حينما حطّت قدماه أرض مصر، لم يكن كأي مسافر عاد لتوّه من غربة، بل كان كطفل وُلد من جديد، يُحاول فهم كل ما يحيط به. عينيه راحتا تتنقلان ببطء ما بين الوجوه والسيارات والمباني، كأنّه يراها للمرة الأولى، أو كأنّها شريط سينمائي قديم يحاول عقله استرجاعه من ذاكرة مثقوبة.
تأمّل الميدان الذي مرّ بجواره، شعور غريب راوده.. يعرفه، رأى هذا المكان من قبل، يشعر أنه مر من هنا، ولكن متى؟ ومع من؟ وكم مرة؟ كل ذلك تلاشى من ذاكرته كأثر خطى على رمال الشاطئ، مسحتها موجة غادرة. لم يتبقَّ في رأسه سوى ومضة، مجرد لمحة تهمس: "أنت تعرف هذا المكان"، ثم تصمت.
كل التفاصيل ضبابية، غير واضحة، كلوحة باهتة الألوان تلاشت ملامحها بمرور الوقت. لا يتذكّر حالته النفسية في تلك اللحظة، لا يتذكر إذا ما كان سعيدًا، غاضبًا، أو حتى حزينًا، لا يتذكّر شيئًا سوى أنه مر من هنا ذات يوم.
لكنه لم يترك لنفسه الوقت ليغرق في هذا الضياع. ما يشغل باله الآن هو أمر آخر، أكثر إلحاحًا، أكثر واقعية: كيف سيصل إلى ذلك المكان الذي أخبره والده أنه يسكن به هنا في مصر؟ لا يتذكر العنوان، ولا الطريق إليه، فقط يعرف أنه موجود... مكان اشتراه منذ خمس سنوات ليعيش فيه مع زوجته.
زوجته...!
كلمة تزلزل عقله كلما نطقها في سره.
هو الذي عاش حياته ما بين ألمانيا ومصر متنقلاً بحكم عمل والده، يتذكر المقر الرئيسي للشركة، يتذكر وجوه بعض الموظفين، يتذكر المقهى الذي كان يجلس فيه لساعات، والمطعم الذي لا يملّ من أطباقه، حتى الطرقات يعرفها كراحة كفّه... لكنه لا يتذكّر هذا البيت الذي يُفترض أنه منزله، ولا يتذكّر زوجته!
أخرج هاتفه بيد مرتجفة واتصل بالرقم الذي أعطاه له والده، رقم أحد مساعديه في مصر كما أخبره. ردّ الرجل بسرعة، وبصوت مهذب أعطاه العنوان مفصلًا. أعطى مراد العنوان لسائق التاكسي، فانطلق به في هدوء يخالف العاصفة التي كانت تضرب داخله.
الطريق بدا له غريبًا، منعزلاً. دقائق مرت كالساعات حتى وصل إلى مكان لم ترَ عيناه مثله من قبل... أو هكذا ظن.
حيّ هادئ أشبه بالصمت، لا يعج بالحركة ولا يزخر بالحياة، به بعض الفلل الحديثة، ومبانٍ أخرى ما تزال عظامها خرسانة عارية تنتظر أن تُكسى بالطوب والدهانات. حين هبط من التاكسي، وقف مترددًا، كأنّ قدميه ترفضان التحرك.
راح يتلفت حوله بدهشة، داخله سؤال ملحّ:
لماذا اختار هذا المكان المنعزل؟ هل كان يحب الهدوء؟ هل كان يبحث عن العزلة؟ هل تغيّر في السنوات الست الأخيرة؟ لا يعلم.
ثم قفزت فكرة أخرى إلى ذهنه كالصاعقة:
هل كانت زوجته من اختارت هذا المكان؟!
شعر بالاضطراب، تعكّرت ملامحه واهتز قلبه بين جنبيه.
من هي هذه الزوجة؟ كيف تزوّجها؟ هل أحبها؟ وهل أحبّته هي؟
من اعترف أولًا؟ ومن كان الأقوى؟ من كان الأضعف؟
أسئلة تتراكم كالجليد، تثقل رأسه وتجمّد قلبه.
كل ما أخبره به والده عنها هو اسمها: "تاليا"، وأنها في الخامسة والعشرين من عمرها، وأنهما تزوّجا قبل خمس سنوات.
