كان مراد يجلس في غرفته، تتقاذفه الأفكار، وعقله يضجّ بضجيج الذكريات التي أيقظها حديث ياسين. لم يستطع النوم، كان الليل طويلًا ثقيلًا، كأن الزمن قرر أن يُبطئ خطواته فقط ليتركه يعاني في صمته. كانت عبارات ياسين تتردد في أذنه كطَرقات مطر ثقيل على زجاج نافذته:
"طردتني من بيتك قدامها… صدقت دموعها وافتكرتني كداب…"
كم كان موجعًا ذلك العتاب المختنق بالحسرة، وكم بدا ياسين حينها حقيقيًا أكثر من أي وقت مضى، كأن الماضي كله لم يكن سوى خطأ فادح اسمه بسنت، خطأ كلّفه أغلى أصدقائه.
شعر مراد بأنه لا يملك قلبًا، بل صخرة. كيف استطاع أن يُهين أقرب الناس إليه؟ كيف تخلى عن أخٍ لم تلده أمه من أجل فتاة؟ بل من أجل أوهام صدّقها، وهو الذي كان دومًا يرى نفسه الأكثر عقلًا ونضجًا؟!
كان كمن أطفأ نور بصيرته بإرادته، فقط لأنه أحب. أو ظن أنه أحب.
تقلّب في فراشه مرارًا، وضاقت عليه الغرفة كأنها تضيق بكل ذرة ندم في صدره. ثم ما لبث أن نهض، بلا هدف واضح، وكأن قدميه تسبقانه إلى المكان الوحيد الذي قد يجد فيه راحة…
توجه إلى غرفة تاليا.
لم تكن غرفتها مهجورة فقط، بل كأنها متحجرة الزمن، كأن كل ما فيها يُعلن بوضوح أن صاحبتها قد غابت… ولكنها ما تزال هنا. رائحتها، عبقها، تفاصيلها الصغيرة… كلها تنبض بالحياة رغم الغياب.
فتح الباب ببطء، دخل وكأنما يتسلل إلى قلبه هو، إلى الذكرى التي حاول أن يهرب منها طوال الوقت. تأمل أغراضها، لم يلمس شيئًا، لكنه شعر أن كل قطعة فيها تهمس له بلومٍ خفي.
توقّف عند زجاجات العطر المصطفة بعناية، ثم أقسم لنفسه أن رائحة جسدها أحلى من كل تلك العطور.
اقترب من أدوات زينتها، تفحصها بعينين دامعتين.
"هي ماكنتش محتاجة ولا حاجة من الحاجات دي… كانت حلوة كده من غير أي حاجة."
ثم نظر نحو دولابها، وتخيلها واقفة أمامه تختار فستانًا تخرج به، فارتجف قلبه غيرة.
"أنا مش عايزها تلبس الحاجات دي برا… مش عايز حد يشوف جمالها… محدش غيري يستاهلها."
كان يرى فيها امرأة لا تُقارن، أنثى تسحره حدّ التيه، تشبعه حتى في غيابها، تشعل فيه كل حواسه، تُذله وتُنعشه في آنٍ واحد. إنها فتنة لا تُقاوَم، شهية كوجبة دسمة أمام جائع لم يذق طعامًا منذ أسبوع… وها هو يتضور شوقًا لها الآن.
جلس على سريرها، على طرفه فقط، كأن الجلوس عليه بكامله خيانة لذكراها.
استنشق بعمق، شعر أن رائحتها ما زالت عالقة في الوسادة، وتغلغلت في نسيج الفراش.
أغمض عينيه، واستسلم لنبض قلبه الذي لم يكف عن تكرار اسمها:
"تاليا…"
فتح عينيه على همسة داخله، صوت روحه الذي صرخ أخيرًا:
"إزاي كنت بسيبها… إزاي كنت ببدلها بحد تاني…!"
كان يرى بوضوحٍ مرعب كيف أعماه حبه الوهمي لبسنت، وكيف فقد في لحظة رجاحة عقله… كيف أدار ظهره لأكثر إنسانة أحبته بصدق، واحتملته بقسوته، وخذلها في وقت كان يجب أن يتمسك بها فيه.
