فتح مراد الاتصال، وكما كان يتوقع تمامًا، ظهر له المشهد واضحًا لا لبس فيه.
رامي يجلس على الأريكة ذاتها التي اعتاد الجلوس عليها هو، بنفس غروره المعتاد، ممدد الذراعين، يتعامل مع المكان وكأنه ملكه، وكأن كل ما فيه بات ملك يمينه.
أما بسنت، فكانت تقف على مسافة منه، تتخبط بين الارتباك والتوتر، وكأنها لا تدري ما الخطوة التالية، يفضحها خوفها، وتخونها نظراتها.
كانت تعلم أن وجود مراد خلف هذا الاتصال يرعبها، تخشى أن ينطق رامي بشيء من تلك الأسرار التي سعت طويلًا لإخفائها عنه، أسرار لو ظهرت لانهار ما تبقى من صورتها في عينيه.
لكنها لم تكن تدري أن كل ما تخشاه، قد صار مكشوفًا لمراد منذ وقت طويل... وأنه الآن لا يسمع جديدًا، بل فقط يؤكد ما أدركه قلبه وعقله منذ أن سقطت الأقنعة.
رفع رامي عينيه نحوها، وابتسم بسخرية:
"انتي واقفة بعيد كده ليه؟! تعالي اترزعي جنبي هنا، فاكره إنك وانتي بعيدة كده مش هطولك يعني؟!"
ترددت بسنت لحظة، ثم اقتربت بخطوات ثقيلة وجلست بجواره وهي تقول بصوت مهزوز:
"أنا عادي واقفة، مش خايفة يعني ولا حاجه."
رمقها بنظرة ضيق، وقال وهو يرفع حاجبه باستهزاء:
"لا خافي، انتي حقك تخافي بصراحة، لأن لو ماسمعتيش الكلام هتشوفي مني وش هيزعلك،
بس لو عايزة الدنيا تمشي ونبقى تمام زي ماحنا، يبقى كل اللي كتبهولك مراد يتحول بإسمي الصبح."
اتسعت عيناها رعبًا، وابتعدت عنه قليلًا كأنها تريد أن تجعل كلماتها تصل إلى الطرف الآخر من الاتصال، وقالت بوضوح:
"إنت مجنون؟ فلوس إيه اللي أكتبها بإسمك، دي فلوس مراد، وأنا هرجعهاله أول ما يقولي."
انفجر رامي ضاحكًا ضحكة ساخرة، كادت دموعه تنهمر من شدة الاستخفاف بكلامها، ثم قال متهكمًا:
"والله؟! بجد؟! يعني انتي هترجعي الفلوس لمراد تاني؟ مش كده؟!"
تلعثمت وهي ترد، محاولة التماسك أمام تهكمه:
"أيوه... طبعًا، أمال هعمل بيهم إيه؟"
لكن قبل أن تُكمل عبارتها، امتدت يده نحوها فجأة، قبض على عنقها، وضغط عليها بقوة جعلت وجهها يشحب، ثم قال بفكّين مشدودين:
"انتي كدبتي الكدبة وصدقتيها ولا إيه؟! فلوس إيه دي اللي هترجعيها؟!انتي كل السنين اللي قضتيها معاه كانت عشان الفلوس، وماصدقتي كتبلك حاجه عشان تخلعي!انتي فاكراني عيل صغير قدامك ولا معرفش انتي مين ولا بتفكري إزاي؟!"
كانت تحاول أن تتنفس، أن تفلت من قبضته، وضعت يديها على يده تدفعها بصعوبة وهي تقول بصوت مختنق:
"سيبني يا رامي... إنت اتجننت."
نفض يده عنها بغل، فتراجعت خطوة للخلف، تسعل بشدة محاولة أن تلتقط أنفاسها، وما إن هدأت قليلًا حتى وقفت ثابتة في مكانها، نظرت إليه بنظرة امتزج فيها الضعف بالغضب، وقالت:
"انت جاي ليه؟ وعايز إيه مني؟!أنا ما بقيتش عايزه أعرفك تاني، انت السبب في كل حاجه،انت اللي وصلتني للحالة الزفت اللي أنا فيها دي، وانت اللي من البداية قولتلي نضحك على مراد وناخد فلوسه،
انت عايز مني إيه تاني؟ مش مكفيك اللي عملته فيا من يوم ماعرفتك؟!"
