الفصل الثامن والعشرون

الفصل الثامن والعشرون

11 0

جلس مراد في زاوية منزله، لم يطفئ الأنوار، ولم يخلع ملابسه حتى، كان كمن جلس ليؤدي عزاءه الخاص في قلبه، في نفسه، في حلمٍ تهدّم فوق صدره دون سابق إنذار. مرّت الساعات ثقيلة متثاقلة، والزمن يتوقف عند تلك الصور التي لا تكفّ عن التكرار أمام عينيه... نفس الصور، نفس الطعنات التي لا تملّ من غرس أنيابها في قلبه المنهك.

كيف له أن ينام؟ كيف يمكن للجفون أن تستكين، والذاكرة تحفر له مشاهدها مع غيره، تنغرس كما الشوك في جلده؟

صورها... وهي بين أحضان رجلٍ ليس هو.

صورها... وعينها مغمضة بين ذراعيه، مستسلمة، وكأنها تهبه ذاتها.

صورها... وهو يُقبّلها وكأنها ملكه وحده.

تألم قلبه ببطء... ثم بسرعة... ثم صارت الضربات بلا إيقاع، كأنها ضربة مطرقة على جدار مشقوق.

لماذا فعلت ذلك؟!

هل لأنه أهملها؟ لأنه ابتعد؟ لأنه غاب عنها شهورًا؟

ولكن... ألم يعد؟ ألم يعتذر؟ ألم يطلب منها أن تبدأ معه من جديد؟!

أكان يكفي كل ذلك لتطعنه هكذا؟ أن تعيد له كل ما ذاقه منها من حبٍ وصدقٍ ودموعٍ واهتمام… ثم تسحبه فجأة ليغرق تحت ركام الخيانة!

كان يحدث نفسه، يكاد يسمع صوته يعلو في الغرفة الخالية:

لو كانت بتحب غيري... كانت قالتلي.

لو كانت عايزة تنتقم... ماكنتش لازم تخليني أحبها أكتر من أي حاجه ف حياتي.

أنا اللي قولتلها إن ليها مطلق الحرية، لكن هي كانت بتبكي بين إيديا وتقولي: "أنا ماحبتش غيرك".

ارتجف قلبه…

كم مرّة صدّق دموعها؟ كم مرّة وضعها في موضع الأنقى، الأطهر، الأوفى؟

هو نفسه، مراد، الذي لم يكن يثق بأحد، فتح لها أبوابه، قلبه، ذاكرته التي فقدها، بل وألمه الذي أنكره، أعطاها كل شيء، فماذا أعادته؟!

صفعة.

صفعة قوية بكل المعاني، لا بيدها فقط… بل بغيابها، بخيانتها، بكذبها المتقن، ببرود نظراتها الأخيرة، بحديثها الجاف:

"امشي من هنا، أنا مش عايزة أشوفك مرة تانية، وورقة طلاقي توصلي، انت فاهم؟"

صفعته يدها على وجهه… لكن صفعتها الكبرى كانت على قلبه.

ضحك بسخرية، ضحكة موجوعة ممزوجة بغضب لا يعرف كيف يخمده، قال بصوتٍ خافت مكسور:

"أنا اللي استاهل القلم ده… عشان صدقتك، عشان حبيتك، عشان افتكرتك الوحيدة اللي ممكن تكون صادقة."

رفع عينيه نحو سقف الغرفة، كأنما يبحث عن اجابات لأسئلة لا يعرفها، عن تفسيرٍ لكل هذا العبث، عن رحمة، عن حكمة خفية.

هو الذي كان يهرب من النساء، من المشاعر، من التعلق، لأنه يدرك كم هو مؤذٍ أن تعطي قلبك لأحدهم، فيكسره، ثم يمضي كأن شيئًا لم يكن.

لكنه... معها فقط، ظن أنه بأمان.

يا لها من سذاجة... يا له من أحمق.