نظر إلى الغرفة كلها مجددًا، ثم تمتم:
"مفيش زيك… والله العظيم مفيش زيك… أنا كنت أعمى… أعمى بجد…"
أغمض عينيه، وأسند رأسه إلى الوسادة التي احتضنتها ذات يوم، وتمنى لو أن الزمن يتوقف هنا، حيث رائحتها تحاصره من كل صوب، وحيث الذكرى أوضح من أي حاضر…
"وحشتيني ياتاليا… أوي."
لم يدرك مراد كيف وصلت يده إلى هاتفه، ولا كيف وجد نفسه يضغط على زر الاتصال، كل ما كان يشعر به هو تلك اللهفة التي تشتعل في صدره، ذلك الاشتياق العميق الذي اجتاحه كعاصفة لا تهدأ، والذي لم يجد له مخرجًا سوى أن يسمع صوتها.
وبينما هو غارق في صمته، جاءه صوتها النائم، مبحوحًا دافئًا، خرج بتثاقل من بين شفتين مثقلتين بالنعاس، ليغرقه أكثر في الحنين:
"أيوه، مين؟!"
توقف الزمن عند تلك الكلمة، لقد اشتاق لها حتى خُيّل إليه أنه يريد أن يحتضن الهاتف، لعل صوتها يملأ الفراغ الذي ينهش قلبه.
أجاب بخفوت، بنبرة يملؤها الشوق والاعتذار:
"أنا مراد، انتي كنتي نايمة، آسف متصل بيكي متأخر كده… بس ماكنتش عارف أنام، وحسيت إني عايز أكلمك."
جاءه صوتها مجددًا، لا يزال نائمًا، متعبًا، كأنها تسير في حلمٍ لم تستيقظ منه بعد، لكنها كانت كافية لأن تُحرك فيه كل مشاعره:
"مراد… هو في حاجه؟!… انت كويس؟"
كم أراد أن يصرخ بها: "أنا مش كويس من غيرك… ارجعي بقى يا تاليا…"
لكن كرامته، أو تردده، أو ربما خجله، كبَح الكلمات في حلقه، فاكتفى بأن يطمئنها:
"أنا كويس، ماتقلقيش."
ردّت بتثاؤبٍ واضح، وصوتٍ بالكاد يُسمع، لكنها لم تغلق الهاتف:
"هو احنا… امتى؟!"
أجابها بهدوء، يتأمل جدران غرفتها التي تحيطه:
"الساعة ٣ الفجر."
فقالت بنفس النعاس الجميل:
"امال انت إيه اللي مصحيك لدلوقتي؟!"
أطرق قليلًا، تنهد، ثم أجاب بصدق:
"مش عارف أنام… ممكن تخليكي معايا لحد مانام؟"
صمتت قليلًا، ثم جاءه صوتها كأنها تهمس في حلم:
"أنا معاك أهو… في حاجه حصلت مخلياك مش عارف تنام؟!"
أغمض عينيه، وسرحت ابتسامته في الأثير، قال:
"اللي حصل إنك وحشتيني أوي… والبيت من غيرك وحش أوي… مش عارف أقعد فيه."
ردّت بكلمات غير مترابطة، كأن عقلها ما زال غارقًا في الحلم، لكن صوتها ظل أجمل موسيقى يمكن أن يسمعها قلبه:
"البيت جميل أوي… أنا بحبه أوي…"
لاحظ مراد أن تركيزها بدأ يضعف، وأن النعاس يُثقل حديثها، كان يتمنى أن تستمر بالحديث، فقط ليستمع إليها، ليبقيها معه للحظة أطول، لكنه لم يُرد أن يُتعبها أكثر.
سألها بابتسامة دافئة:
"عايزة تنامي؟!"
فأجابته بصوتٍ واهن:
"أوي…"
ضحك بخفة، قال:
"كل حاجه أوي… طيب نامي، بس ماتقفليش… خليكي معايا."
لكنها لم تجبه، لقد سقطت في نوم عميق، تاركة هاتفها على الخط، وصوت أنفاسها المنتظمة يملأ الأذن والروح.
ظل مراد مستلقيًا على سريرها، مستمعًا إلى أنفاسها، وكأنها لحن هادئ يُهدئ اضطراب قلبه. ظل يبتسم، يشعر بالسكينة أخيرًا، يفكر كم أن هذه الفتاة تستطيع قتله يومًا ما ببراءتها وصدقها ودفئها.
بقي مستيقظًا، يراقبها بصمت عبر الهاتف، يحادثها دون كلمات، حتى غلبه النوم هو الآخر…
على سريرها، بجوار وسادتها، وفي قلبه هي.
نام وهو يشعر، ولو للحظة، أنها معه… وأن كل شيء بخير.
استيقظت تاليا ببطء، وشمس الصباح تنسلّ من بين الستائر لتداعب ملامحها برقة. مدت يدها بتثاقل إلى المنضدة المجاورة لسريرها، حيث اعتادت أن تضع هاتفها كل ليلة، لكنها لم تجده هناك. عقدت حاجبيها بتساؤل وهمست بصوت خافت:
"هو راح فين ده؟!"
كادت تهمّ بالنزول من السرير لتبحث عنه، لكن عيناها وقعتا عليه ملقى إلى جوارها على السرير، والشاشة ما تزال مضيئة على مكالمة جارية. حدّقت فيه بدهشة قبل أن تضع يدها على فمها بخجل، فقد تذكرت اتصال مراد الليلي، وصوته الذي أيقظ فيها الحنين، وحديثها المشتت النائم، لقد كانت شبه غائبة عن الوعي. هي لا تحب أن يتصل بها أحد أثناء نومها، لأن عقلها حينها لا يكون حاضرًا، ولا تدري ما قد تقوله.
رفعت الهاتف إلى أذنها ببطء، وكأنها تخشى أن يكون ما يزال مستيقظًا، ولكنها لم تسمع شيئًا… كان نائمًا.
تنهدت براحة، ثم أغلقت المكالمة بهدوء، وابتسمت لنفسها، ثم نهضت من فراشها واتجهت لتأخذ حمامًا دافئًا، وبعده بدأت تمارينها الرياضية المعتادة، تركّز في تنفسها، في نبضها، في هدوء جسدها. أنهت تمارينها، تناولت فطورًا خفيفًا، ثم جلست تقرأ كعادتها حتى يحين موعد العمل.
أما مراد، فقد استيقظ متأخرًا، فتح عينيه بتثاقل، مدّ يده إلى الهاتف، فوجده مغلقًا، فعرف أن تاليا أنهت المكالمة بعد أن غلبهما النوم. لم يستطع كبح ابتسامته وهو يتذكر صوتها المتعب وحديثها النائم، كان يحمل شيئًا من الطفولة والطمأنينة، شيئًا افتقده طويلًا.
نهض من سريره، وأخذ حمامًا سريعًا، وعندما خرج من الغرفة متجهًا لتناول الإفطار، تفاجأ بوجود بسنت أمامه في ردهة المنزل.
تجمد مكانه لحظة، يتساءل في داخله: "إزاي بتدخل كل مرة كده؟!"
يجب أن يتحدث مع الحراس، أن يضع حدًا لهذا التسلل المستفز. قبل أن يُكمل أفكاره، كانت بسنت قد عانقته وقبّلته على وجنته، كعادتها، وهي تقول:
"مودي، انت كنت خارج؟ لابس كده ورايح فين من غير ماتقولي؟!"
أخذ نفسًا عميقًا، ثم رد محاولًا إخفاء ضيقه:
"كنت رايح أفطر، هو المفروض أستأذن منك ولا حاجه؟!"
قالها ببرود، لكنها لم تنتبه لنبرته، بل أكملت بابتسامة مصطنعة:
"طيب كويس إني لحقتك، أنا كمان كنت جايه لك عشان نروح نفطر سوا."
زفر مراد بغيظ، لكنه أجاب باقتراح ليتهرب من مرافقتها:
"طيب إيه رأيك تجهزي لنا انتي فطار هنا بدل مانخرج؟"
رفعت حاجبيها باستنكار، وقالت:
"أنا؟! بيبي أنا والمطبخ أعداء مابنتفقش سوا، أنا أكتر حاجه بكرهها المطبخ، وبعدين انت فاكرني تاليا اللي عايشه حياتها شبه الخدامين؟! لا يا بيبي، أنا غير."
نظر إليها مراد بعينين لا تخفيان الاستياء، ورد بحزم:
"هو اللي بيعمل أكل لنفسه وبينضف بيته بيبقى شبه الخدامين؟! بالعكس، دي نضافة واعتماد على النفس، هي مش محتاجه حد يعملها حاجه."
تأففت بسنت وهي تلوّح بيدها:
"طيب طيب، إديني محاضرة بقى في إيجابيات الست تاليا عالصبح، بقولك إيه، يلا نخرج نفطر عشان أنا جعانة وبدأت أفصل."
هزّ رأسه، ثم قال:
"اقعدي هنا وأنا هروح أجيب أكل وأجي، بدل مانخرج… أنا ماليش نفس أخرج دلوقتي، أنا كنت مضطر عشان جعان."
تعلقت بعنقه، وهمست:
"ياريت يا بيبي، عشان نقضي اليوم مع بعض هنا، شكل الحرباية مش هنا وهنعرف ناخد راحتنا."
رمقها بنظرة نارية، وقال ببرود شديد:
"أنا ماعنديش هنا حربايات… أنا همشي قبل ما نفسي تتسد."
جلست بسنت على الأريكة، وقالت مبتسمة بخبث:
"أوك يا بيبي، ماتتأخرش عليا."
ما إن خرج مراد من المنزل حتى تأففت بسنت، وتمتمت بغيظ واضح:
"ف داهية انت وهي… أنا هعرفك تدافع عنها قدامي إزاي… أنا هوريك مين بسنت."
في الخارج، أخرج مراد هاتفه من جيبه، كان كل ما يشغله الآن هو الحديث مع تاليا. لم يكن يريد الذهاب لأي مكان، فقط أراد أن يسمع صوتها مجددًا، أن يتأكد أنها بخير.
اتصل بها، لكنها لم تُجب. حاول مرة أخرى… لا رد.
ربما في العمل، لا تستطيع سماع الهاتف. لذا قرر أن يرسل لها رسالة، كتب فيها:
"تاليا، أول لما تشوفي رسالتي ردي عليا لو سمحتي… عشان عايزك ضروري أوي."
ثم أعاد الهاتف إلى جيبه، واستدار ليشتري الطعام… لكنه كان يفكر فيها، ولا شيء سواها.
خرج مراد من المنزل تتملكه مشاعر متضاربة، قاد سيارته بلا وجهة واضحة، يتظاهر بأنه يبحث عن الإفطار، بينما في الحقيقة هو يهرب... يهرب من وجود بسنت في منزله، من المواجهة، من اتخاذ قرار لطالما تهرّب منه. أوقف سيارته أمام أحد المطاعم، وترجّل منها لشراء بعض الطعام، ثم عاد وجلس خلف عجلة القيادة، واضعًا الأكياس بجانبه على المقعد، دون أن يحرك السيارة أو يشغل المحرك.
أغمض عينيه لبرهة، وهو يلتقط أنفاسًا طويلة وكأنها لن تكفيه… أين تاليا؟ لماذا لا تجيب؟ كان هاتفه في يده لا يفارقه، ينتظر أن يُضيء باسمها، أن يشعر بصوتها يقتحمه ويطمئنه… إلى أن حدث ما تمناه. أضاءت الشاشة باسمها، ففتح الخطّ بلهفة، وكأن صوته كان محبوسًا منذ ساعات:
"تاليا! أنا بكلمك من بدري، انتي فين؟!"
أجابت بصوت يحمل اعتذارًا ناعمًا، لكنه لم يخفِ عنها توتره:
"سوري يا مراد، ما سمعتش التليفون، أنا في الشغل، لسه شايفة رسالتك دلوقتي… في حاجة ولا إيه؟!"
زفر مراد بشدة، وكأنه وجد أخيرًا من يسمعه، ثم قال بسرعة:
"بسنت في البيت… لاقيتها قدامي فجأة، بس أنا خرجت، وقلت لها إني رايح أجيب فطار على ما انتي تيجي، زي ما اتفقنا."
ساد صمت قصير في الطرف الآخر، شعرت فيه تاليا بانقباض في صدرها، كأن صبرها الذي حاولت أن تجمعه في الأيام الماضية بدأ ينفد. لا، بل هو استُهلك تمامًا. نظرت حولها في المكتبة التي تعمل بها، ثم قالت بصوت باردٍ يحمل خيبة أكثر من أي شيء آخر:
"سوري بس مش هينفع أجي… لسه عندي شغل، وانت اتصرف. أظن إنك لو فعلاً مش عاوزها كنت عرفت تخليها تمشي. بس انت أصلاً مش عاوزها تمشي… عاوزها تفضل في حياتك. وأنا مش هعرف أعملك حاجة للأسف."
أنهت المكالمة دون أن تنتظر ردّه، وهي تشعر أن شيئًا بداخلها قد انكسر، انكسر بصمت وبجفاء. لم تشأ أن تظهر ضعفها، ولا أن تبكي على طرف خطٍّ صامت. وضعت هاتفها جانبًا، وحاولت أن تنشغل بعملها، علّها تهرب من شعورها بالعجز. التفتت إلى رجل يقف أمامها يطلب منها كتابًا معينًا، فابتسمت له ابتسامة مصطنعة، وسارت إلى الرفوف لتبحث عمّا يريد.
أما مراد، فظل جالسًا داخل سيارته، يحدق في شاشة الهاتف المظلمة، يراجع كلماتها في رأسه مرارًا وتكرارًا… "أنا مش هعرف أعملك حاجة للأسف."
كان يعرف أنها على حق، ويعرف أكثر أنه لا يملك الشجاعة الكافية لينهي ما يجب أن يُنهى منذ زمن.
أمسك هاتفه مجددًا، وكتب رسالة إلى بسنت، يختصر بها كل شيء… دون تبرير، دون مواجهة، فقط هروب جديد.
"آسف يا بسنت، أنا اضطريت أخرج، في حاجة مهمة في الشغل واتصلوا عليّا، ولازم أروح لهم دلوقتي. روحي انتي، ونبقى نتكلم بعدين."
في تلك اللحظة، كانت بسنت تجلس على أريكة منزله، تنتظر، ويدها تعبث بهاتفها بملل، وعيناها تتفقدان ساعة الحائط بين دقيقة وأخرى. وما إن وصلتها الرسالة، حتى قرأتها ببطء، ثم قرأتها مجددًا. لم تصدق أن مراد، الذي طالما كانت تُشعره بأنها فوق الجميع، يُنهي اللقاء بهذه البساطة، برسالة.
أغمضت عينيها، وشعرت بغضبٍ يتصاعد في أعماقها، نارٌ خبيثة اشتعلت في قلبها. نهضت من مكانها وهي تهمس في نفسها:
"هو بيهني! بيسيبني هنا وبيروح، وكمان يبعتلي رسالة؟! مش قادر حتى يكلمني؟!"
رفعت حقيبتها بسرعة، وخرجت من منزله وصفقة حذائها تُعلن عن خيبة ووعيد. وعيناها تلمعان بغضبٍ لا يُشبهه إلا كبرياء جُرح، ومكرٍ يُعدّ في صمت.
قالت لنفسها وهي تغلق الباب خلفها:
"ماشي يا مراد… هتشوف. أنا هعرفك تدافع عنها قدامي إزاي… أنا هوريك مين بسنت."
بعد أن اتصل مراد بحراس البوابة وتأكد من مغادرة بسنت منزله، عاد أدراجه بخطوات مثقلة، يغمره صمت ثقيل لا يقطعه سوى صدى كلماته هو. كان صوت تاليا لا يزال يتردد في أذنيه، يحمل له الحقيقة التي تهرب منها طويلاً… "أنت أصلاً مش عاوزها تمشي."
لقد كانت على حق. عليه أن يضع حدًا لهذا العبث. لم يعد يحتمل هذا التخبط، لم يعد قادرًا على مواصلة هذا الطريق الضبابي. سيخبر بسنت الحقيقة. سيضع النقاط على الحروف. لقد حسم أمره، يحب تاليا… ولا شيء آخر يهمه الآن.
مع حلول المساء، كان قد غطّ في نوم ثقيل، ربما بفعل الإرهاق أو التعب العاطفي الذي أنهكه طوال اليوم، إلى أن أيقظه صوت هاتفه. فتح عينيه بتثاقل ونظر إلى الشاشة، حسن؟!
أثار الأمر استغرابه، فحسن لا يتصل به في مثل هذا الوقت المتأخر. مدّ يده وردّ على الاتصال، ولكن لم يكن حسن هو من تحدّث، بل جاءه صوت أنثوي مذعور ومختنق بالبكاء:
"مراد، تاليا معاك؟!"
جلس في سريره فجأة، وقلبه بدأ يخفق بقوة، وقال متعجبًا:
"معايا فين؟ أنا ماشوفتهاش النهارده… انتي مين؟!"
جاءه الرد بصوت مرتعش، حاولت صاحبته جاهدة أن تسيطر على نفسها:
"أنا ياسمين، احنا كلمناها وقالت إنها جايالنا في الطريق… الكلام ده من حوالي أربع ساعات، ومن ساعتها بنحاول نكلمها، تليفونها مقفول، وأنا وحسن هنا في بيتها وهي برضو مش موجودة… أنا مش عارفة هي فين، أنا قلت أكلمك يمكن تكون عندك."
انتفض مراد من مكانه وكأن الكهرباء سرت بجسده. القلق بدأ ينهش داخله، قال بسرعة:
"اهدي بس يا ياسمين… سألتي أصحابك التانيين عليها؟ يمكن راحت لهم بعد ما انتي مشيتي؟!"
ردت ياسمين، وصوتها يشبه صوت من يسير على حافة الانهيار:
"هما مستنيينا هناك عشان لو راحت يعرفونا، بس هي ماجتش، أنا لسه مكلمهما وقالوا ماجتش برضو، وحسن راح يدور حوالين البيت يمكن يلاقي حد أو يعرف حاجه."
أخذ مراد نفسًا عميقًا وهو يشعر بالعجز يعتصره، ثم قال:
"طب انتوا فين دلوقتي؟ انتوا عند بيتها؟!"
قالت:
"أيوه… أنا قلقانة أوي… هي عمرها ماعملتها، وآخر مرة كلمتني قالت قدامها خمس دقايق وتبقى قدامي… لو عارف حاجه يا مراد عنها، قولي أرجوك."
صوّب مراد عينيه نحو اللاشيء، وكأن أفكاره ركضت ألف ميل في ثانية، ثم قال بقلقٍ متزايد:
"أنا آخر مرة كلمتها كانت الصبح… وقالتلي إنها في الشغل… أنا جايلكم يا ياسمين، استنوا عندكم، مش هتأخر."
أنهى المكالمة بسرعة، واندفع من سريره متسارع الخطى، يرتدي ملابسه بلهفة حتى كاد أن يتعثر أكثر من مرة. قلبه ينبض بقلق غير مسبوق، يداه ترتجفان، وعيناه تبحثان عن مفاتيح السيارة.
بمجرد أن خرج، قاد سيارته بسرعة جنونية كمن يتسابق مع الزمن، أو كمن يطارده شبح لا يُرى. أضواء الشوارع تمرّ كأنها ومضات سريعة، لا يرى فيها سوى ملامح وجه تاليا، وصوتها وهي تقول له "البيت وحش من غيرك".
أين أنتِ يا تاليا؟ ما الذي حدث؟ هل أصابك مكروه؟ هل أحدهم أذاك؟ لماذا لم تصلي؟
كان عقله في سباق، وقلبه في ذعر، وخوفه عليها أكبر من أن يوصف. لم يكن مستعدًا لفقدها، ليس الآن… ليس بعدما قرر أخيرًا أن يتمسك بها للأبد.
sara ahmed