وقف رامي هو الآخر، نبرته لم تعد هادئة بل صارخة، وهو يقول:
"أنا السبب؟! ليه؟ أنا اللي كنت بقولك اشربي، واعرفي ده، وامشي مع ده؟ لا يا ماما، أنا واخدك كده!انتي ناسية أنا اتعرفت عليكي فين؟ وكنتي بتعملي إيه؟!أنا متعرف عليكي ف ديسكو وكنتي يومها شاربه وخارباها،ما تعمليش عليا خضرة الشريفة!انتي روحتي معايا الشقة من أول يوم عرفتك فيه،هتعمليلي فيها البنت البريئة اللي اتضحك عليها بقى؟ ولا إيه؟!"
صرخت بسنت بعصبية، والدموع بدأت تلمع في عينيها:
"بس إنت اللي خلتني أتعرف على مراد، وإنت اللي قولتلي آخد فلوسه!"
ضحك رامي بتهكم مجددًا وقال:
"يا سلام! وانتي بقى ماكنتيش موافقة؟! مش كده؟!انتي أصلًا من البداية لما شوفتيني راكب عربيته افتكرتي إني معايا فلوس،وقولتِ تمثّلي عليا دور الحب، لحد ما تخلصي على اللي معايا، زي ما عملتي مع اللي قبلي!بس لما عرفتي إني مفلس، بدأتي تدوري على غيري!أنا كل اللي عملته إني قولتلك إن معاه فلوس هتكفيكي طول عمرك،وانتي ماصدقتي، لزقتي له!وهو... زي الأهبل، صدقك، وحبك!واحد حمار... اتجوز واحدة زي تاليا وما بصّش لها، وفضل يحبك انتي!ما بيشوفش... أعمى النظر، لما يسيب الجمدان ده كله ويبصلك انتي؟!"
شعرت بسنت بطعنة في كرامتها، لكنها لم تُظهر انكسارها، وقالت بنبرة تحدٍ:
"دلوقتي بقيت مش عجباك؟أمال مين اللي كان بيقولي إنه عمره ما شاف واحدة ف جمالي؟
عموماً، إنت كمان مش عاجبني،وعندك حق، أنا كنت فاكرة إن معاك فلوس، لأنك كدبت عليا،وقولتلي إنها عربيتك، ورسمتلي حياة مش حياتك،
بس... أنا حبيت مراد من ساعة ما شوفتُه،
واضطريت أجاريك ف اللي بتعمله عشان ما تأذيش مراد بس!"
قهقه رامي في وجهها، نوبة ضحك هستيرية امتلكته، ثم قال:
"انتي عاملة دماغ إيه النهارده؟مراد إيه اللي حبتيه من أول ما شوفتِيه؟انتي بتشتغلي مين بالظبط؟مراد ده؟اللي لسه من يومين كنتي عايزة تاخدي منه الفلوس،واتفقتي مع عادل عليه هو ومراته؟!ولا اللي كنتي عايزاه يبقى مدمن زيك عشان تعرفي تسحبي منه الفلوس؟ولا اللي خلّيتيه يشرب، وقولتيله إنه حصل بينكم علاقة،وهو أصلًا ما لمسكِيش؟!عشان لما يتجوزك ما يشكّش فيكي؟!
انتي بجد... مش طبيعية النهارده!"
كانت بسنت تُدرك أن كل كلمة تخرج من فمه، تُهدم صورتها أمام مراد أكثر فأكثر...
فحاولت أن تصل إلى هاتفها بسرعة، حتى تُنهي الاتصال،
لكنها لم تستطع أن تحدد:
هل رامي يعلم أن مراد يستمع الآن؟
هل كل هذا مقصود؟
هل يكشف كل شيء عن عمد؟
أم أنها مجرد مصادفة مأساوية جاءت في أسوأ توقيت ممكن؟
كل ما كانت تريده الآن...
أن تتوقف تلك اللحظة.
أن ينتهي هذا الاتصال.
أن يتلاشى صوت رامي.
لكن الحقيقة... كانت قد سُجّلت في قلب مراد منذ زمن.
وقبل أن تنجح بسنت في الوصول إلى هاتفها، باغتها رامي فجأة، قبض على معصمها بقوة جعلتها تنتفض في مكانها، ثم قال بصوت متوتر يشوبه الشك:
"انتي كل شوية رايحة للتليفون ليه؟! عايزة تكلمي مين بالظبط؟!"
تلعثمت وهي تحاول كتمان ارتباكها، ثم ردّت بسرعة محاولة تضليل شكوكه:
"مش عايزة أكلم حد... أنا كنت هشوف الساعة كام... عشان أشوف هعرف أروح أجيب حاجه تظبط دماغي ولا لأ... مادام إنت مش راضي تديني من اللي معاك."
نظر إليها رامي بعينين نصف مغمضتين، يراقب حركتها، يقرأ في وجهها ما هو أعمق من الكلمات، لكنه لم يُفلت معصمها، بل قال وهو يجرها برفق مشوب بالتحكم:
"تعالي الأول اقعدي جنبي... نتكلم."
استسلمت له مجبرة، وجلست إلى جواره، ظهرها مشدود، أنفاسها غير منتظمة، وعقلها يصرخ بحثًا عن مخرج.
رمقها رامي بنظرة طويلة، ثم نطق وهو يحاول أن يبدو وديًّا، رغم أن نبرة صوته حملت بين طيّاتها التهديد:
"كل اللي انتي عايزاه هعملهولك... وهجيبلك حاجه تظبط دماغك... بس تجاوبي عليا بصراحة."
رفعت بسنت عينيها إليه باستفهام، قلبها يخفق بقوة وهي تتساءل:
ما الذي ينوي فعله الآن؟
عن ماذا يسألها؟
ثم أتاها الجواب من نفسه، حين أكمل:
"مراد فعلاً مالحقش يسجلك اللي كتبهولك ف الشهر العقاري زي ما قالي... ولا بيشتغلني هو كمان؟"
ارتجف عقلها، وبقيت صامتة لحظة...
هي ومراد لم يتفقا إلا على كذبة واحدة، أن يُوهم رامي بأنها حصلت على كل الأموال،
لكنها لم تكن تعلم ما إذا كان يجب أن تكمل التمثيلية أم تعترف بالحقيقة.
كان مراد، على الجانب الآخر من الشاشة، قد ازداد توتره.
عينيه لم تفارق الهاتف.
جسده متشنج، يده تقبض على حافة الطاولة،
كل ما كان يفكر به هو: هل ستكذب معه؟ أم تخونه كما خانت كل من عرفها؟
أما تاليا، فكانت في عالم آخر.
الذهول يجمّد ملامحها، قلبها يخفق بشدة، ولم تَعُد تفهم شيئًا.
كان في عينيها سؤال واضح:
لماذا هاتفته بسنت إن كان كل ما يُقال الآن يدينها؟!
لكنها لم تسأله، فقط كانت تنظر إلى مراد تارة، وإلى الهاتف تارة أخرى، بانتظار أن تفهم.
أما بسنت، فقد التقطت أنفاسها، ثم نظرت إلى رامي وأجابت بحذر، تظن أن هذا ما يُفترض أن تقوله:
"أيوه... ما لحقناش."
ارتسم على وجه رامي ما يشبه الرضا...
لقد كان يحتاج فقط لهذا التأكيد.
كلمة واحدة كافية لتُعيد إليه الأمل، وتُطمئنه أن المال ما زال في متناول يده.
الآن فقط... يستطيع المضي فيما جاء من أجله دون تردد.
صمتت برهة، ثم سألته بصوت بدا أخفّ، لكن عينيه لا زالتا تقيسان كل خلجة في وجهها:
"بتسأل ليه يعني؟ هتفرق ف حاجه؟!"
ابتسم ابتسامة شيطانية، ونظر لها بنظرة جافة وقال:
"هتفرق... كتير.بس قوليلي الأول... هي الورقة دي معاكي هنا؟ اللي كتب لك فيها كل حاجه؟!"
أدركت بسنت الفخ، فارتبكت، تلعثمت، وتلعثمت أكثر:
"ها... الورقه؟... اه... لا... مش معايا هنا.
مع مراد... أيوه... مراد أخدها وقال على ما يسجلها هيبقى يديهالي.بس... انت بتسأل ليه الأسئلة دي يعني؟!"
وبكل برود، وبصوت عميق يقطر خبثًا، قال:
"عشان... أطمن... هينفع مراد ينقل كل حاجه ليا... ولا لأ... لما انتي تموتي."
صمتٌ تام.
نظرت إليه بسنت بصدمة، وكأن الوقت توقف للحظة، لم تصدق أذنيها.
هل قال "لما تموتي"؟
هل كان يعني ذلك حرفيًّا؟
هل كانت في خطر؟!
في نفس اللحظة، تبادل مراد وتاليا نظرات مشوشة، مذهولين، عاجزين عن الفهم الكامل لما يحدث.
كلاهما انعقد حاجباه، فُتحت أعينهم في دهشة، ثم عادا ينظران إلى شاشة الهاتف.
كانا يُحاولان التنبؤ بما ينوي فعله هذا الشيطان الجالس بجانبها...
هل حقًّا ينوي قتلها؟
هل كانت بسنت ضحيته التالية بعد أن تخلّص من عادل؟
الجو في الغرفة التي يجلس بها مراد بات ثقيلًا، أنفاس تاليا كانت سريعة،
أما مراد... فقد انحنت حاجباه، وفُتحت شفتاه قليلاً، كأن جسده قد جُمّد،
لكنه لم يُوقف الاتصال...
لا... ليس بعد.
أخرج رامي من جيبه حقنة امتلأت بسائل شفاف يميل إلى الصفرة، وهو من تلك الأنواع التي يتعاطاها المدمنون للهروب من واقعهم المُر.
حدّقت إليه بسنت بذهول، وقد أخذت تتراجع بخوف وهي تقول بتوجس:
"إيه اللي معاك ده؟!"
لم يمهلها رامي لحظة، بل دفعها بقوة إلى الأريكة، واندفع نحوها بجسده، يعتليها كوحش فقد السيطرة، لا يرى أمامه سوى الغنيمة.
بدأت تصرخ وتحاول دفعه عنها، لكن قبضته كانت من حديد، أمسك بمعصميها بيد واحدة، بينما وضع ركبتيه فوق ساقيها ليمنعها من الحركة.
أما يده الأخرى، فكانت تحمل الحقنة بإحكام، يلوّح بها أمام عينيها وكأنها سلاح ينهي به كل شيء.
صرخت بسنت بحرقة:
"إنت بتعمل إيه يا مجنون؟! ابعد عني!"
لكن صراخها لم يجد مفرًّا، فكمم فمها بيده، مُحبطًا كل محاولاتها للنجاة.
انتهزت لحظة تركه لمعصميها لتقاوم، لكن جسدها الضئيل كان أضعف من مقاومة شره القوة الغاشمة التي استبدت به.
كان ينظر إليها نظرة تشفٍّ خالصة، وعيناه تقطران خبثًا، ثم قال بصوت مملوء بالغلّ:
"الفلوس محدش هيقاسمني فيها... زي ما خلصت من عادل، هخلّص منك، بنفس الطريقة... جرعة زايدة من المخدرات، ومحدش عمره هيشك، لأن انتوا الاتنين مدمنين، ولو حلّلوا هيلاقوا المخدرات في جسمكم... انتوا الاتنين كنتم وسيلة... وسيلة أوصل بيها لهدفي، وخلاص... دوركم انتهى... وبقيتوا مصدر إزعاج... عشان كده كان لازم أخلّص منكم."
كانت بسنت تبكي بحرقة تحت يده، عيناها تصرخان أكثر مما يمكن للكلمات أن تفعل، تحاول أن تهمس، أن تستغيث، أن تُنقذ نفسها، لكن لا صوت يخرج، فقط دموع تتدفق، وقلب ينبض بالذعر.
أما تاليا، والتي ما زالت تُتابع من خلال الهاتف، فقد انهارت وهي تصرخ:
"مراد!! هو هيعملها... هيقتُلها... هو قتل عادل؟! قتله بجد؟!"
ارتفع مراد واقفًا، قلبه يخفق بقوة، الغضب يعصف بوجهه، قال بصوت يحمل قلقًا عارمًا:
"اهدي يا تاليا... أنا هروح لها... خليكي هنا... اقفلي على نفسك كويس... ماتفتحيش لحد... لغاية ما أرجعلك."
لكن تاليا أمسكت بذراعه، وجهها شاحب، دموعها تتدفق، قالت برعشة:
"أنا مش هسيبك تروح لوحدك! أنا هاجي معاك! إحنا لازم نبلّغ البوليس!"
لم يكن لدى مراد وقتٌ للنقاش، فاندفع بها إلى السيارة، وقامت تاليا بالاتصال بالشرطة فورًا، وضعت الهاتف على مكبر الصوت، وتحدث مراد معهم على عجلة:
أخبرهم بما يحدث، أوضح أن فتاة تُدعى بسنت تُهاجَم الآن من شخص يُهدد حياتها، وكل ذلك موثق، لأنه كان يتابع المكالمة من خلال محادثة فيديو مباشرة.
وبينما كانت تاليا تبكي وتضغط على عينيها بيديها المرتعشتين، أفكارٌ سوداء غزت عقلها:
هل قتل عادل بالفعل؟
هل سيقتلها هي الأخرى؟
هل ستُمحى هذه الحياة بسبب حفنة من المال؟
عشرات الأسئلة مزقت أعصابها... لكنها تمسكت بمراد، تدعو له بالوصول في الوقت المناسب.
أما مراد، فقد كان يقود سيارته كالمجنون، يتنقل بين الممرات والطرقات، ينظر بين الحين والآخر إلى شاشة هاتفه،
يراها، ما تزال تقاوم، قلبه يحترق وهو يراها تحت قبضته...
ولكنها ما زالت حية، ما زالت تتنفس...
لكن الأمل كان يخبو شيئًا فشيئًا، فقد كانت المقاومة تضعف، وصوتها يختفي.
حقنها رامي بالسائل المخدر، كانت الجرعة قوية، مُميتة، لم يتردد.
ثم ابتعد عنها وهو ينتظر النتائج، يراقب وجهها، أنفاسها، يريد أن يراها وهي تختنق، أن يشهد نهاية كل من وقفوا بطريقه.
حاولت بسنت النهوض، لكنها لم تقوَ على شيء، بدأت تشعر أن أطرافها تختفي، لم تعد تشعر بذراعيها أو ساقيها.
كل شيء أصبح ثقيلاً، تنظر إليه بعيون مُتوسلة، لكنها حتى لم تعُد تستطيع الحديث.
وفي تلك الأثناء، كان مراد قد اتصل بالإسعاف وأعطاهم عنوانها، أخبرهم أنها تناولت جرعة زائدة وأن هناك خطرًا على حياتها.
الشرطة، الإسعاف، ومراد... الجميع في طريقهم إليها...
لكنهم جميعًا، جميعًا، وصلوا متأخرين.
عندما اقتحمت الشرطة الشقة، وجدوا جسدها ممددًا على الأرض، وجهها خالٍ من الحياة،
تنفسها قد توقّف...
وقد فارقت الحياة.
وقف الضابط يحدّق بجسدها، ثم أشار لرجاله أن يقبضوا على رامي، الذي وقف مذهولاً، لم يتوقع أن يُضبط بهذا الشكل.
تساءل في سره:
كيف علموا؟
من أخبرهم؟
هل سمع الجيران صراخها؟!
حاول التظاهر بالبراءة، وقال وهو يرفع يديه:
"أنا كنت جاي أقولها حاجه ولقيتها كده!
هي أصلاً بتشم وبتشرب من زمان... شكلها أخدت جرعة زيادة... أنا ماليش دعوة... ماعملتش حاجه... والدكتور لو حللها هيعرف!"
لكن الطبيب الذي وصل مع سيارة الإسعاف بعد قليل، أكد وفاتها، وقال للضابط:
"واضح إن الجرعة كانت قاتلة، ومركّزة جدًا."
وقبل أن يُكمل الطبيب كلماته، كان مراد قد دخل الشقة، وتاليا خلفه.
رأى جسد بسنت المسجى، ارتجف، لم يصدق أن الأوان قد فات.
ثم وقعت عيناه على رامي...
نظر إليه وكأن الشر ذاته تجسّد أمامه،
فاندفع نحوه، ولكمه في وجهه بقوة، صرخ فيه:
"قتلتها!! وقتلت عادل!!كل ده ليه؟! عشان الفلوس؟!لطخت إيديك بالدم عشان شوية ورق؟!
أنا عملتلك إيه؟! أنا كنت دايمًا جنبك... ساعدتك... اعتبرتك أخويا...دخلت حياتي وحياة تاليا، وعادل... كله عشان الفلوس!"
كان يُريد أن يضربه ثانية، لكن تاليا أمسكت به بكل ما تملك من قوة.
أما رامي، فقد مسح الدم من فمه وقال بتحدٍ خبيث:
"محدش هيقدر يثبت عليا حاجه! واللي عندك اعمله! أنا مش خايف منك ولا من حد!
ولو على الفلوس... هاخدها غصب عنك!
انت عندك ناس تخاف عليهم... أم، أب، زوجة...
أنا ماعنديش حد... وهفضل وراك لحد ما أخد كل فلوسك!"
نظر إليه مراد نظرة قرف، ثم قال بهدوء قاتل:
"لسه ليك عين تتكلم؟أنا مش زعلان... لأنك هتنال الجزاء اللي تستحقه...ولو على الإثبات... تعالى أوريك الإثبات دلوقتي."
أخرج هاتفه، وقام بتشغيل المحادثة المصورة.
رأى رامي نفسه بالصوت والصورة، وهو يصرح بكل شيء، وعيناه جحظتا في صدمة مريرة.
فهم الآن من الذي أخبر الشرطة،
فهم أن بسنت، حتى في لحظاتها الأخيرة، لم تتركه ينتصر.
لقد خدعته... حتى وهو يقتلها.
sara ahmed