بدأ الملك يفهم الحقيقة التي حاول إنكارها طويلًا.
لم يكن فيليبي مجرد فارس في حياة ابنته.
ولم تكن فالنتينا فتاة متمردة تبحث عن المغامرة.
لقد أصبحا أقوى معًا.
وهذا ما أخافه.
فالقوة يمكن كسرها… لكن الإيمان بشيء ما كان أصعب.
لذلك غيّر الملك طريقته.
لم يعد يصرخ.
لم يعد يهدد أمامها.
بل أصبح هادئًا بطريقة جعلت فالنتينا أكثر حذرًا.
في أحد الأيام، طلب مقابلتها وحدها.
دخلت القاعة، فوجدته جالسًا أمام أوراق كثيرة تتعلق بالمملكة.
قال لها:
"أتعلمين لماذا أردت أن تتزوجي ذلك الملك؟"
نظرت إليه بصمت.
"لأن الحكم ليس قصة حب."
اقترب منها ووضع يده على خريطة المملكة.
"هناك شعوب تعتمد عليك. تحالفات، حروب، ومستقبل كامل."
ثم نظر إليها.
"أنت لا تملكين رفاهية اختيار ما تريدين فقط."
كانت كلماته مختلفة هذه المرة.
لم يحاول كسر قلبها…
بل حاول جعلها تشعر بالذنب.
خرجت فالنتينا من القاعة وهي تحمل ثقلًا جديدًا.
ولأول مرة، لم يكن خوفها على فيليبي فقط.
بل بدأت تسأل نفسها:
هل يمكن أن يكون حبها سببًا في معاناة الآخرين؟
عندما قابلت فيليبي تلك الليلة، لم تكن كما اعتاد أن يراها.
لاحظ حزنها فورًا.
"ماذا قال لك؟"
سكتت.
ثم قالت:
"ماذا لو كنا نحن المخطئين؟"
تغيرت ملامحه.
اقترب منها بهدوء.
"هل تعتقدين أن حبك لي خطأ؟"
هزت رأسها بسرعة.
"لا… لكنني أخاف أن أدفع المملكة ثمن اختياري."
نظر إليها طويلًا، ثم قال:
"فالنتينا، لو كان حبنا أنانيًا، لكنت طلبت منك الهرب معي منذ البداية."
صمت لحظة.
"لكني بقيت هنا لأنني أريدك سعيدة… حتى لو لم تكن سعادتي معك."
نظرت إليه، وعرفت أن هذا هو السبب الحقيقي الذي جعلها تحبه.
لم يكن يريد امتلاكها.
كان يريد حمايتها.
وفي الأيام التالية، بدأ الاثنان يبحثان عن طريق آخر.
ليس طريق الهروب…
بل طريق يجعل العالم يفهم أن الحب والواجب ليسا عدوين.
بدأت فالنتينا تستخدم مكانتها لتثبت أنها قادرة على الحكم بقلبها وعقلها.
وبدأ فيليبي يثبت للفرسان أنه ليس مجرد رجل أحب أميرة، بل فارس يستحق احترام الجميع.
لكن الملك كان يراقب بصمت.
فقد أدرك شيئًا خطيرًا…
كلما حاول فصلهم أكثر، أصبحا أقوى.
ولذلك كان يستعد لخطوته الأخيرة.
لم ينجح الملك في كسر حب فالنتينا وفيليبي بالتهديد.
ولم تنجح القيود ولا المسافات ولا الأيام.
فهم أخيرًا أن هناك شيئًا واحدًا يستطيع إسقاطهما…
أن يجعلهما يختاران ألم أحدهما بدل ألم الآخر.
في تلك الليلة، استدعى الملك فيليبي سرًا.
دخل الفارس القاعة وهو يظن أن الأمر يتعلق بالخدمة، لكنه وجد الملك وحده.
قال الملك بهدوء:
"كنت أظنك ستفهم منذ البداية."
وقف فيليبي بصمت.
"أنت تحبها، وأنا أعلم ذلك."
رفع فيليبي نظره.
"لكن حبك لها جعلها تخسر كل شيء."
كانت الكلمات ثقيلة.
تابع الملك:
"انظر ماذا حدث. ابنتي تعارض عائلتها، ترفض واجبها، والمملكة كلها تنتظر قرارها."
ثم اقترب منه.
"كل هذا بسببك."
لم يرد فيليبي، لكنه شعر بثقل الكلمات.
فهو كان يعرف أن الملك يحاول جرحه… لكنه كان يخشى أن يكون هناك جزء من الحقيقة.
ثم قال الملك الجملة التي غيرت كل شيء:
"إذا استمرت في رفض الزواج، فسأعلن أنك خنت العرش."
تجمد فيليبي.
"ستكون عقوبة الخيانة… الموت."
ساد الصمت.
ولأول مرة منذ سنوات، شعر فيليبي بالخوف.
ليس على نفسه.
بل عليها.
"لن تفعل ذلك."
ابتسم الملك ابتسامة باردة.
"لقد أجبرتها على الاختيار بيني وبينك مرة… وستختارني الآن، لأنها تعرف أن حياتك بيدها."
وفي اليوم التالي، تغير كل شيء.
وجدت فالنتينا فيليبي مختلفًا.
كان هادئًا أكثر من المعتاد.
نظر إليها طويلاً، وكأنه يحاول حفظ ملامحها.
"ماذا حدث؟" سألته.
لم يجب فورًا.
ثم قال:
"يجب أن ينتهي الأمر."
تجمدت.
"ماذا تقصد؟"
أبعد نظره عنها.
"لم يعد بإمكاننا الاستمرار."
شعرت وكأن الأرض اختفت تحت قدميها.
"أنت تكذب."
لم يستطع النظر إلى عينيها.
لأنه لو فعل… سينهار.
"فالنتينا، أنت أميرة. وأنا مجرد فارس."
هزت رأسها والدموع بدأت تتجمع في عينيها.
"لا تقل هذا. ليس بعد كل شيء مررنا به."
لكنه أجبر نفسه على القسوة.
"ربما كان ما بيننا خطأ."
كانت تلك الكلمة أقسى شيء قاله في حياته.
لأنه لم يؤمن بها لحظة واحدة.
لكن فالنتينا لم تعرف ذلك.
رحلت عنه بقلب محطم.
ولأول مرة منذ سنوات، لم تهرب إلى مكان لقائهما.
ذهبت إلى والدها.
وقفت أمامه بصمت طويل.
نظر إليها الملك، وكأنه عرف أنه انتصر.
قالت بصوت مكسور:
"سأفعل ما تريد."
رفع الملك حاجبه.
"هل أنت متأكدة؟"
أغلقت عينيها، وحاولت منع دموعها.
"نعم."
لم يكن هذا استسلامًا لأنها توقفت عن حب فيليبي.
بل لأنها صدقت أنها تنقذه.
ابتسم الملك بانتصار.
ولم يعرف أن قلب ابنته لم يعد ملكًا له منذ زمن.
فقد استطاع أن يجبرها على السير نحو الزواج…
لكنه لم يستطع إجبارها على نسيان الرجل الذي أحبته.
Sidra Maram