كانت الحديقة القديمة خلف القلعة المكان الوحيد الذي لم يتغير.
ما زالت الأشجار نفسها التي شهدت ضحكاتهما الأولى، وما زال النهر الصغير يجري بهدوء بين الصخور، يرافقهما بصوته العذب. كانت الشمس تغمر المكان بلون ذهبي دافئ، والعصافير تغني فوق الأغصان وكأنها تحتفل بلحظة انتظرها الزمن طويلًا.
وقفت فالنتينا قرب المياه، تنظر إلى انعكاسها، بينما وقف فيليبي خلفها بصمت.
لم يكن صامتًا لأنه لا يملك ما يقوله…
بل لأنه كان يخشى أن يقول كل شيء.
"غريب…" قالت فالنتينا بابتسامة هادئة، "كنت أظن أنني عندما أراك مجددًا سأجد ذلك الفتى الذي كان يركض خلفي في الحديقة."
ابتسم فيليبي.
"وأنا كنت أظن أنني عندما أراك مجددًا سأجد تلك الفتاة التي كانت ترفض أوامر الجميع وتهرب إلى هنا."
التفتت إليه وضحكت بخفة.
"ربما لم نتغير كثيرًا."
نظر إليها طويلًا.
لكن هذه المرة لم يرَ فقط الأميرة التي أحبها منذ طفولته.
رأى المرأة التي أصبحت عليها… قوتها، لطفها، شجاعتها، والطريقة التي تحمل بها أحلامها رغم كل القيود.
تقدم خطوة نحوها.
"فالنتينا."
كان صوته مختلفًا هذه المرة.
لم يكن صوت فارس يخاطب أميرة.
كان صوت رجل يخاطب الشخص الوحيد الذي بقي في قلبه طوال هذه السنوات.
نظرت إليه.
قال:
"عندما كنت طفلًا، ظننت أنني أحبك لأنك كنتِ الشخص الوحيد الذي جعلني أشعر أنني مهم. كنتِ أميرة، وأنا ابن خادمة… ومع ذلك لم تنظري إليّ أبدًا كأنني أقل منك."
صمت لحظة، ثم تابع:
"كبرت، وسافرت، وخضت معارك كثيرة… لكنني اكتشفت شيئًا واحدًا."
اقترب أكثر.
"لم أعد أحبك لأنك كنتِ جزءًا من طفولتي."
ثبت نظره في عينيها.
"أنا أحبك لأنك أنتِ… فالنتينا."
سكنت الكلمات بينهما، بينما استمر صوت الماء والعصافير حولهما.
شعرت فالنتينا بأن قلبها يحمل كل السنوات التي مرت، كل لحظات الفراق، وكل الأيام التي ظنت فيها أنها فقدته.
ابتسمت، وعيناها تلمعان.
"كنت أخاف أن تعود شخصًا لا أعرفه."
اقتربت منه قليلًا.
"لكنني اكتشفت أنك كنت دائمًا الشخص الذي انتظرته."
لأول مرة منذ سنوات، لم يكن هناك لقب أميرة، ولا فارس، ولا قوانين قصر.
كان هناك فقط فيليبي وفالنتينا.
شخصان اختارا بعضهما من جديد.
وتحت أشعة الشمس الدافئة، وبين صوت المياه وتغريد العصافير…
بدأ فصل جديد من قصتهما.
منذ اعترافهما تحت أشعة الشمس، أصبح كل شيء مختلفًا بين فالنتينا وفيليبي.
لم يعد بينهما ذلك الحذر القديم، لكنهما كانا يعرفان أن القصر مليء بالعيون، وأن حبهما ما زال سرًا لا يستطيعان إظهاره أمام العالم.
أصبحت لقاءاتهما أكثر ندرة… لكنها أصبحت أثمن.
كان فيليبي يجد دائمًا طريقة ليطمئن عليها. أحيانًا يرافقها في جولات الحديقة، وأحيانًا يقف بعيدًا في قاعة القصر، لا يفعل شيئًا سوى التأكد من أنها بخير.
أما فالنتينا، فكانت تجد أعذارًا كثيرة للخروج إلى الأماكن التي تعرف أنه سيكون فيها.
كانا يسرقان لحظات صغيرة من الزمن.
ضحكات مكتومة في ممرات القلعة.
أحاديث طويلة تحت ضوء القمر.
ذكريات قديمة يتشاركانها، ثم يكتشفان أن أجمل ما بينهما ليس الماضي فقط… بل الحاضر الذي يبنيانه معًا.
وفي إحدى الليالي، عادا إلى المكان الذي بدأ فيه كل شيء.
الحديقة القديمة قرب النهر.
كانت السماء صافية، والقمر ينعكس على المياه الهادئة، بينما كانت الأشجار تتحرك مع نسيم الليل.
وقفت فالنتينا تنظر إلى المكان بابتسامة.
"هل تذكر؟ هنا كنت تتدرب بسيفك الخشبي وتخبرني أنك ستصبح فارسًا."
ابتسم فيليبي.
"وأنت كنتِ تخبرينني أنك لن تسمحي لأحد بأن يأمر بك."
ضحكت بهدوء.
"كنت فتاة عنيدة."
نظر إليها بحنان.
"ولم تتغيري."
ساد صمت جميل بينهما.
اقترب فيليبي ببطء، وكأن كل السنوات التي انتظرها تقوده إلى هذه اللحظة.
"فالنتينا…"
نظرت إليه.
"نعم؟"
قال بصوت منخفض:
"أمضيت سنوات أحاول أن أكون فارسًا قويًا… لكنني اكتشفت أن أصعب شيء فعلته في حياتي هو أن أقف بجانبك وأتظاهر بأنك مجرد أميرة أحرسها."
تغيرت نظرتها.
"فيليبي..."
ابتسم بحزن خفيف.
"كنت أخاف أن أخسر ما بقي لي منك. أخاف أن أقترب كثيرًا فأؤذيك، أو أبتعد كثيرًا فأفقدك."
اقتربت منه خطوة.
"لكنك لم تفقدني."
في تلك اللحظة، لم يكن هناك قصر، ولا ألقاب، ولا واجبات.
كان هناك فقط شخصان انتظرا بعضهما سنوات طويلة.
رفع فيليبي يده برفق، وكأنه يطلب الإذن قبل أن يقترب أكثر.
ولأول مرة، لم تكن فالنتينا تلك الفتاة التي تحتاج إلى الهروب من القصر لتكون معه…
بل كانت امرأة تختار أن تكون بجانبه.
التقت عيناهما، ثم جمعتهما قبلة هادئة حملت كل الكلمات التي لم يستطيعا قولها طوال السنوات الماضية.
لم تكن مجرد قبلة أولى…
بل كانت وعدًا جديدًا.
وعدًا بأن حبهما لم يعد ذكرى من الطفولة، بل أصبح شيئًا حقيقيًا اختاراه رغم كل ما يقف بينهما.
ومنذ تلك الليلة، أصبحت لقاءاتهما السرية أكثر دفئًا.
كانا يضحكان كما في الماضي، لكنهما الآن يعرفان معنى الخسارة، ومعنى الانتظار، ومعنى أن تجد الشخص الذي بقي في قلبك رغم مرور الزمن.
بعد تلك الليلة في الحديقة، لم يعد حب فالنتينا وفيليبي مجرد سرٍ قديم من أيام الطفولة.
أصبح شيئًا حيًا يكبر مع كل يوم يمر.
كانا يعرفان أن العالم حولهما مليء بالقيود، لذلك تعلما أن يصنعا سعادتهما من اللحظات الصغيرة.
في الصباحات الهادئة، كانت فالنتينا تجد طريقها إلى ساحة التدريب بحجة أنها تريد مشاهدة تدريب الفرسان، لكنها في الحقيقة كانت تريد رؤية فيليبي.
وكان هو يحاول أن يحافظ على ملامح الفارس الجاد أمام الجميع، لكن ابتسامته كانت تفضحه دائمًا عندما يراها.
"أنت لا تزال سيئًا في إخفاء مشاعرك يا فيليبي."
كان ينظر إليها باستغراب.
"وأنت لا تزالين سيئة في اختلاق الأعذار يا فالنتينا."
فتضحك، ويعودان للحظة وكأنهما طفلان في حديقة القصر القديمة.
أحيانًا كانا يهربان إلى المكان الذي جمعهما أول مرة، يجلسان قرب النهر ويتحدثان عن كل شيء.
عن أحلامهما.
عن السنوات التي ضاعت منهما.
عن الأشياء التي كانا يخافان قولها.
كان فيليبي يحكي لها عن المعارك التي خاضها، لكنها كانت دائمًا تهتم أكثر بالأوقات التي شعر فيها بالخوف أو الوحدة.
كانت تريد معرفة الرجل خلف لقب الفارس.
وهو كان يريد أن يعرف المرأة خلف لقب الأميرة.
وفي إحدى المرات، حاول فيليبي تعليمها استخدام السيف، لكنها كانت تضحك كلما أخطأت.
قال لها:
"لو رأى أحد الفرسان هذا التدريب، لن يصدق أنك أميرة."
ابتسمت وهي ترفع السيف:
"ولن يصدقوا أن أشهر فارس في المملكة لا يستطيع هزيمتي."
ضحك لأول مرة بصوت عالٍ أمامها.
وكان ذلك الصوت من أكثر الأشياء التي أحبتها فيه.
لم تكن علاقتهما مليئة فقط باللحظات الكبيرة…
بل بتلك التفاصيل التي لا يراها أحد.
رسالة صغيرة يتركها لها بين صفحات كتابها المفضل.
زهرة يضعها على طاولتها عندما يعلم أنها حزينة.
نظرة طويلة بين حشود الناس تكفي ليعرف كل منهما ما يشعر به الآخر.
ومع مرور الوقت، أصبح فيليبي أكثر من فارس يحرسها…
أصبح المكان الذي تشعر فيه فالنتينا أنها ليست مضطرة لارتداء تاجها.
وأصبحت فالنتينا أكثر من أميرة يحبها…
أصبحت السبب الذي جعله يؤمن أن كل السنوات التي قضاها بعيدًا عنها كانت تستحق العناء.
كانا يعرفان أن العالم قد يحاول الفصل بينهما يومًا ما.
لكن في تلك اللحظات…
تحت الشمس، وبين أشجار القصر، وبجانب صوت النهر الذي شهد بدايتهما…
كانا يصدقان شيئًا واحدًا فقط:
أنهما لن يفترقا أبدًا.
Sidra Maram