خرجت تاليا من غرفتها بعد أن بدّلت ثيابها، بخطى متباطئة وبملامح شاحبة لم تستطع إخفاءها، وعندما وصلت إلى الصالة وجدت مراد قد فرغ من ترتيب الطعام الذي اشتراه، كان يضع الأطباق على الطاولة بترتيب عشوائي، لكن شيئًا من الحماس كان يلوّن ملامحه، وكأنّه ينتظر مشاركتها على مائدة واحدة منذ سنوات.
دلفت إليه بهدوء، فابتسم لها قائلاً:
"تعالي ساعديني،"
فأخذت منه بعض الأطباق وساعدته في ترتيبها، ثم جلسا معًا على طاولة الطعام، لكن مراد، الذي بدأ بالأكل سريعًا انتبه إلى سكونها. كانت تاليا تحدّق في الطبق الموضوع أمامها، لا تحرك فيه شيئًا، ولا ترفع الملعقة حتى لتمثل أنها تنوي الأكل.
رفع رأسه إليها وسأل باستغراب:
"مابتاكليش ليه؟ الأكل مش عاجبك؟! أنا عارف إنه برد، بس انتي السبب... انتي اللي اتأخرتي."
هزت رأسها نفيًا، ثم قالت بصوت خافت:
"لا... الأكل حلو، بس أنا ماليش نفس."
قطّب حاجبيه بقلق، وتوقف عن مضغ ما في فمه، ثم قال:
"مالكيش نفس ازاي؟! انتي ماأكلتيش حاجه خالص."
وبدلًا من الرد، وضعت تاليا رأسها فوق الطاولة، واستندت إليها بتعبٍ واضح. لم يكن الأمر مجرّد إرهاقٍ بسيط، بل بدا وكأنها تُصارع جسدها الذي لم يعد يحتمل.
قالت بصوت متعب متهدج:
"أنا مش عايزة آكل... أنا عايزة أنام."
شعر مراد فجأة بانقباضٍ في قلبه، وقف وسار نحوها خطوة وهو يقول بقلق صريح:
"تاليا، انتي مالك؟! انتي تعبانة؟!"
ردّت بصوت مبحوح:
"لا... بس مش قادرة، حاسة إني دايخة أوي."
اقترب منها أكثر، وقد امتلأ وجهه بالذعر، ثم جلس إلى جوارها قائلاً:
"ما هو عشان ماكلتيش وطول اليوم نايمة... ممكن يكون ضغطك نزل. كلي أي حاجه، لو ما أكلتيش أنا كمان مش هاكل، وهيبقى ذنبي ف رقبتك... عشان أنا هموت من الجوع."
رفعت رأسها بصعوبة، كأنها ترد له الجميل، أو على الأقل تريح ضميره، وتناولت بعض الطعام دون أن تنطق بكلمة. كانت حركتها بطيئة، خالية من الحياة، وكل ملعقة تتناولها وكأنها معركة.
راقبها مراد بصمت، لم تكن هي، لم تكن تلك الفتاة التي عهدها تقف بثبات رغم كل شيء، تلك التي تنفجر كالنار في خصام، ثم تعود لتمارس رياضتها بكل عزيمة... اليوم كانت مجرد ظل.
وما إن أكلت القليل حتى تركت المائدة بهدوء، واتجهت إلى الأريكة في الجهة المقابلة من الصالة، ثم استلقت عليها كما لو كانت روحها قد خرجت من جسدها وبقيت القشرة فقط.
نهض مراد فورًا وهرول نحوها، ثم ركع على ركبتيه إلى جانب الأريكة، يهمس بجزع:
"تاليا، قومي... نروح لدكتور، انتي مش طبيعية."
هزت رأسها برفض وهي تهمس بإعياء:
"لا... أنا شوية وهبقى كويسة، بس سيبني أنام شوية."
رفع يده بحنق، وقال:
"لا... مفيش الكلام ده، تنامي ايه تاني؟! انتي نايمة من امبارح، والساعة دلوقتي دخلت على سبعة بالليل! انتي حصلك كده قبل كده؟!"
ردّت وهي بالكاد تفتح عينيها:
"أنا هبقى كويسة... بس سيبني، عشان خاطري."
وما إن أنهت كلماتها حتى غطّت في نومٍ عميق، نومٌ لم يكن يشبه الراحة، بل أشبه بالانهيار.
جلس مراد إلى جوارها، يحدّق في وجهها الشاحب، في حاجبيها المنقبضين حتى أثناء نومها، في الشفاه التي جفّ لونها، وفي صوت تنفّسها الذي بدا متثاقلاً، غير منتظم.
كان قلبه يخفق بقوة، ذهنه يدور، يبحث عن حل... أي حل.
وفجأة، تذكّر شيئًا. نعم... قالت إنها تعرفت على أصدقائها بعدما فقدت وعيها في مطعم... هل كانت هذه أول مرة تفقد فيها الوعي؟ هل يعانون معها هذا الأمر كثيرًا؟ هل يعرفون ما بها؟
نهض سريعًا، تركها نائمة، وتوجه إلى غرفتها، فتح الباب بخفة، ثم بدأ بالبحث.
أمسك مراد بهاتف تاليا الذي وجده على الطاولة الجانبية، ولدهشته لم يكن الهاتف مغلقًا بكلمة مرور، فتحه بسرعة، كأنّ قلبه يلهث قبل أصابعه. ضغط على إحدى تطبيقات الرسائل، ليجد سيلًا من الرسائل المتتابعة تنهال عليها من أصدقائها.
"إنتي فين يا تاليا؟!"
"مش بتردي ليه؟!"
"هو مراد معاكي؟"
"طمنينا عليكي..."
كانت كل تلك الرسائل تضعه في مرمى شعور غريب: تأنيب وذنب وغيرة لم يكن يعرفها قبلاً. هؤلاء يعرفونها أكثر منه، يهتمون بها أكثر منه، يقلقون عليها وهو... زوجها، لا يعلم حتى كيف يتصرف إن مرضت.
أخذ نفسًا عميقًا ثم كتب لهم رسالة جماعية:
"أنا مراد، جوز تاليا، كنت عايز أسألكم عن حاجه... هي من الصبح نايمة مش بتقوم ومش راضية تاكل، أنا قلقان عليها لأن شكلها تعبان، وكل ما بصحيها بتنام تاني... هي حصلها كده قبل كده؟!"
جاءه الرد سريعًا من "ياسمين":
"أيوه، أكيد ضغطها نزل. ده بيحصلها كتير، بس أهم حاجه ماتخليهاش تنام، خليها تاخد علاجها، وطمني عليها لو سمحت."
فأجابهم بارتباك:
"طيب هو علاجها ده فين أو اسمه إيه؟ أنا مش عارف."
وفجأة انفجر "عادل" برسالة حملت ما يكفي من الوقاحة لتشعل نيرانًا في قلب مراد:
"جوزها ومش عارف علاجها فين ولا اسمه إزاي؟! انت إنسان مهمل ليه كده؟!"
شدّ مراد قبضته على الهاتف، وغضبٌ مكتوم بدأ يتصاعد في صدره، لكن قبل أن يرد جاءه ردٌ من "حسن" محاولًا تلطيف الجو:
"عادل، إيه اللي بتقوله ده؟ عادي إنه مايعرفش... سوري يا مراد ماتزعلش منه، هو طريقته كده."
فرد مراد، وهو يحاول إخفاء انفعاله:
"سيبك منه دلوقتي... هي علاجها فين؟ محدش فيكوا يعرف؟"
ردت "مها" أخيرًا برد عملي:
"هتلاقيه عندك أكيد، في شنطتها أو جنب سريرها، هو دايمًا معاها."
ثم أرسلت "رنا":
"تحب نجيلها لو مش هتعرف تتصرف لوحدك؟"
رد مراد بإصرار:
"لا، مفيش داعي. أنا هشوف علاجها... ولو حصل حاجة هبقى أكلمكم."
ثم أغلق الهاتف وهو يتنفس ببطء شديد، يحاول ألا ينفجر، لا من "عادل"، ولكن من نفسه.
"هو معاه حق... أنا فعلاً ماعرفش حاجه عنها؟!"
عاد إلى غرفتها كمن يعود إلى ساحة ذنبه، إلى مرآة ذنوبه.
نظر إلى الأريكة، وجد ملابسها التي كانت ترتديها بالأمس ملقاة عليها كما تركتها. بجوارها حقيبتها.
فتحها بهدوء، كأنّه يفتش عن جزء من ماضيه الذي لم يعشه.
بداخلها وجد ثلاثة أنواع من الأدوية:
أولهم مهدئ للأعصاب،
ثانيهم منوم قوي،
وثالثهم دواء لعلاج الضغط المنخفض.
"مهدئ؟ منوم؟ هي محتاجة لكل ده ليه؟!"
لم يفهم... لكن قلبه فهم أكثر من عقله.
بحث سريعًا على هاتفه، فتأكد أن الدواء الثالث هو الأنسب، لكن شيء ما في الحقيبة لفت انتباهه.
صورة.
أخرجها بين أصابعه المرتجفة.
كانت صورة فوتوغرافية لهما... في زفافهما.
تاليا تبتسم، رأسها يستند إلى صدره بثقة،
أما هو، فبملامح جامدة... يبتسم بلا روح. كأنّه حضر زفاف غيره.
ظل يحدق في الصورة طويلًا، وفي ابتسامتها التي غابت عن وجهها مؤخرًا، ثم همس لنفسه بمرارة:
"غبي... غبي."
أعاد الصورة إلى مكانها، ثم عاد إلى الأريكة حيث ترقد، كزهرة نائمة تُصارع الرياح.
حاول أن يوقظها من جديد، لكن لا فائدة... إنها تحت تأثير المنوم، يبدو أنها تناولته هربًا من كل شيء.
جلس إلى جوارها، ثم جذبها نحوه بلطف، وأسند رأسها إلى فخذه.
مدّ يده إلى خصلات شعرها، يمرّر أصابعه بخفّةٍ على جبينها، كما لو كان يداوي جراحها.
بدأ يحدثها، بصوت خافت مكسور:
"آسف... إني كنت بسيبك لوحدك طول الوقت..."
"آسف إنك اضطريتي تاخدي منوم عشان تعرفي تنامي لوحدك في البيت ده..."
"آسف عشان ماكنتش حاسس بيكي، ولا مهتم..."
"آسف إنك كنتي لوحدك في تعبك، وفي حزنك، وأنا... كنت في عالم تاني."
كان يهمس كأنّه يعترف بذنبه في محكمة لا قضاة فيها سواها.
"مش عارف أنا ظلمتك كده ليه، ولا خلتك توصلي للي انتي فيه ده ليه بس أتمنى تسامحيني..."
أسند رأسه على حافة الأريكة، وترك أصابعه تتشبث بيدها النائمة، كمن يتمسك بآخر خيط بينه وبين الغفران.
ظلّ على هذه الحال طويلاً، حتى تغلّب عليه الإرهاق، وغلبه النوم، جالسًا بمكانه، محتضنًا ذنب العمر...
ونائمة على فخذه، امرأة لم يملك قلبها يومًا... لكنه اليوم أخيرًا، بدأ يحاول أن يستحقه.
استيقظت تاليا في الصباح على شعور غريب؛ هناك يد دافئة تستقر فوق رأسها، أنفاس هادئة تلامس جبينها، دفء لا يشبه دفء الوسائد ولا بطانيات الشتاء... فتحت عينيها ببطء، ثم التفتت.
كان هو... مراد، ما يزال نائمًا، ورأسها مستقرّ على فخذه.
ارتفعت بسرعة من مكانها، كأن شرارة كهرباء مست جسدها، وضعت يدها على صدرها محاولة استيعاب ما يحدث.
رأسها كان على فخذه! متى؟ كيف؟ ولماذا؟
أخذت تتذكر أحداث الأمس.
لقد عادت منهكة، شعرت حينها بأن جسدها يتهاوى، فابتلعت قرصًا من المنوم... لكنه لم يؤثر، انتظرت قليلاً، ثم تناولت قرصًا آخر دون تفكير. يبدو أن ذلك ما جعلها تغرق في هذا النوم العميق الطويل.
لكن... ما الذي جعله ينام هكذا؟ ألم يتعب؟ أليس هذا الوضع مؤلمًا؟ لماذا جلس كل هذا الوقت؟! ولماذا على هذا النحو بالتحديد؟!
نادت عليه بصوت منخفض، ثم بصوت أعلى.
وأخيرًا، تحرك جسده، فتح عينيه، ووضع يده على عنقه وهو يتألم.
تنهّد تنهيدة ثقيلة كأنها تحمل وطأة ليلة كاملة.
قال وهو يضغط على رقبته المتيبسة:
"تاليا، انتي صحيتي امتى؟! انتي كويسه دلوقتي؟"
قالت وهي تتفادى عينيه:
"لسه صاحيه... وأيوه، أنا كويسه... بس انت نايم كده ليه؟!"
أجابها ببساطة، كأنه يعتذر دون أن يعتذر:
"حاولت أصحيكي كتير وانتي ماقومتيش... وتقريبًا وأنا بحاول، نمت أنا كمان."
وبينما كان يتأهب للقيام من مكانه، تذكر شيئًا، فقال:
"ابقي اتصلي على أصحابك، طمنيهم... أنا كلمتهم امبارح لما ماعرفتش انتي مالك، وكانوا قلقانين... آه، وابقي طمني عادل، أنا هدخل آخد دش وأغير هدومي."
أخذت تاليا هاتفها بين يديها، وما إن قرأت الرسائل حتى شعرت بالحرج، خاصة من رد عادل الذي هاجم مراد بحدة.
أرسلت رسالة جماعية تطمئنهم، ثم غادرت إلى غرفتها لتأخذ حمامًا هي الأخرى.
عندما خرجت من غرفتها كانت تنوي أن يتناولا الإفطار معًا، لكن مراد لم يكن قد خرج بعد.
ترددت قليلًا، ثم ذهبت لتطرق باب غرفته. جاءها صوته من الداخل، بعيدًا بسبب صوت المياه أو ربما المسافة:
"ادخلي يا تاليا!"
قالت بصوت خافت:
"لا، لو خلصت اخرج عشان الفطار هيبرد."
لكن صوته عاد مرة أخرى، أقرب قليلًا:
"يا بنتي ادخلي، أنا مش سامع بتقولي إيه."
ترددت أكثر، لكنها فتحت الباب أخيرًا بخطوات حذرة.
هذه هي المرة الأولى التي تدخل فيها غرفته منذ زواجهما...
العتمة الخفيفة، الغرفة الفوضوية، الغبار الذي تراكم فوق الأسطح... كلها أشياء زادت من توترها.
وفي اللحظة التي أدارت فيها عينيها حول المكان، خرج مراد فجأة من الحمّام، لا يرتدي سوى منشفة حول خصره، والماء ينساب من شعره وكتفيه.
صرخت تاليا بصوت حادّ، ثم استدارت عن الباب ووضعت يدها على فمها بصدمة،
فقال مراد بفزع:
"في إيه؟! إيه اللي حصل؟!"
ردت بتلعثم، لا تجرؤ على الالتفات:
"انت... انت خارج كده ليه؟! وما قولتليش ليه أخرج؟!"
ضحك وقال ببساطة مستفزة:
"مانا نسيت آخد هدومي وأنا داخل... وكنت بقولك هاتيهم، وانتي مش سامعة... افتكرتك خرجتي، وبعدين فيها إيه يعني يا توتا؟! أنا جوزك بردو!"
قالت بعصبية وحرج شديد:
"أنا هخرج... خلص وتعالى عشان الأكل هيبرد."
لكن قبل أن تتحرك، وقف مراد أمامها فجأة، فصرخت مرة أخرى، والتفتت إلى الجهة الأخرى قائلة:
"انت مجنون! أوعى من قدام الباب... أنا عايزة أخرج!"
ضحك وهو يقف بتهكم:
"انتي خايفة تبصي لي ليه؟! هو أنا عفريت؟ كل ما تشوفيني تصرخي، ولا انتي بتصرخي من جمالي؟ قولي، ماتتكسفيش."
قالت وهي تحاول التماسك رغم خجلها:
"على فكرة، انت رخم جدًا... وبعدين انت مش شايف نفسك لابس إيه؟ أو الأصح... مش لابس إيه؟!"
اقترب منها أكثر، فبدأت تتراجع إلى الخلف خطوة بخطوة، حتى اصطدمت بخزانة الملابس خلفها.
قالت محذّرة بصوت مرتعش:
"مراد، ابعد عني وخليك محترم لو سمحت... وخليني أخرج عشان الأكل هيبرد."
فردّ، وهو يضع يده بجانب رأسها، مستندًا على الخزانة:
"مانا محترم أهو، أنا عملتلك حاجة؟! أنا رايح أجيب هدومي من الدولاب، وانتي اللي واقفة قدامه مش مخلّياني أعرف أمد إيدي!"
أخذت نفسًا مرتجفًا، وقالت ووجهها يحمر:
"طيب... أوعى، خليني أعدي عشان تعرف تاخد هدومك!"
ابتسم بخبث طفولي وقال:
"ما تعدي... هو أنا ماسكك؟!"
هتفت بعصبية:
"مراد، ماتدايقنيش... هعدي إزاي وانت قافل السكة كده؟!"
وهو ما زال مستمتعًا بالموقف، أشار إلى الدولاب قائلًا:
"اختاري معايا طيب، ألبس إيه... وبعدين هخليكي تعدي!"
دفعت صدره بقوة وقد تزايدت ضربات قلبها، فتراجع قليلًا، واستغلت الفرصة وهرعت خارجة من الغرفة،
صوته يلحقها:
"جبانة! أوعي تاكلي من غيري... أنا هاجي على طول!"
عندما خرجت تاليا، وضعت يدها على صدرها، تحاول تهدئة قلبها الثائر.
ثم ذهبت لغسل وجهها بالماء البارد، تحدث نفسها بصوت هامس:
"اتجنن ده ولا إيه؟! ماله مش طبيعي النهارده كده ليه؟!"
الماء البارد لم يكن كافيًا ليطفئ الحُمرة المشتعلة في وجهها،
ولا ليسكت ذاك القلب الذي صار يدق... لا خوفًا فحسب... بل لسبب آخر بدأت تاليا تخاف أن تعترف به حتى لنفسها.
sara ahmed