غادر مراد المكان تاركًا وراءه أنقاضًا لا تُحصى من الندم والخوف والخذلان. خطواته كانت ثقيلة، كأنها تجر خلفها جبالًا من الخيبات. لم يلتفت إلى الوراء، ولم يرغب حتى أن يسمع صوت الباب يُغلق خلفه. كل ما كان يدور برأسه الآن... ضجيج. صخب داخلي لا يهدأ، أفكار تتزاحم، ومشاعر تتصارع بلا هوادة.
لم يكن يدري بماذا يشعر تحديدًا، هل يأسى على بسنت التي أهدرت نفسها حتى تحولت إلى شبح امرأة، أم يحنّ إلى الماضي الذي جمعه بصديقٍ كعادل، صديق كان يومًا قطعة من روحه، ثم صار حفرة مظلمة من الخيانة؟
أم يحزن على نفسه؟ على هذا الرجل الذي وثق، وأحب، وأعطى... ثم لم يلقَ سوى الطعنات؟
كل شيء انقلب رأسًا على عقب.
حياته التي ظنها واضحة ومستقيمة، لم تكن إلا متاهة من الخداع والتزييف.
المرأة التي أحبها بجنون كانت هي الخنجر الذي غُرس في قلبه، وكان مستعدًا أن يموت ليمنحها الحياة... فاختارت أن تحفر قبره بأيديها.
والتي ظنها عدوه الأكبر، التي قاوم الزواج منها بكل ما أوتي من عناد، والتي ظنها قيدًا على حريته... أصبحت هي حريته، صارت روحه، هواءه الذي لا يطيق فراقه.
تاليا...
اسمها وحده كافٍ ليهدئ ذاك الغليان في صدره.
تاليا التي دخلت حياته كخطأ، كصفقة، كزواج فرضه عليه والده... فإذا بها تتحول إلى المعنى، إلى البداية الجديدة، إلى النور الذي تسلل من شقوق قلبه المظلمة وأحياها.
متى بدأ يحبها؟ متى تحولت النظرات الباردة إلى اشتهاء دفئها؟ متى صار صوتها مأواه، وحديثها بلسمه، وملمس يدها وطنًا يأويه؟
لم يدرِ… لكنه يعلم الآن يقينًا، أنه يحبها حد الجنون.
أما بسنت… فلا، لا مكان لها الآن في روحه، ولا حتى في ذاكرته.
كان حبّه لها لعنة. كان تعلقه بها مرضًا أعمى بصره وبصيرته.
واليوم… ينجو. اليوم فقط يشعر أنه قد نجا منها.
وصديقه… رفيق دربه، من تشارك معه الأحلام والأسرار…
كان خنجرًا آخر، من نوع أشد قسوة.
هل كان هو السبب؟
هل كان أعمى إلى هذا الحد؟
هل كان غبيًا؟
أم أن من حوله كانوا ماهرين في الخداع؟
لم يجد إجابة، ولم يشأ أن يبحث عنها الآن…
فكل ما يهمه، أن تاليا ما زالت هنا، في حياته، في قلبه.
وهو يشكر الله، والقدر، والده الذي أصرّ على زواجه منها،
يشكر كل الظروف التي ساقتها إليه،
يشكر حتى الألم الذي جعله يكتشفها،
أن يراها كما هي:
منقذته…
ونجاته…
وضوءه حين عتمت الدنيا كلها.
استفاق على صوت محرك السيارة الذي هدأ، ليجد نفسه أمام منزلها.
لا يعلم كيف وصل، لم يتذكر الطريق، لم يشعر بالمسافة،
ولكنه وجد نفسه أمام بابها، كما يحدث في كل مرة يضيق به صدره،
في كل مرة يشعر أن العالم يخنقه…
تاليا هي ملاذه.
هي وحدها من تمسك يده وتخرجه من البئر العميق الذي وقع فيه،
وحدها من تمنحه الشعور بالأمان، بعد أن خانته الأرض ومن عليها.
اقترب من الباب بخطوات هادئة، لكنه كان يشعر أن قلبه يركض، ينبض بها.
رفع يده، لكنه لم يطرق، فقط وضع راحته على الخشب كأنه يربّت على كتف الحياة…
أخرج مراد هاتفه من جيبه، قلبه ينبض بقوة لا يعلم إن كانت بسبب توتره أم شوقه. كانت الساعة قد تجاوزت الرابعة صباحًا، الليل ساكن، والشارع يلفّه صمت ثقيل. ومنذ أن غادر منزل بسنت، وهو يهيم على وجهه، يقود بلا وعي، بلا وجهة. لم يكن يدري إلى أين يذهب، فقط استسلم لعجلة القيادة، وقلبه المُثقل يسحبه من طريق إلى آخر حتى وجد نفسه أخيرًا أمام منزلها.
لم يكن يريد إزعاجها، يعلم أنها نائمة، لكنها الوحيدة التي تهدئ عاصفته الداخلية، الوحيدة التي يثق أن بين يديها يهدأ الوجع، وأن بعينيها يعود الاتزان إلى دنياه التي تهاوت فجأة.
ضغط على زر الاتصال، وانتظر.
وبعد لحظات، جاءه صوتها الناعس، مبحوحًا من النوم، فتضاعف شوقه:
– "أنا قدام الباب يا تاليا، ممكن تفتحيلي؟"
لم تمر سوى ثوانٍ معدودة حتى فُتح الباب، وظهرت هي أمامه، ملامحها متوترة، وقلبها يسبقها قلقًا. كانت تقف بملابس النوم، وشعرها المبعثر يتهادى حول وجهها كأمواج ناعمة، تنبض بالدفء والأنوثة.
نظرت إليه بعينين مليئتين بالأسئلة، لم تتحدث، لم تسأله، لكن كل ملامحها كانت تقول: "ماذا حدث؟"
وقبل أن تجد فرصة للحديث، رأته يمد ذراعيه دون أن يتكلم، وكأنه كان يعرف أنها وحدها من تستطيع أن تحتويه.
ارتمى في أحضانها، دفن رأسه على كتفها، وكأن العالم كله لم يعد موجودًا.
ارتجف جسده بين ذراعيها، وشعرت بحرارة دموعه تسيل على بشرتها العارية، فتشبثت به أكثر، أخذت تربّت على ظهره برفق، بصمتٍ يحتوي الألم دون حاجة للكلمات.
لم تحاول أن تقاطعه أو تطرح الأسئلة، فقط... احتوته.
ولو اضطر الأمر أن تبقى واقفةً معه على هذا الباب العمر كله، فلن تتردد.
هي تعرفه جيدًا، تعلم أنه حين يلجأ إليها بتلك الصورة، فإن قلبه منهار، روحه ممزقة، وأنه لا يحتاج الآن سوى لصدر يحتضنه.
ظل مراد بين ذراعيها لا يعلم كم من الوقت مضى، فقط كان ينهل من دفئها، يطفئ نيران قلبه المتأججة بها، وكلما زادت أنفاسه على عنقها، شعرت هي بتوترها يتصاعد.
تسللت يداه إلى خصلاتها، جذبها إليه مجددًا، وأعاد رأسه إلى عنقها، لكنه لم يكتفِ هذه المرة بالدفء...
انطلقت شفتاه تزرعان قبلات هادئة، دافئة، تشبه المطر الخفيف على أرضٍ عطشى.
شهقت هي بصوتٍ خافت، شعرت بارتجافٍ في كل خلية من جسدها، وضعت يدها على فمها محاولة كتم صوتها، لم ترد أن يعلم كم هي تشتاقه، كم هي تريده.
أما هو، فعندما سمع أنينها الطفولي الخافت، اشتعلت بجسده نار لا يعرف كيف يطفئها.
لم يشعر بنفسه وهو يسرّع وتيرة قبلاته على عنقها، ثم كتفها، ثم ترقوتها.
أطاح بحمالة منامتها الرفيعة عن كتفها، وظل يزرع قبلاته هناك، كمن يؤدّي طقسًا مقدسًا، كمن يحاول النجاة بها... منها.
أما هي، فكانت مغمضة العينين، تتنفس بصعوبة، لا تدري إن كانت تحيا أم تحترق.
نسي كلاهما أنهما ما زالا أمام باب الشقة.
وحين بدأت قبلاته تهبط أكثر، تلامس ملتقى صدرها، استفاقت من الغيبوبة التي سحبها إليها.
دفعته سريعًا وهي تلهث، خجلها السابق صار خجلًا متفجرًا، وجهها صار قرمزيًا كزهرة نارية تتفتح في منتصف الشتاء.
ارتجفت، ليس فقط من لمسته، بل من واقع الموقف، من فكرة أن يراهما أحد، من خيانة اللحظة لوعيها.
أما هو، فقد استعاد وعيه ببطء، نظر إليها، شعر بالذنب يتسلل، لكنه لم يستطع إخفاء ابتسامته.
يعشق خجلها، يعشق تلك الطهارة التي تقاوم ضعفها، ذلك التردد الجميل الذي يجعل كل لمسة منها طقسًا نادرًا.
مرّت ثوانٍ من الصمت، يتبادلان فيها الأنفاس المتقطعة، يتداركان ما كاد يحدث.
ثم قال مراد بنبرة حاول أن يجعلها خفيفة رغم ثقل اللحظة:
– "أنا كل مرة بجيلك بتسيبيني واقف ع الباب، مش بتدخليني على فكرة، إلا لما بقول خدي بالك."
ابتسمت تاليا بخجلٍ خافت وتوترٍ واضح، وقالت بصوت مرتعش لا يزال يئن تحت وطأة اللحظات الماضية:
– "معلش... أنا نسيت... اتفضل ادخل."
دخل مراد إلى الداخل بخطواتٍ هادئة، كأن ثقلاً هائلًا ما زال يثقل كاهله رغم أنفاسه التي بدأت تهدأ في وجودها. جلس على الأريكة وراح يراقبها بصمت، بينما قالت هي على عجل:
– "أنا هروح أعملك حاجه تشربها."
يعلم جيدًا أنها تهرب، لا تحتاج إلى كلماتها لتُفصح عن اضطرابها؛ ملامحها المرتبكة ونبرتها المرتعشة كانت أصدق من كل تعليل. تركها تذهب، فقد كان هو الآخر بحاجة إلى الابتعاد، إلى فرصة يستعيد فيها توازنه بعدما اجتاحه الطوفان، لا يدري كيف تحولت دموعه التي ذرفها بين ذراعيها إلى رغبة مشتعلة، كيف انقلبت حالته من الانكسار إلى الاشتعال فقط عندما لامس عنقها واستنشق رائحتها التي تفقده صوابه.
أما تاليا، فقد دخلت المطبخ مسرعة، تبحث عن ملاذ من زوبعة المشاعر التي اجتاحتها. ما هذا الذي حدث؟ كيف تركت لنفسها العنان هكذا؟ كيف استسلمت؟ إنها لا تكاد تصدق أنها من كانت هناك معه، تتنفس بأنفاسه وتذوب تحت لمساته. فتحت الماء البارد وبدأت تغسل وجهها مرات ومرات، علّها تطفئ ما بداخلها من حرارة تخجل منها. شربت بعض الماء، وأخذت تُعد العصير له، محاولة التظاهر بالهدوء.
وقبل أن تخرج، سمعت صوته يناديها من الخارج بنبرة مرحة حاول بها تخفيف التوتر:
– "آجي أساعدك في حاجه؟ انتي اتأخرتي أوي!"
أجابت بسرعة، بصوت مرتفع كي يسمعها:
– "لا لا، أنا جايه خلاص أهو."
خرجت تحمل كوب العصير بيدٍ مرتجفة، ووضعته أمامه دون أن تنظر إلى عينيه. كانت تتجنب النظر إليه بأي شكل، وكأن عينيه تحملان سحرًا تخشى الوقوع فيه من جديد.
لاحظ مراد ذلك بوضوح، لم يكن ساذجًا ليظن أنها بخير، كان يراها تختبئ في صمتها، فقرر أن يقترب، جلس بجانبها فجأة، مما جعلها تتراجع للخلف بتوترٍ واضح. ابتسم وقال بلطف:
– "تاليا، انتي ليه مكسوفة كده؟ اللي حصل ده طبيعي يحصل، أنا جوزك، يعني عادي أي حاجه تحصل بينا. وحتى لو انتي حسيتي ناحيتي بمشاعر أو حبيتي اللي احنا عملناه، ده مش غلط. إحنا متجوزين، ليه بتبعدي عني ومش راضيه تبصيلي؟ اللي حصل عادي، ولو أكتر كمان... عادي. حاولي دايمًا تفتكري إننا متجوزين."
ازداد خجل تاليا من كلماته التي يقولها ببساطة وكأنها لا تزال لا تعرف كيف تتعامل مع قربه، مع كونه الآن "زوجها". قالت بتلعثم:
– "لا عادي... مش مكسوفة ولا حاجه... أنا بس... عشان كنت نايمه وكده... ولما صحيت... ماكنتش مركزة... واتخضّيت لما كلّمتني... مش مركزة بس."
ابتسم مراد بمكرٍ خفيف وقال:
– "طيب... تحبي أصحصحك؟ تحبي أخليكي تركزي؟"
فزعت، قامت من مكانها وقالت بسرعة:
– "لا، أنا كويسة... ركّزت خلاص، هعملك حاجه تشربها."
ضحك وقال:
– "هو أنا لسه شربت العصير اللي جبتيه... شكلك لسه مش مركزة يا تاليا، ومحتاجة تركزي، صدقيني."
شعرت بالغيظ، لكنها لم تجد ما ترد به، فقالت وهي تمط شفتيها بغيظ طفولي:
– "إنت بتضحك على إيه؟ على فكره... إنت رخم جدًا."
رفع مراد يديه في استسلام ساخر وقال وهو يحاول كتم ضحكته:
– "خلاص، أهو أنا ساكت... بس تعالي، ارجعي اقعدي مكانك، ولا هتفضلي واقفه كده طول الليل؟"
جلست تاليا بالأريكة المقابلة له، وقالت بجدية مصطنعة:
– "أنا هقعد هنا، أنا برتاح هنا."
ضحك مراد واقترب منها ليجلس بجوارها قائلًا:
– "أنا كمان برتاح هنا، وهقعد هنا."
نظرت له وقالت بابتسامة خفيفة:
– "على فكره، إنت رخم."
رد بابتسامة واسعة:
– "عارف، انتي قولتيلي قبل كده إني رخم... أنا مصدقك، وبحب أكون رخم معاكي انتي بالذات."
كان قلبها يهدأ تدريجيًا معه، ولكنها لم تنسِ الغصة التي رآتها في عينيه حين دخل. لذلك سألته بقلق:
– "إنت كنت متدايق ليه؟ إيه اللي حصل خلاك كده؟"
عاد التوتر لوجهه، ارتسم الغضب، فقالت تاليا بقلق أكبر:
– "حاجة حصلت من بسنت تاني؟ أو رامي؟!"
تنهد مراد بعمق وقال:
– "حاجات كتير حصلت يا تاليا... مش عايز أشغل عقلك بيها. لما الموضوع يخلص، هعرفك كل حاجه... ماتقلقيش."
لكن تاليا اقتربت منه، وقالت بصوت حنون:
– "طب ماتقولي يا مراد... يمكن أقدر أساعدك، أو حتى تفضفض، بدل ما تفضل شايل كل ده لوحدك."
نظر إليها نظرة ممتنة، ثم قال بصوت خافت مكسور:
– "مش عارف أقولك إيه يا تاليا... بس حاسس إن اللي بيحصلي فوق قدرتي على التحمل. حاسس إني تايه، مش عارف أنا صح ولا غلط. مش عارف اللي عملته وبعمله فيهم ده من حقي ولا لا... حاسس إني بقيت واحد تاني، واحد ماعرفهوش... أنا ماكنتش كده، ولا تخيلت أوصل لكده أبدًا... بجد مخنوق أوي."
نظرت إليه بعينين دامعتين وقالت:
– "طيب قولي إيه اللي حصل، يمكن ترتاح لما تتكلم."
نظر لعينيها مباشرة وقال بإخلاص:
– "أنا برتاح أول ما بشوفك يا تاليا... مجرد عيني ما بتشوفك، كل حاجه بتتحل، والدنيا بتبقى ألطف وأجمل."
أمسك يديها، وقال بصوت عاطفي خالص:
– "أنا بجد مش عارف لو انتي مش ف حياتي كنت هعمل إيه. انتي عارفه انك أجمل حاجه ف حياتي؟ رغم إني ماكنتش حد حلو ف حياتك، ودايمًا كنت سبب تعاستك، بس انتي سبب فرحتي... وبتساعديني. مجرد كلامي معاكي كده... بيريحني."
قالت تاليا والدموع تلمع في عينيها:
– "ماتقولش كده يا مراد... إنت مش عارف انت بالنسبالي إيه. ماتفضلش تحمل نفسك فوق طاقتها... إنت من البداية ما غصبتنيش على حاجه، من البداية فهمتني كل حاجه وكنت صريح معايا... وأنا اللي اخترت أكمل لأني كنت عايزه أفضل معاك تحت أي ظرف. كنت شايفه إني هبقى مبسوطه كده... إنت مالكش ذنب في حاجه."
رد مراد بإصرار:
– "انتي تستاهلي كل السعادة اللي ف العالم يا تاليا، وأنا أوعدك إني هحاول على قد ما أقدر مازعلكيش. بس انتي لسه ماقولتيليش قرارك... ومش هقبل بإجابة غير موافقة ترجعي معايا."
نظرت إليه وابتسمت، ثم قالت بصوت حنون:
– "موافقة يا مراد... بس فهمني اللي بيحصل، عشان أقدر أساعدك."
تنفس مراد براحة، ثم قال:
– "أنا هحكيلك كل حاجه."
بدأ يحكي لها ما جرى، من خطته الأولى وحتى لحظة خروجه من عند بسنت. لم يُخفِ عنها شيئًا... حتى عادل، أخبرها عنه رغم تردده وخوفه من صدمتها. رأى الدهشة والخذلان في عينيها، كيف لشخص ظنته نقيًا أن يكون خنجرًا آخر مغروسًا في ظهرها؟
بكت تاليا بصمت، لكن مراد جذبها إلى صدره، ضمها بقوة، وربت على ظهرها وقال بصوت دافئ:
– "أنا معاكِ... طول ما أنا جنبك، مش هسمح لحد يقربلك. كل ده عدى، ومش هتتعرضي لوجع تاني... أوعدك."
sara ahmed