اكتشاف الحقيقة خرج هنري من المقهى وذهب يبحث عن قصر عائلة وايث من خلال العنوان الذي كان قد أخذه من عند العجوز. انتقل هنري من شارع إلى شارع يبحث عن القصر ويسأل الناس الذين يصادفهم في الطريق. كان القصر بعيدًا، وقضى هنري أربع ساعات في البحث حتى وصل إليه. لم يخبره العجوز أنه بعيد. قال هنري: "لو أخبرني العجوز أن القصر بعيد، ما كنت سأتعذب هكذا. كنت سأستأجر عربة تأخذني إليه مباشرةً بلا لف أو دوران." وقف هنري أمام القصر يتأمل جماله وضخامته من بعيد. بعد لحظات من التأمل، قرر هنري أن يقترب من بابه الكبير. اقترب إلى الباب ونظر من خلاله إلى الداخل فندهش عندما رأى حوالي عشرة حراس يرتدون بدلات سوداء، ويتمركز كل واحد في مكانه. قال هنري: "عشرة حراس فقط في البوابة الأمامية، أما الحراس الذين يحرسون القصر من الخلف، الله وحده يعلم كم عددهم." تراجع هنري قليلاً عن الباب، ونادى على أحد الحراس الذي يقف بجانب الباب. اقترب الحارس إلى الباب، وقال لهنري: "ماذا تريد يا فتى؟" رد عليه هنري: "أتيت لمقابلة السيد كايذو. قالوا لي إنه يعمل في هذا القصر. هل يمكنك أن تذهب وتخبره أن فتى في الخارج يريد مقابلته؟" ـ"من أنت يا فتى؟" ـ"أنا إسمي هنري، واحد من أقارب السيد كايذو." عندما سمع الحارس أن هنري من أقارب السيد كايذو، تغيرت ملامح وجهه. قال الحارس لهنري: "انتظر هنا." ذهب الحارس بسرعة إلى داخل القصر، فعثر على كايذو نازلًا من الدرج. أوقفه الحارس قائلاً: "سيد كايذو، فتى في الخارج يريد مقابلتك، قال إنه من أقاربك." تعجب كايذو عندما سمع ما قاله الحارس، وقال في نفسه: "من هو هذا الفتى؟ أنا ليس لدي أقارب." قال: "سأخرج وأرى من هو هذا الفتى." طلب من الحارس أن يسبقه ويقول للفتى إنه قادم. بعد أن أنهى كايذو العمل الذي كلفه به سيده جون، خرج لمقابلة هنري. وصل كايذو عند هنري، وقبل أن يسأله من أنت يا فتى، لمح في يد هنري القلادة، فتعرف عليها صعق في مكانه، وبقي للحظات يتأمل هنري بعينه حتى قاطعه الحارس قائلاً: "سيد كايذو، هل هذا الفتى من أقاربك حقًا؟" رد عليه كايذو بسرعة: "أجل، إنه من أقاربي." فتح كايذو الباب وخرج عند هنري وتوجه نحوه بسرعة فضمه كأنه يحضن ابنه. أبعد كايذو هنري عن باب القصر، وبعد أن ابتعدا عن الباب، قال كايذو لهنري: "سيدي الصغير، لماذا أتيت إلى هنا؟ بقدومك إلى هنا، تعرض نفسك للخطر." رد هنري: "ماذا تقصد بهذا الكلام؟" قال كايذو: "أقصد إذا عرفت عائلتك أنك لا تزال على قيد الحياة، فستعرض نفسك للخطر وتعرضني أنا معك أيضًا. أنا وأنت في القارب نفسه. إذا غرق، سأغرق أنا أيضًا." قال هنري: "دعك من هذا الكلام وأخبرني، هل أنت صاحب هذه القلادة؟ ومن هي عائلتي؟ ولماذا تخلت عني؟" قال له كايذو: "إن القلادة قلادتي، وأنا الذي وضعتها حول عنقك عندما تركتك في الطريق المؤدي إلى تلك القرية البعيدة." وحكى له عن يوم ولادته. قال له: "عندما عرف أبوك أنك لا تملك أي قوى، حيث أنها تظهر في اليوم الذي يولد فيه الرضيع، وأنت لم تظهر عندك أي قوة. فقال لي والدك أن أقتلك وطلب من الجميع أن ينسوك ويعتبروك ميتًا. فأنا لم أستطع أن أقتلك، ولهذا أخذتك إلى جانب الطريق المؤدي إلى تلك القرية البعيدة، وتركتك هناك لكي يعثر عليك أحد من تلك القرية ويعتني بك وتعيش حياة مسالمة في تلك القرية. وأخبره أن عائلته هي عائلة وايث." عندما سمع هنري هذا الكلام، أصابته صدمة شديدة أفقدته القدرة على التفكير بأي شيء. أحس أن دماء جسمه كلها انتقلت إلى رأسه، فشعر بأنه على وشك الانفجار من شدة الضغط الذي أصابه. وفي لحظة من اللحظات، فقد الشعور بالعالم الخارجي تمامًا. الشيء الوحيد الذي كان يسمعه بوضوح هو صوت دقات قلبه وهي تتباطأ بشكل مضطرد. جثا على ركبتيه بعد أن فقد السيطرة عليهما، وأحس أن دقات قلبه في طريقها إلى التوقف بعد أن فقد القدرة نهائيًا على التنفس. في تلك اللحظة بالتحديد، تذكر ابتسامة لانذرو عندما كان يلعب معه في الصغر، وتذكر الكلام الذي كان يقوله له عندما كان يراه حزينًا. كان يقول له: "لا تحزن، فكل شيء سيصبح على ما يرام. قدر الله كله خير، حتى ولو لم ترَ هذا الخير في البداية، حتمًا ستراه في يوم من الأيام. واعلم أن أشد أوقات الظلام هو الوقت الذي يسبق ظهور الفجر، وأن الليالي مهما طالت لن تدوم." وتذكر أن الله رحيم، فهو عندما يعطي الداء فإنما يعطي الدواء أيضًا. بعدما تذكر هنري هذا الكلام، عاد إلى وعيه ووقف على قدميه وهو يبتسم ويقول في نفسه: "لقد تغير كل شيء. أنا الآن قوي ولم أعد ذلك الرضيع الذي كانوا يريدون قتله." قاطعه كايذو قائلاً: "سيدي الصغير، من الأفضل أن تنسى هذه العائلة وترجع إلى العائلة التي قامت بتربيتك وتعيش حياتك في سلام معهم." رد عليه هنري قائلاً: "لن أرجع حتى أنتقم منهم جميعًا وأهدم هذا القصر فوق رؤوسهم. لم أعد ذلك الرضيع الضعيف. كل شيء تغير. لا شيء يبقى على حاله في هذا العالم. الفصول تطوي بعضها بعضًا، والوقت يمر ويتجدد بلا انقطاع، والنهار يعقب الليل، والظلمات تتلو النور. هناك حركة مستمرة وتغير أبدي كامل، لكن حياة الإنسان وحدها التي تتأثر بهذا التقلب، يمكنها أن تتغير دون أن تتجدد، إلا أن يكون تجددها في العالم الآخر." قال له كايذو: "كيف ستفعل ذلك وأنت ضعيف لا تملك أي قوى؟" رد هنري مبتسمًا: "لقد تعلمت على يد أقوى رجل في البلاد. ولكي أطمئنك، أنا الآن أقوى من كل من يتواجد في ذلك القصر." سأل هنري كايذو: "سيدك كم يمتلك من عنصر؟" رد كايذو: "ثلاثة عناصر." تبسم هنري قائلاً: "سيدك لم يصل حتى إلى نصف قوتي." رد كايذو باندهاش: "هل تقول أنك أقوى من الجميع؟" قال هنري: "أجل، أنا أقوى من الجميع. والآن سترى ذلك بعينيك. هل الحراس الذين يحرسون القصر أقوياء؟" قال كايذو: "لقد عينهم أبوك مؤخرًا لحراسة القصر، فهم فقط للزينة والتمويه. بالكاد يجيدون مسح مؤخراتهم." ضحك هنري على ما قاله كايذو، وسأله مرة أخرى: "هل يوجد من يحرس القصر من الخلف؟" قال كايذو: "يوجد خلف القصر سبعة حراس يحمونه من الخلف." قال هنري: "لا مشكلة عندي سواء كانوا ضعفاء أم أقوياء. في أي ساعة تجتمع العائلة على طاولة العشاء؟" قال كايذو: "يجتمعون على طاولة العشاء في الثامنة." قال هنري: "حسنًا، سأذهب الآن لأجهز نفسي. وفي المساء، يجب عليك أن تأتي لمشاهدة اللحظات المؤثرة كأنك تشاهد مسرحية، بعنوان لحظة التقاء الأب والأم بابنهم بعد فراق طويل." قال كايذو: "لم أفهم ماذا تقصد؟" قال هنري: "قلت لك إنني في الثامنة، عندما تكون العائلة مجتمعة على طاولة العشاء، سأفاجئها بحضوري. والآن سأذهب. أراك لاحقًا." انتقل هنري أمام كايذو بمهارة الانتقال الأني في طرفة عين ،وعاد إلى منزل المدير وترك كايذو مذهولًا كيف اختفى أمام عينيه، وهو يقول: "أين ذهب؟"