبه بصمت، ابتسم لها كعادته تلك الابتسامة التي تذيب اوصال قلبها.
لم تشعر بنفسها ولا بالوقت الا حين هتف فيها سيف: يلا يا ياسمين علشان أروحك... ويونس كمان لازم يرتاح.
خرجت من الغرفة وقلبها تركته هناك بجواره.
لاحظ سيف لهفتها... بالتأكيد فهو ذكي ولماح.
وفي الصباح هاتفها سيف... دون مقدمات واجهها، سألها: بتحبي يونس مش كده؟
بكت... بكت كل الدموع الحبيسة بداخلها وهتفت من بين دموعها: محبيتش في الدنيا حد قده.
سألها سيف بألم: وليه وافقتي تتجوزيني وانتي بتحبي أخويا؟
ازداد بكاؤها وهمست: أنا اسفة.
صمت سيف.. وكانت تتوقع أن بعد الصمت تأتي ثورة.
لكنه لم يثور، بل همس بكل هدوء: أنا هاتكلم مع باباكي واقوله كل شيء قسمة ونصيب.
أغلق الهاتف... وبقيت هي تنتظر.
رسالة... مكالمة.. أي شيء من يونس.
حتى لو صادفته في الطريق...
ستعترف له بحبها.
لكنها فوجئت بعد عدة أيام بأنه سافر..
سافر بلا وداع.... لم يهاتفها..
لم يرسل لها رسالة واحدة يخبرها حتى بسفره.
لم يكلف نفسه عناء ان يطمئن عليها وكأنها شيء لم يكن...
كأنها كانت سراب بحياته.
هكذا بكل بساطة مضي في طريقه وتركها خلفه.
مخدوعة....
موهومة بحب لا وجود له..
مريضة بحب من طرف واحد لا يرجى شفاؤها منه.
مضت أيام وشهور لا تعرف عددها وهي تتألم..
ليس في عقلها وقلبها سواه..
حصلت على وظيفة لعلها تجد فيها ما يشغلها عن قلبها الجريح.
لكنها لم تشغلها.
تزوج سيف بعد فترة من زميلة له بالمشفى، هكذا قالت لها والدتها.
مضت سنة واثنان وثلاثة.... وهي على نفس حالها.
تنتظر عودته.
Amira Ahmed