النصيحة الأخيرة مرت الأيام بسرعة، وأكمل هنري قراءة جميع الكتب التي كان قد أحضرها له لاندرو من العاصمة خصيصًا له. كما أن هنري في هذا الأسبوع أكمل ربيعه الخامس عشر، وبدأ يجهز نفسه للسفر. جاء اليوم الذي كان ينتظره بفارغ الصبر، اليوم الذي ستبدأ فيه مغامراته في العالم الخارجي. جهز هنري حقيبته الصغيرة، وجلس أمام لاندرو لكي يسمع كلمات النصح الأخيرة منه. لاندرو: "اسمع يا بني، العالم الذي ستقتحمه ليس كما كنت تتخيل، فهو عالم مقزز ومقرف وفاسد، ومختلف عن هذه القرية. أنت تعيش في عالمك الخاص عندما كنت تعيش في هذه القرية الصغيرة، ومنعزل عن الناس. لم تستطع أن تحصل على أي صديق في هذه القرية. والسبب الذي جعلك لم تحصل على أي صديق هو أنت، لأنك منعزل ومنطوي على نفسك ولا تمنح الناس فرصة للتعرف عليك عن قرب، كما لو أنك محاط بغشاء يمنع أي أحد من الوصول إليك." قاطع هنري لانذرو قائلاً: "لم أفهم...!!! ما تعني بهذا الكلام؟" لاندرو: "أقصد بهذا الكلام أنك تتجاهل كل شخص يريد التحدث معك، ولا تستمع له. عندما يتحدث معك أحد، تقوم بتصرفك السيء وتبعده عنك عن غير قصد." هنري: "كيف أفعل ذلك؟ أنا أتصرف مع الجميع بنفس الأسلوب." لاندرو: "ربما أنت لا تنتبه لذلك. لاحظتك منذ زمن طويل، عندما أتحدث معك تكون دائماً شارد الذهن. وعندما أسألك، تجيب عن السؤال وتصمت. من خلال هذا التصرف، تبعد عنك الناس. هم يريدون أن يفتحوا معك محادثة لكي يتقربوا منك وأنت تصرفهم عنك بسرعة. يجب عليك أن تمنح الشخص الذي يتحدث معك تركيزك الكامل، وذلك عن طريق الاستماع إليه. الاستماع هو أفضل طريق لتحسين العلاقات وتنميتها. ربما تُصادف أوقاتاً تكون فيها منفصلاً عن جسدك ولا تستمع، لأن عقلك في مكان آخر. هل تفعل شيئاً لتبتعد عن النظر بعمق في نفسك؟" هنري: "لا." لاندرو: "هل تنهي جمل الآخرين بنفسك لتعجل مسار المحادثة جدا؟" هنري: "لا، أنا لم أتحدث مع أي شخص من قبل في محادثة. كنت أتحدث سوى مع المعلم، كنت أسأل وهو يجيب، أو هو يسأل وأنا أجيب. كيف أفعل ذلك؟" لاندرو: "يحدث الاستماع العميق عندما يكون كلا الطرفين مستعدين لنقل المشكلات والمخاوف لبعضهما، ويكافح الطرفان لتحقيق الاتصال المتناغم من خلال التعاطف واحترام كل منهما وجهة نظر الآخر، دون نقد، بحب وتعاطف فحسب." قلتَ كيف تكون جيداً في الاستماع؟ فهي طريقة سهلة. على سبيل المثال، بدلاً من التفكير فيما تود أن تقوله بعد ذلك أو الهجوم على المحادثة لفرض وجهة نظرك، حاول الانخراط بشكل تام فيما يقوله الطرف الآخر أو يشعر به. واستخدم التواصل المباشر بالعينين، ولا تقدم النصح ما لم يُطلب منك. وعاكس ما سمعته بتعاطف من خلال نقل تصوراتك عما يشعر به الطرف الآخر. والأمر الأهم على الإطلاق أن تظل متناغماً ذهنياً مع جسدك في اللحظة الحالية، بدلاً من العودة ذهنياً إلى شيء كنت تفكر فيه سابقاً. من خلال تطبيق ما قلت لك بشكل أدق، ستنشئ الكثير من العلاقات بسرعة. يجب عليك أن تحصل على الأصدقاء أو حبيبة مثلاً، فأنت لم تعد طفلاً بعد الآن." هنري: "كيف أصوغ لك هذا؟ فأنا أفضّل أن أكون وحيداً على أن أكون مع أشخاص يستنزفون طاقتي. فالصداقة مجرد مصالح، عندما تنتهي المصلحة تنتهي الصداقة أيضاً. أنا مرتاح هكذا. فإرضاء الناس ليس من اختصاصي. إرضاء الناس نتيجة مباشرة لانعدام الأمن وفقدان مأساوي للذات. وما النتيجة؟ تضحي بالكثير من أجل أن تكسب حبهم، وفي النهاية لا تكسب أي شيء. عندما تحاول إرضاء الجميع، ستخسر نفسك لا محالة في خضم تلك التوقعات. إنها حقيقة من حقائق الحياة، أن شخصاً أو العديد من الأشخاص سيغضب أو يشعر بالاستياء نحوك. والحل هو أن تكون مرتاحاً نحو الرفض، وأن تتوقف عن محاولة كسب تأييد الآخرين وتكون صريحاً في آرائك." ـ لانذرو: قد يكون كلامك صحيحاً في هذه النقطة، ولكن ليس كل شخص يرغب في أن يصبح صديقك، فقد يكون لديه نوايا مختلفة وراء هذه الصداقة. أنت لست غبياً، عليك أن تستعمل عقلك. إذا كان يريد فقط استغلالك، فاستخدم خطته ضده. تذكر دائماً أنه في الشدائد يظهر الصديق الحقيقي. وسع نظرتك عندما تواجه المحن والشدائد، حاول أن تلقي نظرة شاملة عليها وتفكر في عدة احتمالات. يمكن أن تذكر نفسك بأن هذه اللحظات ليست فشلاً شخصياً ولا دائمة. وعندما تلقي نظرة أوسع، سترى فرصاً أكثر من العقبات. وحينها، ركز على الحلول لا على المشكلات. يمكنك تحديد الفرصة المتاحة في الموقف عن طريق السؤال: "كيف يمكنني تحويل هذا الموقف لصالحي؟" أو "هل يمكنني العثور على شيء إيجابي في هذا الجانب السلبي؟" أنت الآن ستدخل إلى عالم آخر، يجب عليك أن تنشئ صداقات لتصل إلى مبتغاك بسرعة. لا يهم ما إذا كانوا أصدقاء حقيقيين أم لا، اجعلهم فقط جسراً تعبر من خلاله لتصل إلى هدفك. دائماً حافظ على الأشياء الجيدة من حولك. ندرك أهمية الأشياء بعد أن نفقدها، لذا عليك أن تحافظ على الأشياء المهمة بقربك قبل أن تفقدها. وكن حكيماً في اختيار الطريق الصحيح الذي تسلكه، فعندما تختار الطريق الخطأ، فإنك تختار الطريق الخطأ في الحياة أيضاً. استخدم هذه القلادة كبوصلة تدلك على عائلتك الحقيقية. قد تعثر عليها في العاصمة، عليك أن تبحث جيداً. إذا وجدت صانع القلادة، ستجد عائلتك. لا تسمح لخيبة الأمل بأن تحبطك، قد تكون تخلت عائلتك عنك خيراً لك. ـ هنري: "لا أستطيع معرفة هل هو خيراً أم شراً حتى أجد عائلتي؟" ـ لانذرو: "نادراً ما تكون الأمور سيئة كما تبدو، وغالباً ما تظهر لنا النعم في صورة ألم أو خسارة أو خيبة أمل. إذا ذكرت نفسك بهذا، يمكنك دائماً العثور على قدر صغير من الخير في الشر، ومكاسب في خسائرك. وفي المرة التالية التي تتعرض فيها لخيبة أمل، يمكنك رفع معنوياتك من خلال تذكر أن الحظ الجيد أو السيء لا يكمنان في الموقف نفسه، بل في تفسيرك له. ونادراً ما يكون الموقف سيئاً أو جيداً كما تتخيل. خذ هذه الخريطة التي قمت برسمها، قد تقدم لك عوناً كبيراً. وخذ هذه الرسالة أيضاً، عندما تصل إلى الأكاديمية، سلمها إلى مدير الأكاديمية، من خلالها سيتعرف عليك، فهو صديقي وهو الشخص الذي سيعتني بك عندما تصل إلى العاصمة. ـ تابع لاندرو قائلا: "العالم عبارة عن غابة عملاقة، إما أن تقتُل أو تُقتل". أحرص دائماً على أن تكون أنت القاتل وأنت ملك تلك الغابة. يمكنك أن تحكمها بقوتك. في هذا العالم الضيق الذي نعيش فيه نحن البشر، يمكن لشرارة واحدة أن تتحول إلى نار تلتهم كل شيء. كن أنت تلك الشرارة ودمر حياة كل من ساهم في تفريقك عن عائلتك. وحتى وإن كان فرد من عائلتك هو السبب. فعائلتك قد تعتبرك ميتاً، على ما أعتقد. يمكن أنها تظن أنك غير موجود في هذا العالم من الاساس ،حتى وإن كنت على قيد الحياة ،لا تحلم بأنهم عندما تقف أمامهم بعد خمس عشرة سنة سيأتون يركضون نحوك ليعانقوك ويمنحوك مكاناً بينهم. لا تتسرع، اعرف الأسباب التي جعلتهم يتخلى عنك. بعد ذلك ستعرف هل يوجد مكان لك بينهم أم لا. انتهى لاندرو من محاضرته الأخيرة، ثم وقف هنري وأخذ حقيبته وودّع لاندرو وتوجه إلى باب الذي يؤدي إلى الخارج. لحق به لاندرو وهو يحمل في يده كيساً صغيراً ممتلئاً بالقطع النقدية، وسلمه إلى هنري قائلاً: "خذ هذه النقود، ستساعدك في رحلتك." فتح هنري الباب وخرج، فوجد معلمه ريمون وعائلته ينتظرونه في الخارج ليودعوه. ودعوه وأعطوه بعض الأغراض التي سيحتاجها في رحلته. بعد ذلك، صعد العربة وأشار لسائقها بالانطلاق. هنري : في لحظة الفراق، تتلاشى الكلمات وتعجز العبارات عن وصف مدى الحزن والألم الذي يخترق قلوبنا. الفراق ليس مجرد وداع لشخص، بل هو فقدان لجزء من ذاتنا، جزء لا يمكن استعادته بسهولة. كم هو صعب أن نفتقد شخصاً عزيزاً علينا وغالياً على قلوبنا، كيف ينغص الفراق علينا جمال اللحظات التي قضيناها معهم، وكم يجعلنا نشعر بالوحدة والفراغ في قلوبنا. ولكن في هذه اللحظات الصعبة، نتعلم أن الفراق ليس نهاية الطريق، بل بداية لذكريات تعيد إلينا صوراً من الماضي وتجدد فينا الأمل بمواجهة المستقبل. إن فن الوداع يكمن في قدرتنا على التأقلم مع الغياب والشوق، وبناء جسر من الذكريات الجميلة لنتذكر بها أحبابنا الذين تركناهم. لنحتفظ بأثرهم في قلوبنا ونبني تراثهم لنستمر في الحياة، ونعيش يومنا كأن شمس الغد لن تشرق، بينما ما زالت تسمح لنا الفرصة... الفراق لا يجعلنا ضعفاء، بل يمنحنا قوة لنواجه الصعاب ونبني مستقبلاً أفضل. فلنبتعد عن الحزن المرهق، ولنستلهم الشجاعة من أحبائنا الذين ودعناهم، فإنهم سيبقون في ذاكرتنا وقلوبنا وروحنا إلى الأبد.