صلوا على خير الأنام 🤎
« مَن قالَ "أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ" ثلاث مراتٍ غُفِرَ لهُ وإن فَرَّ مِن الزحف وتلكَ مِن أعظم الكبائر الذنوب»
~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~
في صباح اليوم الماضي وقبل أن تخلق غيمة الحزن فوق رؤوسهم ...
في غرفة آسر، كانت تجلس تاج أمامه علي الفراش وفي يدها أصبع موز تأكل منه بنهم بينما هو في يده تفاحة مأكول نصفُها والنصف الباقي يتناوله وهو ينظر
لزوجته بغيظٍ و بسخرية أردف :
- تاج يا حبيبتي
- نعم يا قلبي
هتفت بها تاج بنبرة رومانسية هي تأخد قُضْمَة من الموز فقال آسر :
- مش ملاحظة أنك مبقيتي دبدوبة شوية حتي مبقتش أقدر أشيلك
توقفت عن النضغ فجأة وحولت عينيها علي بنظرات مريبة حتي أبتلعت ما في جوفها قائلة بهدوء مريب :
- أنا دبدوبة
أكد لها قائلاً :
- أيوا يا قلبي دبدوبة بشعر أحمر
لمعت عيناها بشرٍ وهي تنقض عليه فجأة ممسكة أياه من عنقه وقالت بنبرة هادئة جداً :
- قولي يا أس أس يا حبيبي أنا اللي دبدوبة ولا دراعاتك هي اللي باظت
أبتسم بقوة قائلاً بثقة :
- دراعاتي اللي باظت يا قلبي، انتي دبدوبة ؟ ، لا إله إلا الله ليه بتقولي علي نفسك كدا؟ انتي أرفع من البقسماط يا عيوني
تركت عنقه و ربتت علي رأسه برضا ثم قالت بإبتسامة :
- حبيبي يا سرسور يخليك ليا يا غالي
- حبيبتي يا أم عيال المستقبل
نظرت له بإبتسامة بريئة قائلة بعدها ببراءة لطيفة :
- ما تاخدني في حُضنك يا آسر
نظر لها بدهشة وغباء في آنٍ واحد فقالت بتعجب :
- ايه بتبصلي كدا ليه ؟
بريبة تحدث قائلاً :
- أصل المفروض أنا اللي اقولك تعالي في حُضني يا تاجي، شكلك بتدلعي عليا يا توتا
هزت كتفيها بلا مبالاة وقالت بدلال :
- جوزي وأدلع عليه براحتي، وأحضنه براحتي، و اخليه يشيلني بمزاجه عشان بيحبني، أبوس فيه براحتي برضو، ولا أنت ايه رايك ؟
قالتها وهي تميل برأسها لليمين فضحك قائلاً بغمزة مرحة :
- ومالو، مِن حق الجميل يدْلّع براحتُه
مدّ لها كفه فأمسكتهُ فجذبها له بلطفٍ وهو يحاوطها بذراعيه، أما عنها هيّ فعانقتهُ بذراعيها ووضعت رأسها فوق صدره وهي تغمض عينيها فقال بمزاح :
- أيه يا مُربي هتقلبي زي قطة اللي بتنام في حُضن صاحبها ؟
- لا هعمل زي الطفلة اللي بتترمي في حضن بباها فتغمص عينيها وهي حاسة بالأمان، أجربُه معاك بقا لأنِ ملحقتش أجربُه مع الاتنين، ولا تكونش ممانِع
أنهت حديثها بمزاحٍ تخفي خلفه حزنها علي والدها الروحي و قهرتها من والدها الحقيقي، بينما تألم قلبه عليها فاهو يعلم ما رمت أليه، فضمها بقوة أكبر كأنه يود لو
بداخلها بين أظلعه ليحميها من قسوة الحياة، فقال بمزاح هو الآخر :
- هو أنا أقدر أمانع الحضن القمر ده، أنا لو مانعت ابقي غبي أوي
ضحكت ضحكة خفيفة ثم رفعت عينيها تنظر لوجهه بدقة تتأمل ملامح وجهه بشغفٍ وحُب
- تعرف أني جيبتك بدعوة واحدة بس
أمال رأسه لليمين بتعجب من حديثها فقالت موضحة :
- وأنا 15 سنة ماما فيروز علمتني دعوة حلوة أوي واللي هي
«اللهم أرزقني زوجاً يصب عليَّ الحب صباً صباً ويكون عابداً لله»
- حلوة أوي الدعوة دي، مين اللي قالتها ؟
سألها آسر بفضول ليعلم مَن تلك صاحبة تلك الدعوة العظيمة، فأجابته تاج بإبتسامة :
- السيدة أم كلثوم بنت سيدنا ابوبكر، كانت بتدعي الدعوة دي فرزقهَا الله «طلحة بنُ عُبيد الله » أحدُ العَشرة المبشَّرين بالجنَّة ..
رُويَّ أنها قالت : كَان إذَا رَآني تهللَّ .. وَ إذَا سَمع صَوتي تَبسَّم .. وكُنت إذَا بكيتُ بكَى .. ولَا ينَامُ حتَّى يطمئنَّ علَى دِفئي فِي فِراشِي .. ... ومَا تركَ صلاةً إلَّا ودعَا لِي فيهَا قبلَ نَفسهِ .. وكُنت إذَا مرضتُ جَاوزنِي فِي الألَم .. وكَأَّن العِلَّة فِي جَسدهِ .... و لَا يَهنأُ لهُ بالٌ حتَّى يُجلسنِي بِجانبِه .. وكَان إذَا آكل يَسبقُني باللُّقمَة إلَى فَمي .. فَيطعمُني بِيدهِ .. كُنت فَخارَهُ وَ عِزَّه فِي سِرِّه وَ عَلنِه، وأنتَ حنين أوي زيُه يا آسر
إبتسم آسر بتأثر وقال وهو يقبل رأسها :
- مش بحبك من فراغ والله، وبعدين أنا حنيتي تيجي أيه جنب حنيتك يا تاج ؟
تنظرت لعنينه قائلة بصدق :
- يجي كتير أوي يا آسر، في عصبيتي بتستحملني و بتستحمل أي ردة فعل بتصدر منِّي، و في زعلي بتحتويني، باخد بالي أنك بتمسح دموعك قبل ما انا امسح دموعي عشان ماشوفكش وانت بتعيط و أعيط تاني، وبتساعدني في كُل حاجة، حتي غسيل الأطباق لما الغسلالة بتعطل بتغسلها بدالي عشان الحساسية اللي عندي و العافية لو خلتني أغسلها معاك، أنت هدية ربنا ليا يا آسر ..
نظر لها والدموع لامعة في عينيه ومال عليها مقبلاً رأسها بعمق ثم أبتعد عنها ونظر بعينيها مردفاً بنبرة صادقة مليئة بالحُب :
والله أنتِ اللي هدية ربنا ليا يا تاج من غيرك كُنت ضعت، أنتِ نصي التاني و نص ديني و شريكة حياتي، مساعدتي ليكِ دي أقل حاجة ممكن أعملهالك ومش عيب أبداً اني اساعدك في شغل البيت، عادي اغسل أو أنصف معاكِ أو لوحدي حتي، أنتِ مراتي و حياتنا أتشاركنا فيها وطلاما أتشاركنا فيها يبقي كل حاجة لازم نعملها سوا، و لو ربنا رزقنا بولد هعلمه أن مراته شريكة حياتُه يعني اضافة حلوة ليها، يعني حياتهم واحدة ولازم يتشاركوا فيها كُل حاجة مش المشاعر بس، دا الصح واللي لازم يكون في كُل بيت
نظرت له بحُبٍ ثم بمشاكسة :
- هو أنا لو بوستَك دلوقتي هيحصل حاجة؟
نظر لها بمشاكسة وقال بخبثٍ :
- هزغرد بس يا حياتي
ضحكت، ثم رفعت نفسها قليلاً لتوازي وجهه ومالت عليه مقبلة وجنتهُ برقه ونظرت له و عينيها تبتسمان أكتر من شفتيها، بينما قال لها هو بمشاكسة :
- هو أنا قولتلك إني بحبك انهاردة ؟
- لا ولا مرة
- اخص عليا وعلي ذاكرتي
- صح أخص عليكُم أنتوا الاتنين
قالتها مؤكدة حديثه وهي تلوي فمها بحزن مصطنع وعادت لوضع رأسها فوق صدره.
ضحك عليها وقرص وجنتها وقال بمزاح :
- متبقيش نكدو هانم بقا، طب بحبك، اضحكي بقا
- مش قبل ما تقولي الصراحة، هو أنا فعلاً بقيت تخينة يا آسر؟
قالتها هي ستبكي فأكثر ما تكرهه الفتاة أن يشككها أحد في وزنها أو يخبرها أنها أصبحت سمينة أو لنقل "دبدوبة"، بينما هو تعجب منها أيعقل أن مواحاً خفيفاً كهذا يجعلها هكذا !!، قبّل رأسها وقال بإعتذار :
- حقك عليا والله مقصدش أنك بقيتي تخينة، أنا كُنت بهزر معاكِ عشان أكلتي نص التُفاحة بتاعتي، وبعدين فيها أيه لما تبقي دبدوبة، والله هتبقي قمر زي المارشيميلو كدا، طب بزمتك شوفتي مارشميلو وحش قبل كدا؟و كمان لو لونه احمر ؟
ضحكت رغماً عنها بسبب حديثه ونظرت له وهتفت :
- فاكر اللي حصل بعد كتب كتابنا، لما شوفتي في الأوضة ؟
أبتسم وقال :
- فاكر أكنه كان امبارح، مقدرش أنسي اي يوم أنتِ إضافة ليه ..
لنتركهم في هذه الحالة اللطيفة و نذهب نحن لنُرضي فضولنا الذي يصيح مردداً أنه يريد أن يعلم ماذا حدث ..
أنتهي المأذون من عقد القريان أسفل سعادة الجميع، جميع مَن في الحفلة هم أقرب الناس لهم و لقلوبهم، وقف تيم و ابتسم لآسر وهو يحاول عدم البكاء :
- يا آسر، أنا سلمتك أختي و بنتي و صاحبتي و حبيبتي و نصي التاني ومش هبالغ لو قولتلك دُنيتي كُلها، دي بنتي واللي كبرت علي أيدي و قدام عيني هي آه توأمي بس طول عمرنا بتقولي أنت "بابا" أنت اللي ربيتني، دي الإنسانة اللي أفديها بعمري و عيوني و الدنيا كلها، انا مطمن اني سلمتها لراجل عنده استعداد يبيع الدنيا علشان خاطرها، متخيبش أملي فيك
مسح دمعه هربت من عينه علي وجنته بينما ضمه آسر وهو يقول بصدق و نبرة
خارجة من قلبه :
- والله ما هخيب ظنك فيها يا تيم، أنا بحبها و لسة هحبها و طول ما انا عايش هفصل احبها، يا أخي دا انا سفيت تراب الشوارع علي ما اتكتبت علي اسمي، دا انتوا مرمطوني
- وعشان كدا انا وافقت أنها تتكتب علي اسمك، أنت تعبت و عافرت لحد ما حطيت ايدك في ايدي و بقت مراتك ، انت خدتها بالصعب عشان كِدا فرحتك ظاهرة في عيونك و الأعمي يشوفها و أنا واثق انت عمرك ما هتزعلها ولا هتكسرها ولا هتضيعها عشان اللي بيجي بالصعب مش بيروح، بس تخيل لو كنت خدتها بالساهل من غير ما تتعب مكنتش هشوف الفرحة دي في عنيك و كُنت مِن اول مشكلة هتسيبها و تتخلي عشان اللي بيجي بالساهل بيروح بالساهل ، و اللي بيجي بعد تعب و معافرة هتحافظ عليه و عمره ما هيروح لأن الحُب لوحده مش كفاية ي آسر ، الحُب من غير تعب و معافرة مِن اول مشكلة هيروح
أبتسم آسر و قال مؤكداً حديثه :
- صح، اللي بيجي بالساهل بيروح في لحظة
وفي هذا الوقت اقترب منهما فهد و سحب آسر من ملابسه وقال بتحذير و وعيد :
- بُص ياض، أنا ولا عاقل ولا هادي زي تيم ولسة هحايل و اتكلم و أوصي، أنا مجنون أبن مجانين، البت اتكتبت علي أسمك وانا مش طايق دا، ومن الآخر كدا اختي هتزعلها هزعلك، هتعورها هجيب اجلك يا حبيبي، انا مش عارف بس عقلي كان فين وأنا بقبل بجوازة تاج و فجر، مش كُنا قعدناهم جنينا أحسن ؟
كان آسر ينظر له بخوفٍ و توتر فضحك تيم علي توتره و خوفه وقال بمرح ليخفف من توتره :
- متخافش منه هو شكله هيعورك بس هو بسكوتاية و عسل، هيعاملك كأنك عدوه لحد ما يآمنلك بس
نظر لهُ فهد بغيظ فتابع تيم متجاهلاً إياه :
- يابني فُكك والله هو بسكوتاية وأهبل متغركش التكشرية و العصيبة و السيط في الجهاز، دا علي الله حكايته
وهُنا صاح به فهد بغيظٍ قائلاً بسخط :
- ناقص تقوله إني باكل كرون فليكس بدل ما اشرب حشيش
نظر له آسر بغباء أهو حقاً الفهد الذي لا يخرج مجرم من أسفل يديه سليماً؟، الأمر مثير للجدل والشك حقاً!
فتابع تيم متجاهلاً اياه للمرة الثانية :
- مش قولتلك علي الله حكايته، المهم أطلع لمراتك قبل ما يقلب علينا
وما أن سمعها آسر حتي ركض من أمامها بسرعة حامداً ربه أنه لازال بكامل صحته و قواه العقلية ..
وقف أمام الجناح الذي به تاج وهو متوتر، لكنه في النهاية غلب شوقه لها توتره و طرق الباب وفتحه ثم ولج وهو ينظر إلي الأرض ثم أغلقه، لمح جزءاً من فستانها الأبيض المُطَرظ بالورود البيضاء الصغيرة التي تتماشيٰ مع لون الفستان، زاد فضوله لرؤيتها لأول مرة دون غض بصره فرفع رأسه ببطئ حتي استقرت عيناه عليها، فاتنه، رقيقة، جميلة، خجولة، تأمل مظهرها كاملاً بعيناه، وأراد هو أن يصف لنا كيف رآها :
- رفعتُ عيني شيئاً فشيئاً حتي استقرت عيناي عليها، فاتنة تالله أنها فاتنة، أقسمتُ داخلي أنها مُهلكة أهلكت قلبي بجمالها ورقتها خجلها .. لا أعلم مِن أين أبدأ وصفي لها، فمهما وصفتُها لن أُوّفي جمالها حقهُ كاملاً، قررت البدء من اول شيئ رأتهُ عيني،
فّستانُها، و آهٌ من هذا الفستان الساحر،
فُستانُها ناعم بشدة ليس مليئاً بالتفاصيل التي لا داعي لها، ذو أكمامٍ تناسق ذراعيها ومن معصمها إلي كفها اتسعت الأكمام و دُرِجت، من الاعلي ناعم بشدة ليس به سوي ثلاثة زهرات باللون الأبيض كالفستان تماماً متركزين علي كتفها الأيسر، و من كتفها الأيسر الي خصرها ثلاثة تطبيقاتٍ فقط، ينسدل الي الأسفل بنعومة و إتيساع و أطراف الفستان مليئة بالورود الصغيرة و أيضاً من بداية الإتيساع وجدت وروداً صغيرة متناثرة بطريقة جميلة ليست مبالغ بها، انتقلت بعياني علي وجهها و أقسمت للمرة الثانية أنها مُهلكة، زينتها هادئة وجميلة و مائلة بشدة الطبيعة شعرها الاحمر الذي أراه للمرة الأولي منسدل علي ظهرها بإنسيابية و شكل جذاب وعلي رأسها تاجٌ رقيق مكتوب عليه من المنتصف اسمُها "تاج" وعلي الجانب الأيمن "تاج وهي كالتاج فوق الرؤوس" و علي الجانب الأيسر "جميلة و جمالُها تخطي الحدود" ... بالله اهلكت قلبي تلك الفاتنة ، طلتُها وحدها فِتنة و هلاكٌ للقلب، طلتُها تجاوزت كُل الحدود بهذه الرقة، تالله أنها لعقلي فتنة و لقلبي هلاك ...
ليأخد آسر استراحة وليترك لي ما تبقي ...
سار نحوها بخطي مهتزة و عيناه تلمعان بسعادة واضحة حتي وقف أمامها و وضع
سبابتهُ أسفل ذقنها ليرفع رأسها التي اخفضتها خجلاً مِنهُ حتي تلاقت العينون، برقة ملّس بإبهامه علي وجهها وتحدث بصوتٍ هامس يحمل بين طياته حُباً بريئاً خالياً من الكذب و الخداع و النفاق و الرغبات البذيئة، فقط حُبٌ طاهر :
- يا غزالي يا حلالي
قالت لهُ بنبرة هادئة يظهر بها الرغبة في البكاء :
- يا عيوني يا أماني
وهُنا فقط ضمها بقوة وهو يحملها ودار بها عدة مراتٍ ثم أنزلها ولازال محتضناً إياها رأسه مدفونة في كتفها وجسده ساكن بين ذراعيها وفجأة شعرت بشيئ دافئ علي عنقها فقالت بزهول :
- آسر؟ أنت بتعيط ؟
رفع رأسه لتري عينيه حمراوتان قليلاً و اثر الدموع لامع بهما، و قبل أن تتحدث وجدته يقول بضحك :
- يا شيخة بقا، وجعتي قلبي أنتِ وأخواتك
ضحكت وهي تزيل بأناملها ما تبقي من دموعه وهي تضحك علي ضحكته و عينيها تلمعان بالدموع من فرط سعادتها ورضاها بما رزقها الله
و نعود لهما مجدداً لنجدها تقول له بصدقٍ :
- أنت عوض ربنا ليا علي اللي الدُنيا ورتهولي
ضم رأسها لصدره أكثر وهو يميل علي جبيتها ليقبله وقال بصدقٍ وهو الآخر :
- لو أنا عوض ربنا ليكِ فا أنتِ هدية ربنا ليا، أنتِ قبلتيني وأنا فيا عيوب الدُنيا وقلبي قِبلك مِن وسط بنات الدُنيا
~~~~~~
في صباح اليوم التالي تحديداً غرفة فهد :-
هذا المسكين الذي يتلقي صدمة تلو الأخري كأن المصائب تركض خلفه ..
كان في يده كوب زجاجي به مياه و يده الأخري هاتفه بتصفح به شيئاً ما بتركيز شديد وكأنه انفصل عن العالم حوله و رفع الكوب ليشرب بعض المياه فبقوة ارتطمت حافة الكوب في أسانُه العُلوية فصاح بألم وألقي الكوب بكل قوته علي الأرض فسقط متهشماً لعشرات القطع ومئات الشظايا ... أخرج من بحر غضبه نقطة واحدة عن طريق هذا الكوب لكن داخله لازال يحترق و يتألم، لا يعلم ماذا يفعل ولا يعلم لِمن يلجأ الآن لا يعلم من أين يبدأ كيف يذهب إلي مصر و يترك تاج و آسر وتيم بمفردهم وهم بحالاتهم تلك؟، أسد لن يستطيع التعامل مع تاج كما يتعامل هو معها وآسر لم يكتمل شفائه بعد وتيم لازال في سُباته، فجر مع زوجها لن يقلق عليها، إذاً ماذا يفعل بالله؟، وسط حالته تلك أهتز هاتفه معلناً عن إتصال، فنظر للشاشة ليعلم مَن المتصل ... لين ... كان المتصل لين زوجته التي اشتاق اليها حد الجحيم ... أراد لو أنها هاتفتهُ في وقتٍ آخر ليس الآن فهو ليس في أحسن حال
أحاب عليها بنبرة متغيرة غير التي اعتادت عليها منه :
- لين، وحشتيني
كلمتين فقط قالهن بصدق ليجد منها رداً يخفف من حرفته قليلاً ... لكنه وجدها تقول بغضب وسخرية :
- أخيراً يا أستاذ افتكرت أن في إنسانة في حياتك ترد عليها؟
أغمض عينيه بألم يعلم أنها علي حق وأن هذا الغضب هو حقها لكن هو ليس في حالة تسمح له بتقبل أي ثورة أو غضب منها هي تحديداً :
- يا لين اسمعيني بس ... أنا ...
قاطعته بغضب :
- أسمع ايه ها؟ أسمع ايه فهمني؟ جوزي بقالُه شهر مختفي معرفش مكانه فين، لا ليه حس ولا خبر ولا أنا عارفة هو عايش ولا ميّت تعبان ولا كويس ولا عارفة عنه حاجة، انت معندكش احساس يا فهد، هو انت متجوز كلبة ؟
نفذ صبرُه وصاح بها هو الآخر بغضب كأنه وجد سبباً ليخرج به طاقته السلبية لكنه اختار الشخص الخاطئ :
- أنتِ اللي معندكيش أحساس يا لين ولا عارفة ولا فاهمة حاجة، يا مؤمنة أنا كنت محتاج منك كلمة حلوة تقويني مش هجوم، عايزة تعرفي أنا فين ؟ أنا في المستشفي متصاب انا وتاج وآسر و تيم، مبسوطة كدا يا ست لين ؟ استريحتي ؟ هديتي ؟ عرفتي جوزك فين ؟ حلِّي عني بقا ..
أغلق الإتصال دون سماع ردها، لم يكتفي باغلاق الاتصال بل أغلق الهاتف بأكمله، دفن وجهه بين كفيه ليُسكت ضجيج دماغِه، بينما هو هكذا شعر بيدٍ توضع علي كتفه فرفع وجهه لعلم هوية صاحب الكف فوجدها تاج تنظر له بتعجب فتحدث يسألها بهجوم :
- عايزة أيه انتِ كمان ؟
لم تتعجب من أسلوبه فهذا هو فهد حينما يصل لأعلي درجات غضبه، جلست بجواره وهي تسأله بهدوء :
- إيه اللي حصل يا فهد و جاوب من غير لف و دوران
يعلم أنه لن يفر منها فتحدث بجمود سيطر عليه :
- بلال، مُدمن، بسببهم، عارفة إحساسي وأنا شايف الماضي بيتعاد تاني بس بشكل مختلف وبشخصية جديدة، بس الجاني واحد ؟
لم تُصدم فا في ليلة أمس سمعت حديثه مع يوسف لكنها لم تفهم الأمر كُلياً فهاتفته لتعلم ما حدث بالتفصيل فسرد لما ما حدث كما سرده لفهد، لم تتحدث معه ليلة أمس لأن حالته لم تسمح بهذا و أيضاً لأن فجر كانت معه و بعدما أغلق مع يوسف احتوت هي ثورته و هدّأتهُ قليلاً، أو هذا ما ظنتهُ، نبرتهُ المقهورة تؤلم مَن يسمعها عيناه الحمراوتان من قهرته و بُكاءه علي حاضِره وماضيه تفطران قلب الناظر إليهن.
ضمتهُ بقوة وهي تبكي علي حالته، هذا شقيقها الأقرب أليها من نفسها والأحن عليها من الجميع وأطيبهم قلباً وقالباً، لا تقوي علي رؤيته بهذا الحال، يؤلمها قلبُها عليه و علي تيم و علي بلال ... بلال و آهٌ مِن بلال ... هذا الفتي الذي لتوه وقف علي أوليٰ درجات الشباب، لكنه أخذ أكبر صفعة مِن الحياة و كانت تلك الصفعة هيَّ عائلته، شابٌ في بداية حياتُه يتجه لهذا الطريق الذي يعلم الجميع نهايته جيداً إمّا مصحة معالجة الإدمان ... إمّا الموت ...
شابٌ تائِه لا يفقه في دينِهِ شيئ لا يفقع شيئاً عن الحياة، نشأ في أسرة مفككة ومع الأيام زاد التفكك و جليٰ الإهمال وكُلٌ منهم سار في طريقٍ مختلف، ولأنه لا يفقه شيئاً في دينه ولا في الحياة سلك الطريق اليسير و المُرضي لنفسهِ، طريق الأدمان الذي نهايتهُ الهلاك، فهل سيهلك هذا الشاب أم سيبنجو؟
"بتعيطي ليه أنتِ التانية هو أنا ناقص نكد؟"
هتف بها فهد بإنفعال وهو يبعد تاج عن عناقه وينظر لها بضيق بقالت بانفعال هي الأخري وسط بكائها :
- أنت معندكش دم ولا بتحس يا عديم الأحساس
رمش بأهدابه قليلاً وهو يستمع لهجومها وأنفعالها أليس من الفترض أن ينفعل هو و تهون عليه هي؟، ضمها هو تلك المرة وربت علي ظهرها وهو يقول بيأس :
- جيتلي يا رايق تروقني، لقيتك بتعيط جنبي، عيطي ياختي عيطي، صبرني يارب علي دي أخوة
- أنت زعلان يا فهد ؟
قالتها وهي لازالت تبكي فجوابها بسخرية :
- أزعل؟ أعوذ بالله، دا اخويا بقي مدمن قد الدنيا دا انا هقوم أتحزم وأرقص من فرحتي بيه
- أنتَ بتتريق يابن الظريفة ؟
قالتها بغضب وهي تبتعد عنه بعنف فقال هو الآخر بغضب :
- اومال اسيبك تستهبلي لوحدك؟ ما لازم واحد يستهبل والتاني يتريق !
نظرت له فنظر لها، فقالت :
- حاسة أننا واخدين حتة حشيش ؟
نفي بقوله :
- اتأكدي يا غالية متحسيش
نظر لها مرة أخري فنظرت له هي الأخري فقالت بجدية هذه المرة :
- هنعمل ايه ؟
لمع المكر في عينيه و كأنهُ تبدل إلي شخصية أخري وقال بخبث :
- لو علي اللي هنعمله فا احنا هنعمل كُل خير، بس لو علي مين اللي هينفذ فا اللي هينفذ حرامي بيظهر و بيختفي في ثواني
فهمت ما يرمي إليه وابتسمت هي الأخري بخبث وقالت :
- الظاهر أننا هنتسلي وهما هيتسوّوا علي نار هادية
~~~~~~~~~~~~~~~
1 - رأيكم في البارت
2 - رأيكم في الرواية
3 - أختارولي لقب أبن ناس غير ملكة النكد
4 - ماتنسوش الفوت ⭐
حبيبة المصري