اقترب من النافذة، فتحها، استنشق الهواء وكأنه يبحث عن متنفس... عن مخرج، عن دليلٍ على أن الحياة ما زالت هنا، تسير، لا تنتظر انكساره، لا تكترث لآلام قلبه.

لكنه ما زال يرى صورتها...

كلّما أغلق عينيه، وجدها هناك، في أحضان رجلٍ آخر.

بكت أمامه.

أقسمت أنها لم تُحب سواه.

فهل كانت كلماتها تلك جزءًا من تمثيلية متقنة؟!

أم كانت حقيقية يومًا، ثم تحوّلت كما يتحوّل كل شيء في هذا العالم الزائف؟!

جعلته يشك في كل شيء.

جعلته يكفر بحبها، وبراءتها، وبنفسه.

عاد إلى الأريكة، جلس على طرفها، أخرج هاتفه، نظر إلى صورها مجددًا، قلبه يصرخ: مش ممكن دي تكون هي...

لكنه عقله يصفعه: هي... بكل وضوح.

أسند رأسه للخلف، أغمض عينيه، ولكن النوم لم يأتِ، فقط جلب له المزيد من الصور… والمزيد من الألم.

أما تاليا فكانت مُمددة على الأريكة، جسدها ساكن كأن الحياة انسحبت منه، وعيناها مغلقتان منذ ساعات طويلة، حتى ظنت ياسمين أنها قد لا تستيقظ أبدًا. الطبيب الذي جاء بعد اتصالهم المتوتر أخبرهم بأنها تعاني من صدمة نفسية عنيفة، وأن ما مرت به أثّر عليها بشدة، فأعطاها مهدئًا، وحذرهم من إزعاجها أو دفعها للانفعال، مؤكدًا أن حاجتها الآن هي الراحة، والهدوء، وأشخاص يحبونها دون شروط.

جلست ياسمين قربها طوال الوقت، ممسكة بيدها، تراقب أنفاسها، وتتمسك بأي حركة تصدر منها كأنها تطمئن قلبها المضطرب أن تاليا لا تزال بخير. وفجأة، تحركت يد تاليا قليلاً، ثم فتحت عينيها ببطء، كانت نظراتها باهتة، ضائعة، كأنها غريبة عن هذا العالم.

همست ياسمين بحنان وهي تميل نحوها:

"عاملة ايه؟ حاسه إنك أحسن؟"

أومأت تاليا برأسها، لم تخرج منها كلمة، فقط نظرة غائمة غارقة بالذهول.

تابعت ياسمين، وقد شعرت ببعض الاطمئنان لعودتها:

"تاليا، ايه اللي حصل؟ انتي كنتي فين كل ده؟! انتي آخر مرة كلمتك قولتي قدامك خمس دقايق وتكوني قدامي، ايه اللي حصلك؟ احنا بجد قلقنا عليكي جداً."

لكن السؤال كان كمن نكأ جرحًا جديدًا.

فجأة، انفجرت تاليا في نوبة بكاء حادة، عميقة، لا تشبه البكاء المعتاد، بل كأنها تحاول طرد الخوف من أعماقها، كأنها تحاول إقناع نفسها بأنها نجت فعلاً.

ربتت ياسمين على كتفها برفق وقالت بصوت هادئ:

"اهدي يا تاليا، لو مش عايزة تتكلمي دلوقتي، خلينا بعدين لما ترتاحي... أنا جنبك، وقت ما تحبي تتكلمي."

تنهّدت تاليا، ثم قالت بصوت مكسور:

"أنا مش عارفه... مش عارفه ايه اللي حصل... أنا كنت فعلاً ف الطريق، ويادوب وصلت، وحاسبت التاكسي، فجأة حسيت بحاجه اتحطّت على وشي أو نفسي، معرفتش أصرخ، هو ده آخر حاجه فكراها..."

سكتت لحظة ومسحت دموعها ثم تابعت بصوت أكثر اختناقًا:

"بعدها فوقت ف نفس المكان اللي كنت فيه، بصيت حواليا مالقتش حد، وبصيت ف تليفوني لاقيت عدى خمس ساعات... أنا مش عارفه ايه اللي حصل فيهم. كنت دايخة جدًا، وحاسه إن الدنيا بتلف بيا، ماكنتش قادرة حتى أفكر، فركبت تاكسي وجيت هنا... لاقيتكم هنا. أنا مش فاهمة حاجه... حاسه إني هتجنن. ايه اللي حصل ف الوقت ده؟ أو ايه اللي حصلي؟ أنا مش عارفه."

تألمت ياسمين لما سمعته، ثم قالت محاولة طمأنتها:

"اهدي يا تاليا، يمكن حرامي؟... الحاجات دي بتحصل كتير."

لكن تاليا هزّت رأسها وقالت باستغراب:

"لو حرامي فعلاً... ليه لاقيت شنطتي وتليفوني وكل حاجتي زي ما هي؟! مش كان زمانه سرق أي حاجه؟"

هنا، صمتت ياسمين لحظة، كأنها بدأت تشعر بالخوف الحقيقي، ثم قالت بتفكير:

"عندك حق... بس انتي لما فوقتي، مالاحظتيش حاجه غريبة؟ أو حد حواليكي؟"

أجابت تاليا وهي تحاول استرجاع تفاصيل غائمة:

"ماكانش فيه حد خالص، أنا كنت خايفة... وكل حاجه كانت زي ما هي بالظبط. لبسي، وكل حاجتي... هو تليفوني بس اللي كان مقفول."

دخل حسن في الحديث، وقد كان يتابع بصمت:

"هو أكيد اللي حصل ده مقصود... مش معقول حد مثلًا هيخدرك، وبعدين يغير رأيه ويسيبك ف مكانك لما تفوقي. أكيد اللي حسيتي بيه على نفسك كان مخدر. وأكيد حاجه حصلت، ممكن نعرفها مع الوقت، كل حاجه هتبان. بس أنا مستغرب رد فعل مراد... ده كان قلقان وهيموت عليكي، ايه اللي حصل خلاه يتحول بالشكل ده؟ ده اللي مش فاهمه."

نظرت ياسمين إلى حسن وأومأت:

"عندك حق يا حسن، أنا من ساعة ما اتصلت عليه، وهو كان خايف عليكي، وجه بسرعة جدًا، وكمان قال هيروح يدور عليكي عند المكتبة... مش عارفه ليه اتغير لما شافك؟!"

قالت تاليا، بحزن ظاهر على ملامحها:

"سمعتوه قال عني ايه؟! كان فاكرني مع حد تاني، فاكر إنّي سيباكوا قلقانين عليا وأنا مع واحد... بجد أنا مصدومة فيه. بس أتصدم ليه؟ هو ولا يعرفني، ولا أنا كمان أعرفه. احنا ماكناش قريبين من بعض عشان يعرف أنا أعمل كده ولا لأ."

نظر إليها حسن بدهشة وقال:

"ما كنتوش قريبين من بعض؟! تاليا، انتوا متجوزين... عايزة ايه أكتر من كده يخليكم قريبين مع بعض؟"

شعرت تاليا بالارتباك، فقد كادت أن تنسى أن حسن لا يعرف تفاصيل علاقتهما الحقيقية، فقالت محاولة التدارك:

"أقصد عشان كان بيسافر كتير... ما لحقناش نقعد مع بعض كتير يعني."

ألقى حسن نظرة شك خفيفة، لكن ياسمين قطعت الحديث محاولة تغيير مجرى الكلام:

"سيبك من الكلام ده دلوقتي... روح يا حسن هاتلنا فطار، عشان أنا هموت من الجوع. أنا ما كلتش من امبارح، على أساس إننا هنتعشى مع بعض، وبعد اللي حصل محدش فينا كل... حتى مها ورنا ما اطمنوش غير لما قولتلهم إنك جيتي، قعدوا كتير مستنيين ف المطعم عشان لو روحتي هناك يعرفونا، بس اضطروا يروحوا، أهلهم كانوا بيتصلوا بيهم كتير، بس فضلوا معانا على التليفون."

نظرت إليهما تاليا بامتنان عميق، وكأنها ترى الآن فقط من يستحق وجوده في حياتها، من أحبها لذاتها لا لما تمثله، فقالت:

"أنا مش عارفه أقولكم إيه، بس بجد أنا كل يوم بكتشف إني فعلًا ماليش غيركم... آسفه على التعب اللي بتعبهولكم معايا."

ابتسمت ياسمين ومسحت على شعرها بحنان وقالت:

"ما تقوليش كده يا تاليا، إحنا مفيش بينا الكلام ده... واه صحيح، أمي، أنا اتصلت عليها وقولتلها إني بايته معاكي، عشان لو عرفت إني مع حسن هتقتلنا إحنا الاتنين. انتي زي الشاطرة كده هنتصل عليها دلوقتي نكلمها على أساس بنتطمن عليها خدت علاجها ولا لأ، عشان ما تشكش فيا."

وافقت تاليا بصمت، وقامت بالاتصال معها كما رتبتا، وبعدها بقليل، حضر حسن ومعه الإفطار، وجلسوا جميعًا يتناولونه في هدوء مشوب بالقلق.

لم تمر سوى لحظات، حتى طرقت مها ورنا الباب، وعندما فتحت لهما ياسمين ارتمتا على تاليا في حضن طويل باكٍ، ملؤه خوف وحب وحنين.

كانت تاليا تنظر إليهم جميعًا، قلبها يخبرها بشيء واحد:

"هؤلاء هم عائلتي... الحقيقية... لا أحد غيرهم."

أما الآخر؟

فلم يكن يومًا لها.

ولا أراد أن يكون.

لقد تركها بأول محنة مرت بها بل وشك بها.

مرّ أسبوع ثقيلٌ كجبلٍ على صدر مراد، أسبوع لم يعرف فيه طعم النوم، ولم يغادر فيه جدران منزله. ظل حبيس غرفته، حبيس الصدمة، حبيس صورٍ ما تزال تتكرر أمام عينيه دون توقف. كان يظن أنه سيتجاوزها، أنه سينساها كما نسي كل شيء من قبل، ولكن قلبه هذه المرة رفض أن يغفر، عقله ظل يطارد تفاصيل تلك الصور كأنها أشواك تنغرس في صدره مع كل محاولة للتنفس.

حتى جاء هذا الصباح الذي أفاق فيه على صوت هاتفه يصرخ في أذنه. كانت بسنت هي المتصلة، وقد اتصلت مرارًا من قبل، لكنه تجاهلها كما تجاهل الجميع. لم يشأ التحدث مع أحد. لكنه، ولأول مرة منذ أيام، شعر برغبة في سماع صوت، في معرفة إجابة ما. ضغط زر الرد بصمت، وجاءه صوتها سريعًا، كأنها تنتظره منذ دهور:

"مودي، تعالى، أنا ف الكافيه بتاع رامي، تعالى عشان عايزة أقولك حاجه مهمة."

لم يجب، فقط أغلق الخط وهمّ بارتداء ملابسه. كان جزءٌ من روحه يريد البقاء في عزلته، لكنه أحس أن عليه أن يخرج، أن يتحرّك، أن يُنهي هذه الفوضى التي تمزّق داخله. هناك شيء لا يستقيم، شيء ناقص في القصة. كلما فكّر في تاليا وعلاقتها بياسمين وحسن، كلما ازداد يقينه أن هناك شيئًا خاطئًا. لم يكن يصدق أن تاليا ستتصرّف بتلك الطريقة، أن تخبرهم بأنها قادمة ثم تختفي، ثم تعود ببرود دون أن تبرّر أو تعتذر. إن كانت مع شخصٍ آخر، لماذا لم تُخبرهم فقط أنها لن تأتي؟ لماذا كل هذا الغموض؟

قاد سيارته وكأنها تجرُّ أفكاره معها، إلى أن وصل إلى المفهى. كانت بسنت بانتظاره، بجوارها رامي، يجلسان معًا وكأنهما يخططان لشيء أكبر من مجرد لقاء عابر. وما إن رأته حتى نهضت من مقعدها واتجهت إليه بسرعة، وعانقته بلهفة وهي تقول:

"كده يا مراد، كل ده ما بتردش عليا؟! ولا كمان بتخليني أشوفك، وكل ما أجيلك البيت اللي بره يقولولي إنك مش موجود، انت كنت فين كل ده وما بتردش عليا ليه؟"

دفعها مراد بخفة، دون عنف ولكن دون دفء، ثم توجّه إلى المقعد المقابل لرامي وألقى عليه تحية مقتضبة لا تحمل أي ودّ. نظرت بسنت إليه وقد شعرت بالضيق من بروده، وقالت بنبرة يملؤها الغيظ:

"في إيه يا مراد؟! انت ما بتردش عليا ليه!! كل ده عشان قولتلك على تاليا؟! أنا غلطانة يعني إني عرفتك الحقيقة بدل ما تفضل مخدوع فيها؟ بدل ما تشكرني، بتزعل مني؟!"

كان مراد هادئًا بشكل مفاجئ، كأن الغضب الذي أحرقه طوال الأيام الماضية قد برد، لكنه لم يُطفأ تمامًا، فقال بهدوء متعب:

"أنا مش زعلان ولا حاجه يا بسنت، أنا بس كنت تعبان شوية، وحاسس إني لسه ما بقيتش كويس."

تبادل رامي وبسنت نظرات سريعة، كأن بينهما اتفاقًا غير معلن. ثم قال مراد وهو ينظر إليهما بعين الشك:

"أنا عايز أعرف كل حاجه. عايز أعرف انتي قابلتيها فين وامتى، ومين اللي كان معاها ف الصور."

قالت بسنت بثقة زائفة:

"أنا معرفش، أنا كنت مع أصحابي وببص بالصدفة لاقيتها قاعدة مع واحد، مش عارفه هو مين، بس أنا لما دققت شوية كان شبه ياسين. أظن إنه هو ياسين اللي كان معاها. عشان كده لما خرجوا، خرجت وراهم وصورتها الصور اللي بعتهالك."

تجمّدت ملامح مراد، حدّق بها بدهشة مكتومة، وكأن شيئًا أكبر من قدرته على الاستيعاب قد نزل عليه فجأة، وقال بصوت خافت يشوبه الذهول:

"ياسين مين؟! انتي أكيد ما تقصديش ياسين... صاحبي؟!"

لم تُجبه بسنت، بل تولّى رامي الحديث بدلاً عنها، وقد بدا وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة:

"ما تتفاجئش كده يا مراد، أنا شوفتهم أكتر من مرة مع بعض. بس ما رضيتش أقولك عشان ما تزعلش أو تعمل مشكلة. انت فاكره يعني قال الكلام ده عني أنا وبسنت ليه؟! ما هو عشان لو أنا قلتلك حاجه ما تصدقنيش، وتصدقه هو. عشان هو عارف إني شوفتهم مع بعض."

لم ينبس مراد ببنت شفة، لكنه شعر وكأن خنجرًا آخر قد غُرس في صدره، هذه المرة بيد صديق.

كان الصمت ثقيلًا، لكنه كان بحاجة إليه.

ياسين؟

الصديق الذي طالما وثق به؟

أهو نفسه الذي... كان معها؟

هل يمكن أن يكون الأمر كذلك؟

أم أن في الأمر خدعة أكبر، كذبة نُسجت بخيوط الحقد والغيرة؟

كل شيء أصبح قابلاً للشك.

حتى الهواء الذي يتنفسه...

صار خانقًا.

ظلّ مراد يحدّق في رامي كمن فقد القدرة على الفهم، عيناه اتسعتا تدريجياً، وجهه شاحب، وكأن الأرض قد اهتزت من تحته. بدا عليه الضياع، الصدمة التي نزلت فوقه لم تكن في الحسبان، فهل ما يسمعه الآن معقول؟ ياسين؟ ياسين نفسه؟ رفيق الطفولة، صديق العمر؟!

تاهت الأفكار في رأسه كعاصفة لا تهدأ، تدور وتدور بلا توقف.

إنها مفاجأة جديدة، صدمة تضاف إلى كومة الصدمات التي أثقلته حتى بات لا يقدر على الوقوف.

لماذا؟

لماذا ياسين؟ ولماذا الآن؟

هل كان دفاع ياسين عنها بدافع الحب؟

هل كان يخدعه طوال هذا الوقت؟

ولكنه رأى ياسين مع خطيبته عندما تقابلا... ان كان يحبها لما خطب غيرها؟!

تلاحقت أنفاس مراد وهو يفكر، الأسئلة تحاصره بلا هوادة، وكأنها تتآمر على ما تبقى من سلامه النفسي.

كل شيء في عقله صار معتماً، مشوّشًا، لا يكاد يرى خيطًا واحدًا واضحًا من الحقيقة، كأن عقله يُصارع للبقاء وسط ظلمة خانقة من الشك.

في تلك اللحظة، قطعت بسنت سيل أفكاره بقولها، محاولة تأكيد كلام رامي، وكأنها تسعى لوضع المسمار الأخير في نعش ثقته بمن حوله:

"مانا قولتلك كتير وانت ماكنتش بتصدقني يا مراد، قولتلك البت دي مش زي ما انت متخيلها، وقولتلك إن ياسين ده كدّاب، وانت روحت ف الآخر كلمته رغم الكلام اللي قاله عليا، بس أنا عذراك، أصلها ممثلة جامدة أوي، ده أنا كنت قرّبت أصدقها، لولا إني شوفتها بعيني وهي بتبوسه وبيعملوا حاجات يعني ماتنفعش خالص ف العربية كده، يعني حتى يروحوا بيت حد فيهم بدل القرف ده."

كأن كلماتها صفعة جديدة، ولكن هذه المرة لم تكن مثل سابقتها، فقد كانت كفيلة بإيقاظ شيء خفي بداخله.

ببطء، أخرج مراد هاتفه من جيب معطفه، وفتح المعرض حيث تحتفظ ذاكرة هاتفه بتلك الصور... الصور التي جعلته ينهار منذ أسبوع، الصور التي حطمت ما تبقى من ثقته، الصور التي تاليا فيها... والتي لم تفارقه حتى وهو يحاول النوم.

راح يتنقل بينها بتوتر، عينيه تتحركان سريعًا على تفاصيل كل صورة، ثم يعود لصورة سابقة، يدقّق، يقرّب، يبعد، ثم يعود مجددًا لنفس الصورة، وكأنه يحاول استخلاص الحقيقة من قلب الزيف، كأنه يفتّش عن خيط ينقذه من الهاوية التي سقط بها.

ثم، فجأة، رفع عينيه عن الهاتف وحدّق في بسنت، وصوته خرج هادئًا لكن فيه نغمة شك واضحة:

"بس اللي ف الصورة معاها ده مش شبه ياسين..."

تجمّدت بسنت في مكانها، نظرت إليه بدهشة، ثم غمغمت في توتر:

"هو أصلًا الولد مش باين ف الصور..."

رمقها مراد بنظرة شك عميقة، وصوته هذه المرة خرج أبطأ... وأثقل:

"هو صحيح الصور كلها جاي فيها ضهره بس، واللي واضح وش تاليا، بس الصورة اللي بيبوسها فيها... وشه باين جزء منه، وده مش شبه ياسين خالص."

تبادلت بسنت نظرة سريعة مع رامي، ثم ردّت بتلعثم، وكأنها تحاول تدارك انكشاف الكذبة:

"ماهو... أصل أكيد مش هيبان شكله، الصورة كانت ف الضلمة، ووشه مش باين كله."

ظل مراد صامتًا، لا يرد، فقط ينظر إليها نظرة طويلة، مزيج من الإنهاك، والشك، والريبة.

ثم أعاد نظره إلى الهاتف، قلب الصورة مرة أخرى، ثم رفع رأسه إليها وقال بنبرة خافتة:

"عندك حق... الصورة مش باينه أوي... وأنا مش عارف أركّز."

نهض بعدها ببطء، كأن جسده ينوء بثقل لا يُحتمل، وقال دون أن يرفع عينيه نحو أي منهما:

"أنا همشي... عشان تعبان."

واستدار، وتركهما خلفه وسط صمت ثقيل.

خرج مراد من المقهى والشتات يحتله من الداخل، الصدمة قد فُتحت لها بوابة أخرى... ولكن لسببٍ ما، كانت نبرته الأخيرة مختلفة.

كأن قلبه بدأ يرتاب، كأن حواسّه بدأت تستفيق.

ربما... فقط ربما... لا تكون الحقيقة كما قيلت له.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لقد بلغت مرادي

المؤلف sara ahmed
2025/11/12 مكتملة
قائمة الفصول (46)
الفصل 1: الفصل الاول
2025/11/12
الفصل 2: الفصل الثاني
2025/11/12
الفصل 3: الفصل الثالث
2025/11/12
الفصل 4: الفصل الرابع
2025/11/12
الفصل 5: الفصل الخامس
2025/11/12
الفصل 6: الفصل السادس
2025/11/12
الفصل 7: الفصل السابع
2025/11/12
الفصل 8: الفصل الثامن
2025/11/12
الفصل 9: الفصل التاسع
2025/11/12
الفصل 10: الفصل العاشر
2025/11/12
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2025/11/12
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2025/11/12
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2025/11/12
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2025/11/12
الفصل 15: الفصل الخامس عشر
2025/11/12
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2025/11/12
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2025/11/12
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2025/11/12
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2025/11/12
الفصل 20: الفصل العشرون
2025/11/12
الفصل 21: الفصل الواحد والعشرون
2025/11/12
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون
2025/11/12
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرون
2025/11/12
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرون
2025/11/12
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرون
2025/11/12
الفصل 26: الفصل السادس والعشرون
2025/11/12
الفصل 27: الفصل السابع والعشرون
2025/11/12
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرون
2025/11/12
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرون
2025/11/12
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2025/11/12
الفصل 31: الفصل الواحد والثلاثون
2025/11/12
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2025/11/12
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2025/11/12
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2025/11/12
الفصل 35: الفصل الخامس والثلاثون
2025/11/12
الفصل 36: الفصل السادس والثلاثون
2025/11/12
الفصل 37: الفصل السابع والثلاثون
2025/11/12
الفصل 38: الفصل الثامن والثلاثون
2025/11/12
الفصل 39: الفصل التاسع والثلاثون
2025/11/12
الفصل 40: الفصل الاربعون
2025/11/12
الفصل 41: الفصل الواحد والاربعون
2025/11/12
الفصل 42: الفصل الثاني والاربعون
2025/11/12
الفصل 43: الفصل الثالث والاربعون
2025/11/12
الفصل 44: الفصل الرابع والاربعون
2025/11/12
الفصل 45: الفصل الخامس والاربعون
2025/11/12
الفصل 46: الفصل الاخير
2025/11/12

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة