لم يأتِ الخطر كعاصفة مفاجئة…
بل تسلل بهدوء.
بدأت الأخبار تصل من أطراف المملكة، قرى صغيرة اختفى منها الناس، وطرق أصبحت مهجورة، وحراس لم يعودوا من دورياتهم.
في البداية، ظن المجلس أنها مجرد حوادث متفرقة.
لكن فيليبي لم يقتنع.
قال في اجتماع المجلس:
"هذه ليست مصادفة… هناك من يختبر حدودنا."
نظرت إليه فالنتينا بتركيز.
كانت تعرف تلك النظرة.
نفس النظرة التي كان يحملها عندما يشعر أن شيئًا سيئًا قادم.
سألته:
"ماذا تقترح؟"
أجاب دون تردد:
"نخرج قبل أن يصل الخطر إلينا."
ساد الصمت في القاعة.
ثم قال أحد القادة:
"لا يمكن أن تخاطر الملكة بنفسها."
لكن فالنتينا رفعت يدها.
"بل يمكن."
نظرت إلى الجميع.
"لن أكون ملكة تختبئ خلف الجدران بينما شعبها يخاف."
ثم نظرت إلى فيليبي.
"سنذهب معًا."
لم يعارض هذه المرة.
لكنه شعر بشيء ثقيل في صدره…
شعور لم يكن خوفًا على المملكة فقط.
بل عليها.
---
انطلقا مع مجموعة صغيرة من الفرسان.
كلما ابتعدوا عن القصر، أصبح الصمت أثقل.
الغابات أكثر ظلمة.
والهواء… مشبع بشيء غير طبيعي.
في إحدى الليالي، توقفوا قرب قرية مهجورة.
الأبواب مفتوحة.
النار منطفئة منذ زمن.
لكن آثار الحياة ما زالت هناك…
كأن الجميع اختفى في لحظة واحدة.
همست فالنتينا:
"هذا ليس طبيعيًا…"
انحنى فيليبي يلمس الأرض.
ثم قال:
"لم يكن هجومًا… لم تكن هناك مقاومة."
رفعت نظرها إليه.
"إذن ماذا؟"
أجاب بصوت منخفض:
"شيء جعلهم يرحلون… أو يأخذهم."
شعرت بقشعريرة تمر في جسدها.
ولأول مرة منذ زمن…
شعرت أن هذا الخطر أكبر من السيوف.
---
في الليلة نفسها، بينما كان الجميع نائمًا…
استيقظ فيليبي على صوت.
ليس صوت خطوات.
بل همس.
نهض بسرعة.
أمسك سيفه وخرج من الخيمة.
كانت فالنتينا واقفة بعيدًا، تنظر نحو الغابة.
اقترب منها.
"لماذا أنتِ مستيقظة؟"
لم تنظر إليه.
قالت بهدوء غريب:
"هل تسمعه؟"
تجمد.
لأنه… بدأ يسمعه أيضًا.
صوت خافت.
ينادي.
لكن ليس باسم واضح…
بل كأنه ينادي القلوب.
قال بسرعة:
"ارجعي إلى الخيمة."
لكنها لم تتحرك.
خطت خطوة نحو الغابة.
أمسك يدها فورًا.
"فالنتينا، توقفي."
نظرت إليه.
وعيناها… لم تكونا كما يعرفهما.
"إنه يناديني."
ضغط على يدها بقوة.
"لا أحد يناديك… هذا فخ."
للحظة، بدت وكأنها ستقاومه.
ثم… رمشت.
وعادت إلى نفسها.
تراجعت خطوة.
وضعت يدها على رأسها.
"ماذا… ماذا حدث؟"
لم يترك يدها.
"شيء لا نراه… لكنه يعرفنا."
نظرت إليه بخوف حقيقي.
"فيليبي… أنا لم أستطع المقاومة."
اقترب أكثر.
"لن أتركك تواجهينه وحدك."
---
في الصباح، قرروا التقدم أكثر داخل الغابة.
لكن كل خطوة كانت أصعب من التي قبلها.
الفرسان بدأوا يشعرون بالتعب.
بعضهم سمع أصواتًا.
بعضهم رأى أشياء غير موجودة.
قال أحدهم:
"هذه الأرض… مسحورة."
لكن فيليبي كان يفكر في شيء آخر.
نظر إلى فالنتينا.
كانت قوية كعادتها.
لكن عينيها… تحملان تعبًا خفيًا.
اقترب منها وهمس:
"إذا ساء الوضع… ستعودين إلى القصر."
نظرت إليه بحدة.
"لن أهرب."
"هذا ليس هروبًا."
"بل هو كذلك."
توقفت.
ثم قالت بصوت أهدأ:
"أنا الملكة… وإذا كان هناك خطر، فمكاني هنا."
نظر إليها طويلًا.
ثم قال:
"وأنا… مكاني بجانبك."
للحظة، عاد ذلك الصمت بينهما…
لكن هذه المرة لم يكن مؤلمًا.
كان مليئًا بشيء أعمق.
---
مع اقترابهم من قلب الغابة…
ظهرت آثار.
دوائر مرسومة على الأرض.
رموز لم يعرفها أحد.
وفي وسطها…
سيف مكسور.
تقدم فيليبي ببطء.
وعندما لمس السيف…
توقف الزمن.
صرخة بعيدة.
ذكريات ليست له.
وصوت واحد واضح يقول:
"من يختار القلب… يخسر العرش."
فتح عينيه فجأة.
وتراجع خطوة.
اقتربت فالنتينا.
"ماذا رأيت؟"
نظر إليها.
وكان يعرف…
أن القادم سيجبرهما على الاختيار.
لكن ليس بعد.
ابتسم بخفة، رغم القلق في عينيه.
"رأيت أننا… لن نحصل على نهاية سهلة."
نظرت إليه.
ثم إلى الغابة أمامهما.
وقالت:
"لم نطلب يومًا طريقًا سهلًا."
لكن في أعماقها…
كانت تشعر أن هذه المرة مختلفة.
وأن القدر…
يستعد ليأخذ منهما شيئًا لم يكونا مستعدين لخسارته
Sidra Maram