لم يعد فيليبي قادرًا على رؤية فالنتينا تعاني بصمت.
كل ليلة كانت تعود إليه بقلب مثقل، تحاول أن تكون قوية أمام الجميع، ثم تنهار بعيدًا عن أعين القصر.
كان يعلم أن حبها له أصبح سببًا في ألمها، لكنه كان يعلم أيضًا أن صمته لن يحميها إلى الأبد.
لذلك اتخذ قراره.
في صباح هادئ، دخل فيليبي قاعة العرش مرتديًا زي الفارس الرسمي، ووقف أمام الملك بثبات.
ساد الصمت في القاعة.
نظر الملك إليه باستغراب.
"ماذا تريد أيها الفارس؟"
أخذ فيليبي نفسًا عميقًا، ثم قال:
"جئت لأطلب يد الأميرة فالنتينا."
ساد الذهول بين الحاضرين.
حتى فالنتينا، التي كانت تقف بعيدًا، لم تستطع إخفاء صدمتها.
لأول مرة، لم يختبئ فيليبي خلف لقب الفارس أو خلف الصمت.
كان يقف أمام العالم كله من أجلها.
"أحبها منذ سنوات طويلة. لم أحبها لأنها أميرة، بل لأنها فالنتينا. وسأحميها وأقف بجانبها كما وعدتها."
لكن وجه الملك لم يتغير.
لم يرَ أمامه رجلًا يحب ابنته…
بل رأى فارسًا تجرأ على تجاوز حدوده.
نهض من عرشه ببطء.
"هل تظن أن الحب يكفي؟"
صمت فيليبي.
تابع الملك:
"أنت فارس مخلص، وربما شجاع… لكنك لست من سلالة ملكية. لا يمكنك أن تحمل مستقبل مملكة كاملة."
تقدمت فالنتينا بغضب.
"أبي، هو أفضل من أي شخص اخترته لي!"
لكن الملك لم يلتفت إليها.
أصدر حكمه ببرود:
"ينتهي هذا الأمر الآن."
نظر إلى فيليبي.
"ستغادر القلعة."
تجمدت فالنتينا.
"لا!"
لكن القرار كان قد صدر.
فيليبي لم يجادل، ولم يطلب الرحمة.
فقط نظر إلى فالنتينا.
كانت عيناه تقولان كل ما لم يستطع قوله.
أنا لا أتركك… أنا أُجبر على الرحيل.
اقترب الحراس منه، بينما حاولت فالنتينا الوصول إليه.
"فيليبي!"
لأول مرة منذ سنوات، شعرت أنها تفقده مرة أخرى.
استدار قبل أن يغادر، وقال بصوت منخفض:
"تذكري شيئًا واحدًا… مهما أبعدونا، لن يغير ذلك ما أشعر به."
ثم رحل.
وأُغلقت أبواب القلعة خلفه.
بقيت فالنتينا واقفة في المكان، تنظر إلى الباب الذي اختفى خلفه.
للمرة الثانية في حياتها…
سُلب منها فيليبي.
لكن هذه المرة، لم تكن طفلة عاجزة.
كانت أميرة تعرف أنها لن تستسلم بسهولة.
بعد رحيل فيليبي من القلعة، ظنت فالنتينا أن والدها قد اكتفى بإبعاده.
لكنها كانت مخطئة.
كان الملك يرى أن المشكلة لم تكن في الفارس فقط… بل في قلب ابنته الذي رفض الخضوع.
في تلك الليلة، استدعاها إلى قاعة العرش مرة أخرى.
كان صوته باردًا حين قال:
"لقد أعطيتك وقتًا كافيًا."
نظرت إليه فالنتينا بصمت.
"ستتزوجين الملك الذي اخترته لك. هذا الزواج سيجعل منك أقوى امرأة في الممالك."
رفعت رأسها بثبات.
"لن أتزوج رجلًا لا أحبه."
تغيرت ملامح الملك.
لم يكن معتادًا أن تعارضه ابنته.
"إذن لن تغادري غرفتك حتى تفهمي واجبك."
لم تصدق فالنتينا كلماته في البداية.
لكن في صباح اليوم التالي، وجدت أبواب جناحها مغلقة، والحراس يقفون أمامها.
عادت تلك الجدران التي كرهتها منذ طفولتها.
مرة أخرى أصبحت الأميرة سجينة داخل قصرها.
لم يسمح لها بالخروج إلى الحديقة.
لم يسمح لها برؤية شعبها.
ولم يسمح لها برؤية فيليبي.
كانت الأيام تمر ببطء، وكل ما بقي لها هو النظر من نافذتها إلى العالم الذي حُرمت منه.
وفي كل ليلة، كانت تتذكر وعده لها.
"لن أتركك تواجهين هذا وحدك."
كانت تبكي بصمت، لكنها لم تستسلم.
كانت تعرف أن والدها يريد كسر إرادتها، لكنها كانت مصممة على ألا يخسر قلبها حريته.
أما فيليبي، فعندما علم بما حدث، شعر وكأن كل شيء يعيد نفسه.
في طفولتهما، أخذوه منها بالقوة.
والآن يحاولون أخذها منه مرة أخرى.
لكنه لم يعد الفتى الذي يقف عاجزًا أمام أبواب القصر.
لقد أصبح فارسًا.
وكان يعرف أن هذه المرة… عليه أن يجد طريقة ليعيد إليها حريتها.
حتى لو اضطر لمواجهة المملكة بأكملها.
Sidra Maram