الصيد والجدال

الصيد والجدال

14 1

الصيد والجدال مرت الأيام وجاء يوم سفر لاندرو إلى العاصمة. حمل حقيبته المهترئة، ثم ودع هنري وهو ينصحه كما يفعل الآباء دائمًا، وامتطى جواده وانطلق في طريقه تجاه العاصمة. في شبابه، كان يسافر على قدميه ويصل بسرعة مستخدمًا قوته، أما الآن فقد أصبح عجوزًا خريفًا طاعنًا في السن، ولم يعد بمقدوره السفر إلى مكان بعيد على الأقدام. عاد هنري إلى المنزل واستلقى على الأريكة. بدأ يفكر ماذا عليه أن يفعل. لقد أنهى دراسته وأكمل تدريبه أيضًا، وبدأ يشعر بالملل. فتذكر أن لاندرو قد ترك له مالًا موضوعًا في كيس صغير. أخذ منه بعض القطع النقدية، وأقفل الباب من الداخل، ثم انتقل بمهارته إلى المكان الذي يوجد فيه مطعم جاكسون. وصل وبدأ يتجول بين شوارع القرية من مكان إلى آخر حتى وجد محلًا للحداد يبيع السيوف. دخل وبدأ يتجول في الداخل، يفحص السيوف ويعيدها إلى أماكنها، حتى وصل إلى سيف جميل ذو قبضة صغيرة. حمله وبدأ يفحصه أيضًا. كان منذ أن دخل إلى المتجر وهو يستخدم مهارة الكاشف، التي تمكنه من رؤية مدى قوة السيف، وهل هو سيف قوي أم ضعيف. حتى وجد هذا السيف، فوجد أنه يمكنه التأقلم مع قوة حامله مهما كانت قوته. بفضل تلك المهارة، لا أحد يمكنه خداعه. توجه به إلى صاحب المحل، فوجده منشغلًا في ترتيب بعض الأغراض الجديدة التي صنعها. قال له: "يا عم، كم ثمن هذا السيف؟" أجابه صاحب المحل دون أن ينظر إليه: "قطعتان فضيتان." فوضعهما هنري على الطاولة، ثم اتجه إلى باب الخروج. لاحظ بعض بقايا الوحوش مركونة في مكان قريب من الباب. رجع هنري ليسأله: "يا عم، هل تشتري الوحوش الميتة؟" أجابه: "نعم، أشتريها. بحكم أن الوحوش خطيرة، إذا لم يكن المرء قويًا قد يفقد حياته إثر ذلك، فإن الناس يجلبون لي سوى الوحوش الضعيفة، فلا أستطيع صنع منها سلاحًا قويًا." قال له هنري: "ما رأيك يا عم إن جلبت لك وحوشًا قوية، هل تشتريها مني؟" نظر صاحب المحل باستخفاف إلى هنري، معتقدًا أن هنري يمزح فهو مجرد طفل صغير لا يتجاوز عمره الثالثة عشر. لم يأخذ كلامه بجدية. خرج هنري من عند الحداد وهو يقول: "سنرى من سيستخف بالآخر أيها العجوز الخريف." بعد خروجه، نظر إلى كل الاتجاهات ليتأكد من خلو الطريق من الناس. رأى أن الطريق فارغة من البشر، فانتقل بلمح البصر إلى الغابة، وبدأ يستخدم مهارة البحث ليرى إن كان بمقربته إحدى الوحوش. لم يعثر على شيء فقرر التعمق في الغابة أكثر. وصل إلى وسط الغابة وبدأ يبحث من جديد. كانت الأجواء بديعة تشبه الهدوء ما قبل العاصفة، الرياح تداعب أغصان الأشجار من حوله، والخضرة في كل مكان، والأعشاب تتحرك بجانبه. كان في وسط الغابة وحيدًا مع الرياح. الغابة خالية وصمت يسطر على المكان، سوى أصوات الرياح من وقت لآخر. لا طير يطير ولا سلحفاة تسير. جمع هنري جميع الخيوط حول المكان، واستنتج أن الهدوء في الغابة ليس كالمعتاد، فكان على الأقل يجب أن تكون هناك طيور. ذهب إلى استنتاج أن هناك وحشًا قويًا متخفيًا في مكان قريب من هنا، وهو الذي يمنع الطيور والحيوانات من الاقتراب من هذا المكان. قبل أن ينهي استنتاجه، حس بغريزة القتل تقترب منه بسرعة، فتحرك بسرعة متجنبًا الهجوم المخفي، وسحب سيفه ووقف بلا حراك، مستعدًا للهجوم. في لحظة شعر بغريزة القتل تقترب منه مرة أخرى، فلوح بسيفه بسرعة خاطفة، وأدرك أنه أصاب ذلك الشيء الذي كان يهاجمه في الخفاء. بعد لحظات قليلة، ظهر ذلك الشيء الذي كان متخفيًا وهو مصاب بجرح عميق في صدره. بسبب الإصابة، خارت قواه وأصبحت رؤيته مكشوفة. تبين بعد ذلك أن الوحش هو سحلية عملاقة يتجاوز طولها عشرة أمتار. توجه إليها بسرعة، بضربة سريعة فصل رأسها عن جسدها. بعد ذلك، استخدم مهارة الكشف ووجد أنه قد أضيفت له مهارة جديدة وهي الاختفاء والهجوم بسرعة. وضع السحلية في صندوقه السحري، وهو عبارة عن مهارة فراغ تفتح بابًا في بعد آخر يضع فيه أي شيء. يمكنه أن يضع منزلًا داخلها، ويحمل عربة بأربعة خيول أيضًا. بعدها رأى جبلًا، فقرر أن يتوجه إليه وقال: "قد أجد بعض الوحوش هناك." وفعلاً كان قراره صحيحًا. وصل إلى الجبل وبدأ في صعوده. في منتصف الطريق عثر على غول فقتله وتابع طريقه. بعد لحظة، ظهر أمامه وحش ضخم بجناحين، وبدأ بمهاجمته من السماء بكرة نارية. تجنبها هنري وحاول الوحش أن ينقض عليه بأسنانه فتجنبه بسرعة، وضربه ضربة واحدة أسقطته كالبعوضة عندما تُضرب. اقترب منه وكان الوحش يحاول النهوض من جديد، فقفز إليه وغرس سيفه في رأسه، ثم قطع رأسه ووضعه مع السحلية والغول، وتابع تسلقه للجبل. نظر خلفه وهو يصعد، فشاهد قطيعًا من الوحوش تشبه الذئاب متوجهة نحوه بكامل سرعتها. وقف فوق صخرة كبيرة وابتسم وقال: "اليوم صيد وفير، أتخيل وجه العجوز عندما يرى كل هذه الجثث." سحب سيفه مرة أخرى ودمجه مع عنصر الرياح وبدأ يلوح به. في دقيقتين كان قد قضى على القطيع بأكمله، فوضعهم أيضًا مع البقية، وتابع تسلق الجبل حتى وصل إلى قمته. رأى مشهدًا جميلاً من الأعلى، منظرًا خلابًا، الخضرة تسيطر على المكان من كل الاتجاهات، والطيور والعصافير تغرد وتصرخ بأعلى صوتها في كل أنحاء الغابة. استعمل مهارة البحث فلم يجد أي وحش قريب منه، فتأكد أنه لم يعد هناك وحوش بمقربته. لذا قرر أن يعود إلى القرية. انتقل بسرعة إلى القرية، مستخدمًا مهارة التخفي. لم يشعر بأي خوف بفضل هذه المهارة التي حصل عليها، والآن أصبح بمقدوره الانتقال بحرية دون خوف أو أن يراه أحد. وصل إلى محل الحداد العجوز، فدخل بكل ثقة وتوجه إلى العجوز. عند وصوله، رآه العجوز فتذكره وقال: "أنت الفتى الذي جاء إلى محلي في الصباح. ماذا تريد؟" أجابه هنري: "هل تريد أن تشتري بعض الجثث؟ لقد أخبرتك في الصباح أني سأحضر لك بعضها، أنت اعتقدت أني فقط أمزح، أليس كذلك؟" قال العجوز: "أين هي تلك الجثث؟ أرى يدك فارغة لا تحمل أي شيء فيها." "انتظر للحظة، مهلاً، هذا المكان صغير وقد ينهار عليك. يجب أن تتوفر على مساحة كبيرة." "أنت تمزح فقط يا فتى، ليس لدي وقت لكي ألعب مع الأطفال." في تلك اللحظة، فتح هنري صندوقه السحري وسحب رأس الغول، وهو يقول: "والآن هل تبين لك أني فقط أمزح؟" فنصدم العجوز وتوقف للحظة، فتبين له أن الصبي لا يمزح، فقال له: "اتبعني يا فتى." فلحق به هنري ودخلا في باب آخر يؤدي إلى حديقة العجوز خلف محله، فتقدم هنري إلى الوسط وبدأ يسحب الجثث حتى أخرجها جميعها، عندما انتهى هنري، ظهر شكل الجثث كأنه يشبه جبل، ونظر إلى العجوز فوجده لا يزال مندهشًا من كثرة الوحوش التي لم يراها في حياته من قبل. "هنري: كم ستدفع؟" ظن العجوز أن هذا الفتى يشبه الفتيان في مثل سنه، أنه يستطيع أن يخدعه. "العجوز: سأدفع قطعة فضية لكل وحش." "هههه هل أنت تمزح معي؟" "لا، أنا أتحدث بجدية." "لا هذا سعر غير كافٍ." "كم تريد؟" "قطعة نحاسية للوحوش الصغيرة، وقطعة ذهبية للوحوش الكبيرة." "لا هذا السعر مرتفع جدًا، وأيضًا هذه الوحوش لا تستحق الثمن الذي طلبته." ظن العجوز أنه قد انتصر وخدع الفتى وسيبيع له الوحوش بثمن الذي قاله. في اللحظة التي كان يحتفل العجوز بظفره في خياله، ففجأة هنري وهو يعيد الوحوش إلى صندوقه السحري. "إن لم يعجبك السعر الذي قلت، لا مشكلة عندي، سأذهب إلى العاصمة وأبيعهم بثمن الذي أريد." فنصدم العجوز وانقلبت ملامح وجهه من ابتسامة مكر إلى ملامح غضب واستغراب، وهو ينظر إلى الفتى، ويقول: "هذا الفتى مختلف عن أقرانه، ولا يمكن لأي أحد خداعه." ثم قال العجوز بسرعة للفتى: "مهلاً مهلاً يا فتى، حسنًا سأدفع لك الثمن الذي يلائمك." فقال له هنري: "كنت قد تسهلت معك قبل قليل، وأنت حاولت خداعي. الآن سأرفع السعر قليلاً، وإن لم يعجبك سأرفعه أكثر، كان تقاضيًا لمحاولتك خداعي. تابع وهو يقول في نفسه: سألقنك درسًا لن تنساه أيها العجوز الخريف." "حسناً، كم هو سعرهم الجديد الذي حددته؟" "السعر: قطعتين نحاسيتين للوحوش الصغيرة وقطعتين ذهبيتين للوحوش الكبيرة." "أنا لا أملك كل هذا المبلغ، إنه كثير وفوق استطاعتي." "لا يهمني ذلك، إن لم تكن تملك هذا المبلغ، يوجد من يملكه." "حسناً، انتظر قليلاً." اختفى العجوز للحظة ثم عاد وهو يحمل في يديه كيسًا متوسط الحجم على شكل رزمة حريرية مطلية باللون الذهبي. قرر العجوز المجازفة بكل ما يملك، لأنه رأى أنها فرصة لا تعوض. اتجه نحو هنري وهو يقول: "هذا كل ما أملك." أعطى الكيس إلى هنري، وهو يقول له: "تحقق من مالك يا فتى، وقل لي كم يزال ينقصك من مال؟" استلم هنري المال وعاد هو والعجوز إلى الداخل، جلس ووضع الكيس أمامه في الطاولة، والعجوز واقف يراقبه، بدأ هنري يعد نقوده، عندما انتهى من العد، استغرب العجوز وقال: "لا يزال ينقصك الكثير." "العجوز: كم هو المبلغ المتبقي؟" "نصف المبلغ تقريبًا." "كيف ذلك؟ هذا لا يعقل." "دعني أشرح لك أولاً، بعدها أحسب بنفسك." "عندي أربع وحوش كبيرة، ثمنها كم؟" "ثمنيها قطع ذهبية." "جيد، كم يوجد عندك في الكيس من مال؟" "كان في الكيس تسع قطع ذهبية." "لا يزال عندك خمس قطع ذهبية أخرى." "المال الذي كان عندي أعطيته لك، لم يتبقى لي أي شيء، خذ بدل تلك الخمس قطع بعض السيوف والدروع." "لا أريد أي شيء من تلك الخردة البالة التي في محلك. بما أنك لم يعد لك مالاً، سأطلب منك أن تصنع لي من تلك السحلية رداء، من ذلك التنين حِداء ودرعًا يكون مميزًا ويتلاءم مع الحِداء، ودهنهم بلون الأسود، وأيضًا غمد لهذا السيف، عوضًا عن تلك الخمس قطع ذهبية المتبقية عندك." "إن لم ترغب في ذلك، لا توجد عندي أي مشكلة، لم نفعل أي شيء بعد." توقف العجوز للحظة يفكر، بعدها وافق على الحل الذي قدمه هنري. تم الاتفاق بين هنري والعجوز بنجاح. لكن العجوز يشعر كأنه مسحت به الأرض على يد فتى، لم يتجاوز ربيعه الثالث عشر. خرج من المعركة منهزمًا لكنه لم يخرج خالي الوفاض. بعدها اتفق هنري مع العجوز متى سيأتي لأخذ أغراضه؟ كان الاتفاق بعد أسبوع. حمل هنري ماله وودع العجوز وخرج من عنده عائدًا إلى المنزل. وصل هنري باستعمال مهارته السرية إلى المنزل وهو يحمل في يده المال. صعد الدرج إلى غرفته ليخزن المال في مكان ما في الغرفة، دخل إلى غرفته، ووقف للحظة يفكر أين سيضع هذا المال؟ بعد التفكير، قرر أن يضعه تحت سريره بعد أن حفر حفرة في الأرض، ووضعه وأعاد ترتيب سريره كما كان. فبدأ يشعر بالتعب بعد هذه المغامرة، استلقى على سريره بعد أن نزع حذاءه، تمدد على السرير، وبدأ يفكر ماذا سيفعل بكل هذا المال؟ هل يستعمله لشراء الكتب أو يحتفظ به حتى الضرورة؟ فكر كثيرًا ولم يصل إلى قرار نهائي، فماذا سيستخدم ذلك المال؟ ، مرة بضع دقائق فبدأ يتتأب، عينه لم يعد يستطيع التحكم فيها من شدة النعاس، فقرر أن يغمد عينه، وينم من بعد صراع مع النعاس لم يستطيع هزمته فستسلم له، وفتح له المجال ليسيطر عليه في ثواني قليل سافر هنري إلى عالم الأحلام ، العالم الذي يعش فيه الإنسان بحرية . العالم الذي يوجد فيه الكوابيس المرعبة، والأحلام الجميلة. العالم الذي مسموح لنا أن نحلم فيه بحرية من دون أن يعترض طريقنا أحد. أم الواقع لم يعد لنا فيه شيء يخصنا نحن الطبقة المتهلهلة، سلبوا من الواقع ، ولآن يسعون خلف أحلامنا أيضاً .

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

بطل إمبراطورية الصفيح

المؤلف منصف الشرقاوي
2024/06/28 مستمرة
قائمة الفصول (25)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة