الفصل السابع

الفصل السابع

12 0

جلس "مراد" في العتمة، وحده، لا صوت إلا خفق قلبه المضطرب وهدير الصمت الذي يبتلعه قطعةً قطعة. كان لا يزال جالسًا على الأريكة، حيث تركته تاليا منذ قليل، يتأمل الأرض كأنها قد تحمل له إجابة عن سيل الأسئلة الذي يغمره بلا رحمة.

حاول أن يتذكر... أي شيء.

أي صورة، أي لمحة من ماضيه معها.

لكن ذاكرته كانت خاوية، أرضٌ بور لا تثمر، كل ما علق بها صورة واحدة لا يعرف متى التُقطت له في خياله... تاليا، ترتدي فستانًا أسود قصيرًا، شعرها منسدل على كتفيها، تضحك كأنها لا تحمل في قلبها ذرة حزن، وكأنها... تحبه.

تلك الصورة سكنت عقله كالخنجر... أهي حقيقة أم خيال؟ متى كانت؟ ولماذا لا يتذكر؟

كل ما يعرفه عنها الآن، هو ما رأه الليلة من جرحٍ تتحدث به عيناها، من حقدٍ لم يكن وليد لحظة، بل عمرٍ من الإهمال.

“أنا لازم أفهم.”

قالها بصوت مسموع وهو ينهض فجأة من مكانه، كأن الهموم أثقلت روحه فقرر أن يتخلص منها بالحركة، بالبحث، بالسؤال.

أمسك هاتفه وأخذ يتصل بوالده.

مرة، اثنتان، ثلاث... حتى جاءه الصوت أخيرًا من الطرف الآخر، صوت والده:

"ألو، أيوه يامَراد؟! في حاجه؟"

أخذ نفسًا عميقًا ثم قال:

"بابا... هو أنا... هو أنا علاقتي بتاليا كانت عاملة إزاي؟ أقصد يعني اتجوزنا ليه؟ أو إزاي؟ حياتنا كانت عاملة ايه قبل ما أعمل الحادثة؟!"

جاءه الرد بعد لحظة من الصمت:

"علاقتكوا كانت عادية زي أي زوجين، بتحبوا بعض. إنت بردو ماافتكرتش حاجه عنها؟"

زمّ مراد شفتيه، شعر أن قلبه ينقبض:

"لا، مش قادر افتكر حاجة... بس من الواضح إننا مش زي أي زوجين بيحبوا بعض زي ما انت بتقول."

رد الأب بسرعة:

"ليه بتقول كده؟!"

لكن مراد لم يرغب في الخوض، شعر أن والده إما لا يعلم، أو لا يريد أن يقول الحقيقة، لذا قال بهدوء مصطنع:

"مفيش حاجة يا بابا، ماتشغلش بالك... أنا هقفل دلوقتي، وهكلمك بعدين."

وضع الهاتف جانبًا، لكنه لم ينتظر طويلًا، أدار اسمه في سجل المكالمات واتصل بأمه، لعلها تعرف أكثر، لعلها... تُخرجه من هذا الغموض.

ردت والدته بصوتها الحنون:

"أيوه يا حبيبي؟ لسه صاحي؟"

قال بلا مقدمات، كأن السؤال يشتعل بداخله:

"ماما، هو أنا وتاليا... يعني إحنا اتجوزنا ليه؟ علاقتنا كانت عاملة إزاي؟ قبل الحادثة؟"

سكتت قليلًا، ثم قالت بنبرة صريحة:

"بصراحة يا مراد، انت اتجوزتها من الأول عشان باباك، لأن باباها كان صاحبه ووصاه عليها قبل مايموت.وهي عشان ماتسافرش عند أهل مامتها، باباك غصبك تتجوزها... لكن بعد الجواز أنا معرفش علاقتكوا كانت عاملة إزاي.أنا سألتك كتير، بس ماكنتش بتقولي حاجة.بس اللي أعرفه إنك كنت بتقعد عندها بالشهور، ولما كنت بتيجي البيت كنت بتبقى مبسوط، وعايز ترجع بسرعة، فـ أنا حسيت إنك حبيتها ومرتاح... عشان كده كنت بتبقى عايز تفضل في مصر."

مراد اتسعت عيناه بدهشة حقيقية، وكأنها قالت شيئًا صادمه فسألها:

"كنت بقعد هنا شهور؟!

انتي متأكدة يا ماما؟!"

ردت بثقة:

"أيوه طبعًا متأكدة.انت كنت بتيجي لما باباك يتصل عليك عشان الشغل هنا، وكنت بتيجي مضطر."

أنهى مراد المكالمة وهو يشعر أن الأرض تهتز من تحته...

متى حدث كل هذا؟!

لقد أخبرته "تاليا" أنها كانت تقضي الوقت وحدها، أن حضوره كان كزائر عابر، يومًا أو يومين، بالكاد يرى ظلها ويغادر.

فمن منهما يكذب؟

لكن لا... "تاليا" لا تعرف شيئًا عن الحادثة، لا تعلم أن ذاكرته ممزقة... لماذا ستكذب عليه إذن؟

هي أخبرته بما عايشته، بما كانت تشعر به...

إذن من الذي أخفى الحقيقة؟ من الذي صاغ له ذاكرة غير التي كانت؟

"أين كنت أقيم كل تلك الشهور إن لم أكن معها؟!"

جلس على سريره، وضع رأسه بين يديه، الوهم ينهشه، والشكوك تنهش قلبه.

هو لا يتذكر، وهم لا يخبرونه بالحقيقة...

وتاليا... تاليا تمشي أمامه الآن بألف حكاية لم يكن فيها بطلًا، بل كان غائبًا، ظلاً باهتًا في حياة فتاة تستحق أن تُحب.

ربما لم يكن يحبها، ربما لم يكن يومًا يُجيد التعبير...

لكن ما فعله بها كان أشبه بالقتل البطيء...

تركها تنزف وحدها، ثم عاد ليُعاتبها على الدم.

أغمض عينيه، وتسللت من ذاكرته تلك الصورة مرة أخرى...

هي، بنفس الفستان الأسود، تضحك...

وهو، واقف خلفها، ينظر إليها كأنها كل النساء.

لكن أي مراد كان هذا؟ وأين ذهب؟

وهل يمكن أن يعود من جديد؟

أم أن كل شيء... قد فُقِد؟

قضى "مراد" ليلته مشوش الذهن، عاجزًا عن لملمة أفكاره أو إراحة جسده، ظلت كلمات والدته ترن في أذنه:

"كنت بتقعد عندها بالشهور... وكنت بترجع مبسوط."

إن كانت هذه الحقيقة، فأين كان عقله؟ أين كانت ذاكرته حينها؟ ولماذا تصر تاليا على أنه لم يكن بجانبها أبدًا؟ أهي الحقيقة كما عاشتها؟ أم أنها تحكيها كما شعرت بها؟

لم يستطع النوم، لم يغمض له جفن. جلس حتى أشرقت الشمس، متكئًا برأسه إلى الخلف، ناظرًا إلى سقف الغرفة كمن ينتظر أن تهبط عليه الحقيقة من أعلى.

في المقابل، كانت "تاليا" تمارس طقوسها الصباحية كعادتها.

ارتدت ملابسها الرياضية — سروالًا رماديًا ضيقًا وتي شيرت أبيض بأكمام طويلة — وخرجت من غرفتها متجهة إلى الخارج، عاقدة نيتها على الانفراد بالهواء الطلق، علّ الجري يخرج ما علق في قلبها من ثقل الليلة الماضية.

ما إن فتحت الباب حتى فوجئت بمراد واقفًا أمامها، يرتدي ملابس رياضية .

قال لها وهو يبتسم ابتسامة خفيفة، وكأنها محاولة لكسر الجليد: "صباح الخير يا تاليا، حلو لبسك النهارده، صحيح هو ضيق بردو... بس على الأقل مش مكشوف."

نظرت إليه ببرود، ثم قالت باقتضاب: "صباح النور."

ثم التفتت وأخذت زجاجة الماء وهمّت بالخروج.

ولكنها شعرت بخطوات تتبعها، فنظرت خلفها، لتجده يسير بجوارها. رفعت حاجبيها في تساؤل: "في حاجة؟!"

ابتسم قائلًا: "لا مفيش... جاي أجري معاكي، بقالي كتير ماعملتش تمارين."

نظرت إليه بعدم تصديق، وقالت بتعجب: "تجري معايا ليه؟! ما تشوفلك مكان تاني تجري فيه."

ضحك مراد بخفة وقال: "ليه؟ وبعدين أنا معرفش أماكن تانية هنا، افرضي توهت... يرضيكي أتوه يا تاليا؟!"

هزّت رأسها في ضيق وقالت وهي تخرج من الباب: "والله ماتعرفش أماكن هنا؟! مش إنت اللي اخترت المكان ده؟! وبعدين... ماتتوه، أنا مالي."

انطلقت بالجري بخفة وخفة ظل، وكأنها تحاول الهرب منه، ولكنه لحق بها، متجاهلًا تلميحاتها الواضحة بعدم الترحيب.

وبعد دقائق، أوقفها صوته المتقطع: "انتي يا بنتي... أنا معدتش قادر... انتي مابتتعبيش؟! أقفي شوية، أنا تعبت."

التفتت إليه، نظرت إلى وجهه المتعب وقالت: "مش قد الجري ماتجريش. اللي مش قد حاجة مايعملهاش، وبعدين مش إنت اللي صممت تجري؟ اجري بقى!"

أجاب وهو يتنفس بصعوبة: "أنا غلطان... بس أقفي بقى، وحياة الرياضة اللي بتعمليها أقفي شوية استراحة!"

توقفت، وانفجرت ضاحكة. لقد كان شكله مضحكًا بحق، شعره مبعثر، يتنفس وكأنه خاض معركة، ووجهه يكاد يقطر عرقًا.

استمرت تاليا في الضحك، ضحكة من القلب، لم تضحك هكذا منذ وقت طويل.

قال مراد وهو يلهث، ساخرًا من نفسه: "خلاص بقى، كفاية ضحك، قولتلك بقالي كتير ماعملتش رياضة، جسمي خد على الراحة... انتي ماشوفتنيش أيام الرياضة إنتي."

زاد ضحكها أكثر، حتى دمعت عيناها.

فقال بنبرة مازحة: "انتي بتعرفي تضحكي أهو زينا، يا شيخة، ده أنا افتكرتك بومة!"

توقفت، نظرت إليه وقد تبدلت ملامحها سريعًا: "لما أنا بومة... إنت تبقى إيه؟!"

ابتعدت عنه بخطوات غاضبة، فصرخ خلفها: "أحلى بومة والله!"

لم تلتفت، ولكن ابتسامة صغيرة كانت على طرف شفتيها، لا شعوريًا.

وفجأة، قطع هذا المشهد صوت الجدة "صفية"، جارتها الطيبة التي تجلس يوميًا في حديقة منزلها: "يا توتا! صباح الخير."

اتجهت تاليا إليها، مبتسمة، وقالت: "صباح النور يا تيتة صفية، قاعدة من بدري ولا إيه؟!"

نظرت الجدة خلف تاليا فرأت مراد، قالت بحدة: "مين الواد اللي ماشي وراكي ده؟! هو بيدايقك ولا إيه؟!"

نظرت تاليا إليه، وقبل أن ترد، قال مراد وهو يقترب: "أنا مراد... جوزها."

تأملته الجدة مليًا، ثم قالت: "إنت بقى جوزها... أول مرة أشوفك معاها، إيه الشغل هيطير؟! ليل ونهار شغل! كل ما أسألها تقولي: في شغل."

قاطعتها تاليا محاولة تغيير الموضوع: "يا تيتة صفية، حضرتك فطرتي؟!"

ردت الجدة: "آه فطرت، بس عايزة أشرب شاي."

تاليا، بنبرة حاسمة: "شاي إيه؟ الدكتور قال ممنوع، أنا هعمل لحضرتك عصير فريش أو حاجة سخنة، بس مش شاي."

تنهّدت الجدة قائلة: "انتي دماغك ناشفة ليه؟! كل مرة بتغلبيني. أنا عايزة أشرب شاي، انتي مالك... يا بومة!"

انفجر مراد ضاحكًا بشدة، بينما نظرت إليه تاليا بغضب واضح، ثم قالت: "أنا هعمل عصير فريش. أكيد الفاكهة اللي جبتها لحضرتك امبارح ماتاكلش منها حاجة، كالعادة."

ردت الجدة وهي تلوّح بيدها: "هتلاقيها مكان ما حطّيتيها. ادخلي اعملي اللي تعمليه... هو أنا بقدر عليكي؟!"

دخلت تاليا إلى المطبخ، وفي تلك اللحظة، أشارت الجدة إلى مراد أن يقترب، فلما اقترب، أمسكت بأذنه فجأة وجذبته نحوها، قائلة: "انت بتسيبها لوحدها ليه ها؟! حد يسيب الجمال ده كله لوحده؟ شغل إيه اللي مابيخلصش ده؟ خليك لحد ما تطير منك! البت حلوة وطيبة وألف عين عليها.وانت سايبها كده؟ محدش يعرف إن في راجل في حياتها، انت عبيط ولا حاجة؟!كل يومين واحد ييجي يسألني عليها، أقول له متجوزة، بس هيعرفوا منين؟!ما انت لو بتمشي جنبها هيعرفوا.إنما انت سايبها في كل حتة تروح لوحدها. خليك لازق لها كده، خلى الناس تعرف إنها متجوزة... هو أنا اللي هعلمك؟!"

صرخ مراد وهو يتألم: "حاضر! هعمل كل اللي قولتيه، بس سيبي ودني أرجوكي!"

خرجت تاليا من المطبخ، ناولت الجدة العصير، وتحادثوا قليلاً، ثم غادرت لتكمل رياضتها. تبعها مراد وهو لا يزال يبتسم.

رآها من بعيد تتحدث مع الجدة بود بالغ، وتفانٍ حقيقي، شيء ما في قلبه ارتجّ.

هناك جانب آخر فيها لم يعرفه من قبل.

اقترب منها وقال: "شكلكوا واخدين على بعض أوي... انتوا تعرفوا بعض من زمان؟!"

ردت ببساطة: "من لما جيت هنا تقريبًا. دايمًا كانت بتبقى قاعدة كده لوحدها وبتكلمني كل لما بعدي... اتعودت كل يوم بشوفها وبنتكلم شوية. حتى لما ولادها بييجوا، بتقعد معاهم في نفس المكان بردو."

قال مراد وهو يحكّ رأسه: "شكلها طيبة... بس إيدها تقيلة أوي."

ثم مسح أذنه، والضحكة تعود لوجهه.

ابتسمت تاليا، ولكن هذه المرة، لم تُخفِ ابتسامتها... تركتها تظهر.

كانت الابتسامة تزين وجه "تاليا" حين مرّت بجانبهما طفلة صغيرة، احتضنتها بحنان وكأنها تعرفها من عمر، ثم حيّت والدتها التي ابتسمت لها بدورها. لم تكن تلك الطفلة الوحيدة. كلما مر أحد من الجيران، حيا تاليا بحرارة، وكأنها زهرة نابتة في قلب الحيّ، يبتسم لها الجميع. كانت تاليا تتعامل مع كل من يمر وكأنها تعرفهم عن قرب، تبتسم فيسألونها بودٍّ:

"مين ده؟"

وكان مراد يجيب، كل مرة دون أن يملّ:

"أنا جوزها."

ابتسامة صغيرة كانت ترتسم على شفتيه في كل مرة ينطق فيها بتلك العبارة، وكأنه يستكشفها من جديد... يستكشف إحساسًا لم يألفه من قبل.

وصل الاثنان إلى المنزل، اتجه كلٌ منهما إلى غرفته، استحمّا، ثم خرجا في التوقيت ذاته وكأن الزمن أراد أن يجمعهما صدفة مرة أخرى. توجهت تاليا إلى المطبخ لتحضير عصيرها المعتاد، ولحق بها مراد، جلس أمامها، وقال:

"اعمليلي معاكي من اللي بتعمليه."

ثم أضاف مستفسرًا وهو ينظر إلى المكونات الطازجة:

"عصير إيه ده؟!"

ردّت وهي تضع الفواكه بالخلاط:

"كوكتيل فواكه فريش... without sugar."

أجاب مندهشًا:

"بيتشرب من غير سكر؟!!!"

أجابت بثقة وبساطة:

"كده بيكون healthy أكتر."

تأملها بنظرة طويلة، وقال:

"واضح إنك مهتمة بصحتك وجسمك... جسمك جامد... أقصد رياضي."

ابتسمت بخفة وقالت:

"أكيد، كل واحد لازم يهتم بجسمه وصحته ويعمل رياضة، حتى لو نص ساعة كل يوم. ده بيغير من حياتك، بتحس إنك أحسن في كل حاجة. الشكل بيتغير، والمزاج كمان، لأن الرياضة بتفرز هرمونات بتخليك تسترخي وتحس بالسعادة."

نظر حوله إلى المكتبة الصغيرة في زاوية المطبخ، ولاحظ كمّ الكتب المرصوصة بعناية، فسألها:

"انتي بتحبي تقري كمان؟ شوفت هنا كتب كتير... انتي قريتيها كلها؟!"

أومأت بإيجاب قائلة:

"أيوه، أنا بحب أقرأ. زي ما باهتم بجسمي وأكلي، لازم أهتم بعقلي كمان. بحس إني مش لوحدي لما بقرأ... بحس إني عايشة في العالم اللي بقراه، خاصة لو رواية... بعيش تفاصيلها كأنها حقيقية."

انتهت من تحضير العصير، وضعته أمامه، تذوقه بحذر ثم قال بدهشة:

"جميل أوي... ماتوقعتوش كده. كنت فاكره هيبقى زي الدوا!"

ضحكت تاليا من تعليقاته، ثم عادت لتحضير الإفطار، فقالت بنبرة حاسمة:

"اعمل حسابك معايا."

أجاب بتلقائية:

"ده سؤال؟! بذمتك، يعني قطعتي نفسي من الجري على الصبح ومش عايزاني أفطر؟! أنا لازم أفطر فطار أبطال!"

كان ينظر إليها بإعجاب خفي كلما تحركت بخفة في المطبخ، تنظم الأدوات، ترتب الطاولة، وتنسق الطعام بشكل يُظهر ذوقًا راقيًا ومهارة ناعمة.

في عينيه، لم تكن تاليا فقط سيدة منزل، بل كانت أنثى كاملة تجمع بين الأناقة والذكاء، البساطة والقوة.

أدرك في صمت أن هذا البيت الذي بدا منظمًا ونظيفًا على الدوام لم يكن ثمرة جهد خادمة، فسأل:

"تاليا... هو مين اللي بينضف البيت؟!"

أجابت ببساطة وهي تقطع الخضراوات:

"أنا... أنا بعمل كل حاجة في البيت."

ارتفع حاجباه بدهشة، وقال:

"ليه؟! مفيش حد بيساعدك في البيت؟!"

ردّت بابتسامة صغيرة:

"أنا بحب أعمل كل حاجة بنفسي. بحس باستمتاع وأنا بنضف أو بطبخ. وبعدين أنا طول اليوم فاضية، مفيش حاجة. شغل البيت بيسليني."

انتهت من إعداد الطعام، ساعدها مراد في حمله للطاولة، جلسا معًا لتناول أول وجبة إفطار جمعت بينهما.

كان شيء ما يختلف. الجوّ، الصمت الخفيف بينهما، نظراته، وحتى انشغالها الوهمي بالطعام حين شعر بها تتأمله.

نظر إليها وقال بمرح:

"الأكل جميل أوي... يا ترى بتعرفي تعملي غدا بردو حلو كده ولا انتي تخصص فطار بس؟!"

ضحكت، وردّت:

"أكيد بعرف طبعًا."

ابتسم قائلاً:

"خلينا نشوف بتعرفي تعملي غدا ولا لأ... بس بكره، لكن النهارده خلينا نتغدا بره."

نظرت إليه بصدمة خفيفة، وقبل أن ترد، أكمل:

"عايزك تيجي معايا أجيب لبس، أنا مالقتش ليا لبس هنا غير طقمين بس. مش معقول هفضل لابس اللبس ده... أنا لابس بدلة دلوقتي في البيت، حاسس إني رايح مقابلة شغل ولا حاجة، مش بفطر!"

ضحكت تاليا بصوت خافت، ثم قالت:

"بصراحة... أنا من أول ما شُفتك عايزة أسألك... انت لابس كده عشان هتفطر؟! يعني قولت في عقلي... هو ده لبس الفطار عندك؟ ولا دي طقوس مثلاً للفطار؟!"

ضحك مراد قائلًا:

"لا يا ظريفة، مالقتش ليا لبس هنا غير طقمين بس!"

قالت تاليا باستغراب:

"انت مش عارف لبسك اللي هنا ولا إيه؟!"

أجاب متداركًا:

"لا عارف طبعًا... بس ماكنتش أعرف إني هقعد كتير هنا."

سكتت تاليا، لم ترد. كان الصمت علامة على التفكير.

لكنه لم يترك لها مجالًا للهروب، فقال بنبرة شبه جادة:

"تعالي معايا نشتري لبس."

ردّت بحذر:

"أجي معاك ليه؟ أنا مش بفهم في لبس الرجالة، وبعدين ما تروح إنت لوحدك."

ابتسم بمرح وهو يقلد لهجة الجدة صفية:

"هو انتي دماغك ناشفة ليه... زي ما تيتة صفية قالت؟! ماتسمعي الكلام من غير مناهدة. أنا عايزك تيجي معايا... تختاري معايا... ونتغدا بره... ونرجع، عشان أنا زهقت من قعدة البيت."

تاليا لم تكن تعرف كيف ترد، ولا ما القرار الصائب. عقلها كان مشوشًا، مشاعرها ممزوجة بين الحذر والارتباك، وبين الدهشة من تصرفاته الجديدة.

هو ذاته الشخص الذي تجاهلها لسنوات، أصبح الآن يُريد أن يتشارك معها وجبة، وأن تخرج معه، وأن تضحك.

هل تغير؟

أم فقط يُجرب أن يتقرب... لأمر ما بعقله

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لقد بلغت مرادي

المؤلف sara ahmed
2025/11/12 مكتملة
قائمة الفصول (46)
الفصل 1: الفصل الاول
2025/11/12
الفصل 2: الفصل الثاني
2025/11/12
الفصل 3: الفصل الثالث
2025/11/12
الفصل 4: الفصل الرابع
2025/11/12
الفصل 5: الفصل الخامس
2025/11/12
الفصل 6: الفصل السادس
2025/11/12
الفصل 7: الفصل السابع
2025/11/12
الفصل 8: الفصل الثامن
2025/11/12
الفصل 9: الفصل التاسع
2025/11/12
الفصل 10: الفصل العاشر
2025/11/12
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2025/11/12
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2025/11/12
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2025/11/12
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2025/11/12
الفصل 15: الفصل الخامس عشر
2025/11/12
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2025/11/12
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2025/11/12
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2025/11/12
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2025/11/12
الفصل 20: الفصل العشرون
2025/11/12
الفصل 21: الفصل الواحد والعشرون
2025/11/12
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون
2025/11/12
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرون
2025/11/12
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرون
2025/11/12
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرون
2025/11/12
الفصل 26: الفصل السادس والعشرون
2025/11/12
الفصل 27: الفصل السابع والعشرون
2025/11/12
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرون
2025/11/12
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرون
2025/11/12
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2025/11/12
الفصل 31: الفصل الواحد والثلاثون
2025/11/12
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2025/11/12
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2025/11/12
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2025/11/12
الفصل 35: الفصل الخامس والثلاثون
2025/11/12
الفصل 36: الفصل السادس والثلاثون
2025/11/12
الفصل 37: الفصل السابع والثلاثون
2025/11/12
الفصل 38: الفصل الثامن والثلاثون
2025/11/12
الفصل 39: الفصل التاسع والثلاثون
2025/11/12
الفصل 40: الفصل الاربعون
2025/11/12
الفصل 41: الفصل الواحد والاربعون
2025/11/12
الفصل 42: الفصل الثاني والاربعون
2025/11/12
الفصل 43: الفصل الثالث والاربعون
2025/11/12
الفصل 44: الفصل الرابع والاربعون
2025/11/12
الفصل 45: الفصل الخامس والاربعون
2025/11/12
الفصل 46: الفصل الاخير
2025/11/12

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة