في المكتب، قبل أن ينتهي يوم العمل... وقف كريم أمام مكتب ياسمين وقال: ياسمين كنت عاوزك في موضوع مهم، بس لوحدنا.... ممكن؟
كان يونس يقف على باب مكتبه، ويشاهد كريم يتحدث مع ياسمين.. كان أقرب لها مما يجب، فظهر الغضب على ملامح يونس... لمحته ياسمين بطرف عينيها قبل أن ترد على كريم وهتفت: محتاج حاجة يا كريم؟
كريم: محتاجك في موضوع شخصي.
ازدردت ياسمين ريقها، وهي تري نظرات الغضب تطل من عيني يونس وهمست: موضوع شخصي!
كريم: بعد أذنك ... ممكن نشرب حاجة سوا بعد الشغل؟
ياسمين: كريم أنت زي أخويا طبعا وعارف أن مش هيكون شكلها حلو نخرج لوحدنا بعد الشغل.
كريم: طيب تعالي نطلع التراس سوا نتكلم شوية.
نظرت ياسمين ليونس الذي كان يراقبها وتنهدت وقالت: ماشي حاضر.
مشي كريم وتبعته ياسمين ... ألقت نظرة جانبية على يونس الذي كان يستشيط غضبا واومأت له برأسها.
أخرجت هاتفها وأرسلت رسالة ليونس: "بيقولي عاوزني في موضوع... انا شاكة في حاجة كده"
لحظات واتاها رسالة من يونس: " والله يا ياسمين لو مرجعتي مكتبك بعد عشر دقايق، هاجي أعرفه انا ازاي يقولك كده"
" اهدي يا يونس...هافهم في ايه واجيلك مكتبك."
دخل كريم إلي الشرفة وتبعته ياسمين، هتف كريم بتوتر: ياسمين أنا معجب بإيمان وعايز أتقدملها... أنا فكرت أكلمها هى على طول بس خايف لو قولتلها ورفضت هيبقي صعب نتعامل مع بعض في الشغل، واحنا بنشتغل مع بعض تقريبا كل يوم.
ابتسمت ياسمين بارتياح وهتفت: قولها يا كريم... مش هترفض.
كريم: متأكدة... أصلها كل اما اقولها حاجة بحس أنها بتصدني كده.
ضحكت ياسمين: بص أنا هاعمل معاك حركة جدعنة... البروجيكت الجديد هاخليك تشتغل معاها عليه... وده هيخلي في فرصة تتكلموا أكتر، وانت وشطارتك بقي.
ابتسم كريم وهتف بامتنان: يعني أنتي شايفة كده؟
لكن قبل أن تتاح الفرصة لياسمين للرد، جاء من خلفها صوت يونس يهتف بحدة: شايفة ايه بقي؟
اتسعت حدقتي ياسمين وهى تنظر خلفها تطالع يونس يقف خلفها تماما والشرر يتطاير من مقلتيه، كذلك كريم ارتبك وقال: أنا بس كنت باخد رأي ياسمين في حاجة شخصية.
هتف يونس بحدة: أعتقد المسائل الشخصية مش مكانها الشغل ولا ايه يا مدام ياسمين؟
هتفت ياسمين بضيق: صح ... عن اذنكوا.
انصرفت ياسمين بضيق عائدة إلي مكتبها.
بعد ما يقرب من النصف ساعة ، استدعاها يونس في مكتبه.
دخلت ياسمين وعلامات الضيق واضحة على وجهها، لكن قبل أن تتحدث، أقترب منها يونس وقال بحدة: كان بيقولك ايه الواد ده؟
ياسمين: بيقولي أنه عاوز يخطب إيمان... ياريت تبطل غيرتك اللي ملهاش معني دي.
أقترب يونس أكثر، امسك يديها وهمس: انا من حقى أغير على مراتي.
هتفت ياسمين بحدة: بس مش من حقك تحرجني ولا تحرج كريم بالمنظر ده.... الناس تقول علينا ايه؟
هتف يونس بحدة: والناس لما تشوفك واقفة معاه لوحدكوا هيقولوا ايه؟
ياسمين: يونس أحنا في المكتب... عاوز تزعق كده تعالي نروح البيت نزعق براحتنا... لكن هنا لأ.
ابتسم يونس بخبث: انا لو روحت مش هازعق.
ابتسمت ياسمين بدورها: يونس انا بجد زعلانة منك.
اقترب منها يونس... يضمها بين ذراعيه، وضع قبلة على خدها وهمس: حقك عليا... مكنش قصدي ازعلك... انا كنت غيران عليكي.
همست ياسمين بدلال: اطمن مفيش حاجة تغير منها، انا عيني مبتشوفش غيرك.. وقلبي مفيهوش غير يونس وبس.
مال ليضع قبلة على شفتيها، لكن سمعوا دقات على باب مكتبه... ابتعدت ياسمين فورا، مشي يونس خطوات بسيطة مبتعدا عنها وهتف: أدخل.
دخلت إيمان تحمل ملفا في يديها وقالت: أستاذ يونس المشروع الجديد جاهز، حضرتك هتخلي مين يشتغل عليه.
هتفت ياسمين: كنت لسة باتكلم مع يونس في الموضوع ده.... أنتي وكريم اللي هتشتغلوا عليه.
نظرت إيمان لياسمين بدهشة وحاولت أن تشير لها بالرفض، لكن يونس قال: في حاجة يا إيمان؟
إيمان: لأ تمام... مفيش مشاكل.
ياسمين: طيب روحي اديله الفايل بتاع المشروع وجهزوا العرض ووريهولي بكرة ان شاء الله اراجعه قبل ما أبعته لأستاذ يونس.
تنهدت إيمان وخرجت من غرفة المكتب.
توجهت إيمان حتى مكتب كريم... وقفت أمامه ووضعت الملف وهمست بارتباك: ياسمين بتقول أنا وانت هنشتغل على المشروع الجديد.
ابتسم كريم بعينين لامعتين: يبقي هيطلع أحسن مشروع.
همت أن تنصرف إيمان، لكن استوقفها كريم وهتف: انتي ليه دايما بتصديني كده، هو انا ضايقتك في حاجة؟
هتفت إيمان بارتباك: لأ خالص... بس.
قاطعها كريم: أعتقد المشروع الجديد فرصة نقرب من بعض ونبقي أصحاب أكتر.
رفعت ياسمين كتفيها وهتفت: كنت فاكرة أننا أصحاب يا كريم.
اتسعت ابتسامته وقال: طبعا أصحاب... بس ممكن نبقي أصحاب أقرب شوية.
توترت إيمان وهتفت: كريم أنا مش عارفة أنت تقصد ايه؟
هتف كريم بلا مقدمات وبسرعة وكأنه يخشي أن تفلت اللحظة من يده: إيمان انا معجب بيكي، عاوز اتجوزك.. ممكن رقم باباكي؟
وقفت إيمان تنظر له بدهشة كبيرة ووجنتي حمر، لكنها سحبت هاتفه من أمامه، كتبت عليه رقم ووضعت الهاتف من جديد امامه.
نظر لها كريم باستغراب وهتف: ايه ده؟
ارتبكت إيمان وقالت بسرعة: رقم بابا
وتركته يقف مشدوها، فارغ فاه وتحركت بسرعة ناحية مكتبها، لكن كريم صاح بسعادة وهو يتبعها إلي حيث مكتبها: موافقة؟ والله العظيم موافقة؟ أحلفي كده أنك موافقة.
ضحكت إيمان على تصرفاته، ووضعت يدها على عينيها تداري خجلها.
جلس كريم بجوارها، طالعها بكل حب وهتف: والله العظيم بحبك.
ابتسمت إيمان بحياء وهمست بصوت بالكاد مسموع: كريم... مينفعش الكلام ده هنا..
هتف كريم بعتاب: ولما أنتي موافقة كنتي بتصديني ليه؟
لكن قبل أن تجيب أردف بسعادة: مش مهم المهم أنك موافقة.
قام من مكانه، واتجه حيث مكتبه... جلس خلفه، لكن عيناه كانت معلقتين على إيمان مما جعلها تحمر وجنتيها لا اراديا، وشعرت بالارتباك في كل تصرفاتها.
خرجت ياسمين من مكتب يونس... جلست خلف مكتبها بجوار إيمان، لاحظت ارتباكها فهتفت: في ايه؟ وشك أحمر زي الطماطم ليه؟
امسكت إيمان كف ياسمين بيد مرتجفة، مالت على اذنها وهمست: كريم أخد رقم بابا.
اتسعت ابتسامة ياسمين وضمتها بسعادة وهتفت: مبروووك.
وضعت إيمان يدها على صدرها وهتفت: حاسة قلبي هيقف من التوتر.
طالعت ياسمين كريم الذي كان يراقبهم بعيني لامعتين وهمست: شايفة الواد ضحكته منورة وشه ازاي... أنتي قولتيله ايه؟
إيمان: معرفتش أقول حاجة أصلا.
وكزتها ياسمين وهتفت بسعادة: يعني هتقولي؟
ضحكت إيمان: اوعدك لما اتلم على اعصابي واعرف أقول هابقي أقول.
ابتسمت ياسمين بحب وهتفت: ربنا يسعدكوا.
دخلت ياسمين المكتب عند يونس، جلست أمام مكتبه وهتفت: يونس ممكن أطلب منك طلب؟
رفع عينيه من الحاسوب يطالعها وهمس: اؤمري.
ابتسمت ياسمين وقالت بنبرة مرتبكة: ممكن أروح أقضي الويك أند مع فريدة في بيتها؟
رفع حاجبه وقال بحدة: ازاي يعني؟ مش فريدة متجوزة؟
ياسمين: أحمد جوزها مسافر.
يونس: ومتجيش تبات هي معاكي في البيت ليه؟
ياسمين: علشان ولادها مثلا... صعب تتنقل بيهم، وانت عارف بيتها بعيد عن بيتي.
اومأ يونس رأسه بإيجاب: موافق... بس بشرط تكلميني كل شوية.
ابتسمت ياسمين بألم: مبنعرفش نتكلم في التليفون في الويك أند.... هابعتلك رسايل كل شوية.
ابتسم يونس وهمس: ياسمين أنتي عارفة أنا بحبك قد ايه؟
ضحكت ياسمين بدلال: عارفة.. بس مفيش مانع تقولي تاني.
همس يونس: بحبك لدرجة بتخليني ضعيف قدامك... حبك جوايا أكبر من كياني .
ابتسمت ياسمين وقامت من مكانها بنفس راضية وهمست له وهي تخرج: اهو الكلمتين دول يكفوني لحد أما ترجعلي تاني أول الأسبوع.
------------------
استيقظ يونس صباح يوم الجمعة بكسل... يعلم أنه نام حتى وقت متأخر لأنه لم يجد سلمي بجواره
أخذ حمام دافئ، وخرج من غرفته.. المنزل هادئ.. الأولاد بغرفهم، وسلمي بالمطبخ تعد الإفطار.
جلس أمام التليفزيون بذهن شارد.. حين جاءت سلمي وجلست بجواره.
أمسكت كفه بحنان وهمست: الفطار جاهز يا حبيبي... يلا علشان تلحق تفطر قبل الصلاة.
اومأ برأسه، لكنها أردفت: في مطعم فتح جديد ايه رأيك نخرج نتغدي بره؟
يونس: طيب والولاد؟
سلمي: هما كانوا عاوزين يروحوا الكيدز أريا... ايه رأيك نوديهم ونروح نتغدي ونرجع ناخدهم... بقالنا كتير مخرجناش أنا وانت لوحدنا.
تنهد يونس: ماشي.
هتفت سلمي بحماس: الولاد هيفرحوا أوي.. أصلا كانوا بيزنوا بقالهم شوية عاوزين يخرجوا.
---
في مطعم مطل على حديقة واسعة في منتصفها نافورة مياه كبيرة... جلست سلمي مع يونس على طاولة في طرف المطعم.
هتفت سلمي وهي تنظر ليونس بعتاب: يونس أنا حاسة أن فيك حاجة متغيرة بقالك فترة...مش يونس اللي أنا أعرفه...
ابتسم يونس بارتباك وقال: معلش يا سلمي... حقك عليا لو كنت مقصر معاكي الفترة اللي فاتت... بس كنت مضغوط في الشغل.. أوعدك الفترة الجاية كل حاجة هترجع زي الأول.
اتسعت ابتسامة سلمي: بجد يا يونس... اصل انا بقيت أحس أنك مش بتحبني زي زمان.
يونس: انتي غالية عندي يا سلمي... غالية أوي كمان ولازم تعرفي كده مهما حصل.
سلمي: لو انا عملت حاجة تبعدك عني قولي... انا ممكن أكون مش مركزة معاك أوي علشان الولاد فعلا واخدين كل وقتي... بس لو في حاجة مضايقاك قولي.
يونس: خالص والله... أنا مقدر أنتي بتتعبي قد ايه مع الولاد... وكمان انا الشغل الأيام دى واخد كل وقتي.
ضحكت سلمي بخفة: خلاص خلينا نفتح صفحة جديدة... ونتفق كل فترة كده نعمل حاجة تكسر الروتين.
أبتسم يونس: اللي تشوفيه.
اتسعت ابتسامة سلمي وهتفت: طيب تاكل ايه بقي؟
يونس: مشروم استيك وانتي؟
سلمي: مش عارفة اختارلي أنت.
ابتسم يونس: أنتي بتحبي الفراخ... اطلبلك كورون بلو؟
سلمي: ماشي يا حبيبي اللى أنت تختاره.
يونس: الولاد هيقعدوا قد ايه في الكيدز أريا؟
سلمي: ساعتين كمان.
يونس: مش عايزين نتأخر عليهم.
سلمي: عاوزين بعد ما ناخدهم نروح نشتري طلبات للبيت كمان.
يونس: حاضر.
------
دفعت ياسمين عربة التسوق بهدوء وسط الزحمة، مشت بخطوات بطيئة بجوار فريدة..
برغم الصخب حولها، لكنها كانت صامته هادئة، هتفت فريدة: هاروح أشوف تلاجة الجبن أخد رقم وأجي بسرعة.
اومأت ياسمين رأسها بصمت... مدت يدها إلي أحد الأرفف تجذب علبة لبن، حين سمعت صوته.
صوت لا تخطئه ابدا.
صوت تحفظه بقلبها قبل أذنيها..
ضحكته التي تأسر قلبها رنت في أذنها فتجمدت مكانها لحظة... لفت رأسها بترقب..
وقعت عيناها عليه.
كان هناك يونس... يحمل فوق كتفيه أبنته الصغيرة التي كانت تضحك بصوت عالي وهو يلاعبها، وأمامه عربة مشتريات وبجواره كانت سلمي زوجته تنظر إلي أحد الأصناف أمامها تفاضل بينهم.
حين أقترب ياسين أبنه الصغير منه، يحمل لعبة صغيرة بين يديه وهتف: بابا ممكن أخد دي؟
ضحك يونس وهتف: ماشي يا ياسين.. واختار واحدة كمان لحور.
اقتربت منه سلمي، وضعت كفها على ذراعه وقالت بضحكة: بتدلعهم أنت أوي يا يونس.
ضحك يونس من قلبه وقال: معنديش غيرهم أدلعهم.
بينما ياسمين تجمدت مكانها... تمسك عربة التسوق بيد مرتعشة.
كم كانت اللحظة قاسية عليها..
حين رأت حياة زوجها الأخرى.
زوجته ..... أبنائه
وهي...
تقف تشاهده في الظل.
شعرت وكأن سكين حاد غرست في قلبها.
حاولت أن تبقي هادئة قدر المستطاع كي لا تلفت النظر إليها.
لكن فجأة ألتفت يونس..... وكأنه شعر بوجودها
وقعت عيناه عليها.
شعر وكأن الدنيا توقفت من حوله... اتسعت عيناه وهو يطالعها
لم تستطع ياسمين أن تتحرك لحظتها... لكن نظراتها قالت الكثير.
كانت نظرات تحمل كسرة ووجع وحب.
توقف الوقت وكلاهما ينظر للأخر بصمت.
وبرغم محاولات حور التي كانت تحادثه ان تحرك رأسه لكنها لم تستطع.
لاحظت سلمي، فهتفت: يونس! مالك؟
انتفض يونس فجأة وهمس: لا مفيش... افتكرت حد بينادي عليا.
عاد ببصره ينظر إلي ياسمين مرة أخري لكنها كانت أختفت.
ابتلع يونس ريقه وهتف: هتجيبى حاجة تاني يا سلمي ولا نمشي؟
سلمي: لسة هاجيب شوية حاجات تانية.
اندفعت ياسمين تمشي مسرعة حتى وجدت فريدة.
بدأت الدموع تتجمع في مقلتيها وهمست بضعف: هاتي مفاتيح العربية هاستناكي بره لحد اما تخلصي.
هتفت فريدة بقلق: في ايه؟
همست ياسمين: يونس هنا، مع عيلته.
دون ان تنطق فريدة بكلمة ناولتها مفاتيح السيارة.
خرجت ياسمين مسرعة... جلست في السيارة تحاول أن تسيطر على دموعها، تتنفس بصعوبة.
حين اضاء هاتفها معلنا وصول رسالة جديدة.
كانت الرسالة من يونس
" بتعملي ايه هنا؟"
"قولتلك هاقضي الويك أند مع فريدة"
" اقصد ايه اللي جابك هنا؟"
"فريدة ساكنة هنا"
" ساكنة في الكومبوند هنا؟"
" اه"
" الحمدلله انها جت فيا أنا اللي شفتك مش بابا وماما"
"؟؟"
" شقتي هنا في نفس الكومبوند... وماما وبابا كمان"
" خدت بالها من حاجة؟"
" لأ.. أنتي كويسة؟"
" اتضاقت شوية بس عادي"
" متزعليش يا حبيبتي"
ظلت تنظر إلي رسالته الأخيرة، كيف لا تحزن وهي تري حياة زوجها الأخرى... حياة كاملة خالية منها... بينما هي... حياتها كلها له.
سقطت دمعة من عينيها بألم.. حينها فتحت فريدة باب السيارة وجلست بجوارها.
هتفت فريدة بقلق: أنتي كويسة؟
ياسمين: أنا عاوزة أروح.
فريدة: يلا خلاص هنتحرك.
ياسمين: انا عاوزة أروح بيتي يا فريدة.
فريدة: ليه ايه حصل؟
تنهدت ياسمين بألم: يونس ساكن هنا في نفس الكومبوند... مش هاقدر أشوفه معاها تاني.
فريدة: خلاص هنروح البيت والصبح هاوصلك لحد بيتك.
تنهدت ياسمين بألم وهي ترضخ لفريدة.
---------------
كانت قاعة الاجتماعات تعج بالحركة، الشاشة تضئ بالبيانات.. ويونس يقف في صدر الغرفة يعرض البيانات ويشرح بعض النقاط للفريق... بينما ياسمين تجلس خلف حاسوبها تراجع بعض الملفات بتركيز.
فجأة أرتفع صوت يونس: التقرير اللي متأخر ده مين اللى مأخره؟
رفعت ياسمين رأسها من حاسوبها بارتباك: انا شغالة عليه، بس لسه...
قاطعها يونس بعصبية، وصوت جهوري: لسه ايه يا ياسمين؟ هو احنا هنا بنلعب... في ديدلاين واضح المفروض تلتزمي بيه... لو مش هتقدري تسلمي الشغل في ميعاده تقولي من قبلها وأديه لحد تاني يبقي عارف أهمية الوقت أكتر من كده.
ساد الصمت في القاعة، كل العيون متجهة ناحية ياسمين... شعرت ياسمين بيدها ترتعش فوق لوحة المفاتيح، واحمرت جنتيها، هتفت بنبرة مرتبكة: أنا حسيت أنه محتاج مراجعة تاني قبل ما....
قاطعها يونس بحدة وهو يضرب بيده على الطاولة: حسيتي؟! مش مهم إحساسك... المهم الشغل يتسلم مظبوط في معاده... فاهمة؟
ساد صمت ثقيل... عضت ياسمين على شفتيها السفلية ، أغمضت عينيها لثانية تحاول ان تتمالك دموعها التي بدأت تتراقص في مقلتيها وتمنعها من السقوط..
تماسكت وهمست بنبرة منخفضة: فاهمة.
صاح يونس بحدة: اتفضلوا كل واحد على مكتبه... والتقرير يبقي عندى خلال نص ساعة.
أغلقت ياسمين بهدوء الحاسوب أمامها... حملت أوراقها والحاسوب وغادرة القاعة تحاول ان تداري انكسارها.
بينما وقف يونس مكانه.. يضم قبضته حتى ابيضت مفاصله.. يتابعها بعينيه وهي تخرج وهو يشعر بالألم .. ظل جامدا مكانه للحظة وهو يلوم نفسه.
بعد الاجتماع بدقائق، كان يونس يقف أمام نافذة مكتبه ، وصورة ياسمين وهي تخرج من الغرفة تتكرر أمامه بلا توقف.
ضربات خفيفة على الباب، ومن بعدها انفتح باب مكتبه ودخلت ياسمين.. تمسك بعد الأوراق في يدها... ملامحها جامدة برغم الألم الظاهر بين مقلتيها.
هتفت ياسمين بنبرة عملية جادة: بعتلك التقرير يا فندم على الإيميل.
ألتف لها سريعا مجرد ما سمع صوتها... لازال الغضب يظهر على ملامحه، لكنه قال بنبرة هادئة: اقفلى الباب.
نفذت ما قاله، وقالت بنبرة رسمية: حاجة تانية؟
مشي ناحيتها بخطوات سريعة حتى وقف أمامها تماما، وقال بصوت منخفض لكنه يحمل كثر من الانفعال: انتي فاهمة لو مشديتش عليكي قدام الناس هيقولوا ايه؟ هيقولوا أني بميزك.. والناس ابتدت تتكلم... كان لازم أعمل كده... لازم التيم يعرف أني مش متساهل مع أي حد حتى لو أنتي.
نظرت له ياسمين بدهشة وقالت: يعني مشكلتك أن مش عاوز تبان متساهل؟ وانا مش مهم أنك تكسفني قدام الناس؟
أقترب منها أكثر، نبرته أصبحت أدفأ وقال: المشكلة أني خايف... خايف حد يلاحظ أني باتعامل معاكي غير الباقيين... خايف يلمحوا اللي جوه قلبي وانا مش قادر أخبيه.
سقطت دمعة من عين ياسمين رغما عنها، حاولت أن تبعد وجهها عنه كي لا يراها، لكنه أمسك بذقنها يديرها إليه بلطف وهمس: سامحيني... أنا عارف أني جرحتك.. بس والله أخر حاجة في الدنيا عاوزها أني أوجعك... غصب عني يا حبيبتي.
هتفت ياسمين بصوت متهدج: كنت أتكلمت بهدوء... مش تزعق قدام الناس.
أغمض يونس عينيه للحظة، وتكلم بوجع: عارفة أنا كنت حاسس بايه وانتي واقفة قصادى وشايف الدموع في عينيكي؟ وقتها كان نفسي اخدك في حضني... كنت هنهار..
صمتت ياسمين لثواني.
مد يونس انامله مسح دمعتها، ابتسم يونس بألم واقترب منها أكثر وقال: انا مش هسامح نفسي لو شوفت دموعك بسببي تاني.
صمتت ياسمين، عيناها معلقة بالأرض... كان صمتها أقسي من أي عتاب.
ابتلع يونس ريقه بصعوبة وقال: طيب قوليلي أعمل ايه علشان اصالحك؟
رفعت عيناها ببطء، تطالعه بوجع مكبوت داخل مقلتيها وهمست: مش كل حاجة بتنفع تتصلح بكلمة... اللي حصل قدام الناس كسرني.
حاول أن يقترب منها أكثر، مد يده يلمسها، لكنها تراجعت خطوة للخلف.
همس يونس بوجع: ياسمين انا مبستحملش بعدك... متحطنيش في مقارنة بين شغلي وقلبي.
قالت ياسمين بوجع وهي تتجه ناحية الباب: اللي بيحب بجد بيفكر قبل ما يجرح اللي بيحبه... ودي مش أول مرة تجرحني.
خرجت من المكتب بهدوء، وتركته وراءها يقف صامتا.
أرخي جسده على المقعد.. دفن رأسه بين راحتيه.. شعر لأول مرة بحجم الألم الذي يسببه لياسمين.
ظل يونس يفكر كيف يرضي ياسمين.
خرج من مكتبه ومن الشركة بأكملها، لمحته ياسمين وهو يخرج ... لكنه عاد بعد عدة دقائق يحمل علبة شكولاتة صغيرة وضعها أمام ياسمين على المكتب أمام الجميع دون أن يتحدث، ووضع فوقها ورقة صغيرة تحمل كلمة" أسف"
لكن ياسمين بقيت بملامح جامدة، لم ترفع عينيها للحاسوب أو تنظر حتى ليونس.
وقف على باب مكتبه، أخرج هاتفه وأرسل لها رسالة: " أختاري المطعم اللي يعجبك ونتعشي سوا النهاردة... مش هاروح واسيبك زعلانة."
نظرت ياسمين في الهاتف تقرأ الرسالة وابتسمت ابتسامة جانبية، رفعت عينيها ليونس الواقف على باب مكتبه يشاهدها بابتسامة.
لانت ملامح ياسمين، لكنها وضعت الهاتف بجانبها ولم تعقب.
حين انتهي يوم العمل، وبدأ الموظفين في الانصراف، اضاء هاتف ياسمين برسالة جديدة.. برغم أن يونس أنصرف بالفعل.
رفعت الهاتف تقرأ الرسالة، كانت من يونس.
" انا واقف تحت قدام الشركة مستنيكي... مش هامشي من غيرك."
ابتسمت ياسمين.. ضغطت على ذر المصعد بابتسامة عريضة.
حاولت أن تخفيها وتتصنع الجدية حين خرجت من باب الشركة ووجدت يونس يقف بجوار سيارته يستند عليها بكوعه.
اتسعت ابتسامته حين رآها.. فتح لها الباب بحركة رومانسية، ثم لف وأخذ مقعده خلف المقور.
ياسمين بحدة: وقولتلها أنك فين؟
يونس: عادي.... قولتلها عندي شغل.
ثم أردف وهو يشغل السيارة: ياسمين متزعليش مني تاني.. انا مستحملش زعلك... حقك عليا.
أمسك كفها بكفه، ووضع قبلة على باطن يدها.
ابتسمت ياسمين وقالت برزانة: ياريت بس تبقي تخلي بالك من صورتي قدام الناس.
جلس يونس مع ياسمين في مطعم راقي، موسيقي هادئة في الخلفية... اختار يونس طاولة صغيرة في أخر المطعم.
جلس يونس أمامها.. أمسك كفها بين يديه وهمس: أوعدك مش هازعلك تاني ابدا يا حبيبتي.
ابتسمت ياسمين وهمست: أخس عليك والله اضايقت منك أوي... حسيت أني صغيرة وانت بتزعقلي قدام الناس.
يونس: معاش ولا كان اللي يخليكي صغيرة...
ابتسمت ياسمين وهمست: بعد الشر عليك يا حبيبي.
ضحك يونس بخفة: ياااه يعني خلاص أخيرا رضيتي عني.
ضحكت ياسمين: سامحتك من ساعة ما جبت الشيكولاته.. بس كانت هتبقي أحلى لو قولت انا اسف قدام الناس مش بس في ورقة.
ضحك يونس بخفة: خلاص بقي متزعليش يا حبي.
ابتسمت ياسمين وهتفت بدلال: ماشي خلاص.
نظر يونس خلفها وقال بهدوء بنفس الابتسامة وهو يسحب كفه ببطء من فوق كفها المرخية على الطاولة: سلمى وراكى وشافتنا وجاية علينا.
Amira Ahmed