لا شيء أكثر. لا ذكرى، لا لمسة، لا صورة في عقله تبرر هذا الارتباط العميق.
تعلّل والده قائلاً إن عليه أن يتذكّر كل شيء وحده، وإنها الطريقة الأفضل لتعافيه. الطبيب أيّد ذلك، وقال إن الذاكرة لا تُغصب، وإن عليه أن يستعيدها خطوة خطوة، كأنها سلم طويل يصعده على مهل.
ومع ذلك، شيء بدا غريبًا... مراد استعاد ذاكرته منذ استيقاظه من الغيبوبة قبل أربعة أشهر ، تذكر والديه، أصدقاءه، عمله، ذكريات الطفولة. لكن والده لم يذكر له أمر الزوجة إلا منذ أسابيع قليلة.
لماذا؟!
هل كان يخفي شيئًا؟
وما يزيد الغرابة أن هذه الزوجة، تاليا، لم تحاول الاتصال به طوال هذه الشهور، لم ترسل رسالة، لم تسأل، لم تظهر في الأفق... بالرغم من أنها لا تعرف شيئًا عن الحادث الذي حدث له بألمانيا، والذي أوقعه في غيبوبة دامت ثلاثة أشهر.
هل لأنها لم تستطع الوصول إليه؟ بسبب أن هاتفه تحطم في الحادث؟
لكن ألا تملك رقم والده؟ أو والدته؟ أو أيًّا من أصدقائه؟!
كان هناك شيء غير منطقي، شيء لا يستطيع تفسيره.
ربما حين يراها... حين يقف أمامها وجها لوجه، ستنحلّ العقدة، وستعود الذاكرة تتدفق إليه كما تدفقت عند رؤيته لوالديه.
كان قد اتخذ قراره بالفعل: لن يخبرها بشيء. لن يُظهر أنه لا يتذكّرها. سيدعها تتصرف بعفويتها المعتادة، ليرى بنفسه كيف كانت معاملتها له. لا يريد منها أن تزيّف له الذكريات، ولا أن تعيد رسم الصورة كما تحب، بل كما كانت.
توقّف التاكسي أمام فيلا صغيرة يحرسها رجلان ضخما الجسد، بان على ملامحهما الانضباط والجدية. كان أحدهما يضع نظارة سوداء، بينما الآخر يراقبه عن كثب.
حين ترجل من السيارة، تقدم أحد الحارسين نحوه بخطى ثابتة، ثم ابتسم تحيةً وقال باحترام ظاهر:
– "أهلا وسهلا بحضرتك يا مراد بيه، حضرتك ليه ماقولتلناش زي كل مره عشان نستقبلك ف المطار؟!"
تجمّدت ملامحه للحظة، ثم ابتسم دون أن يرد.
لم يكن يملك جوابًا حقيقيًا لهذا السؤال.
لم يكن يعرف إن كان يأتي إلى هنا كثيرًا من قبل... كل ما يعرفه أنه الآن، هنا، يبحث عن الحقيقة التي دفنتها السنوات الست الماضية خلف جدار النسيان.
لم يكن يعرف من يكون هذا الحارس، لم يتذكّر وجهه، لكن الرجل بدا وكأنه يعرفه جيدًا، ويتحدث معه بثقة وود، مما جعل مراد يرد تلقائيًا، محاولًا التصرّف وكأن شيئًا لم يكن:
– "الزيارة المرة دي جات مفاجأة، مالحقتش أعرف حد."
أومأ الحارس باحترام، وفتح له بوابة الفيلا التي صدأت بوحدتها، ثم ظلّ واقفًا بالخارج كما لو كان يحرس بوابة قصرٍ ملكيّ. دلف مراد إلى الداخل بخطى مترددة، يقوده فضوله أكثر مما يقوده وعيه.
لم يكن يتوقع أن يرى أحدًا في الحديقة، لكن ما إن خطا خطواته الأولى حتى وقعت عيناه عليها…
كانت تقف وسط زهور عباد الشمس، كأنّها تنتمي إلى هذا المكان لا إليه. فتاة ترتدي فستانًا قطنيًا أبيض اللون، تزيّنه فراشات بنفسجية متناثرة برقة، يصل طوله إلى ركبتيها. بين يديها خرطوم مياه يبدو أنها كانت تروي به الزهور. شعرها البني الطويل ينسدل على ظهرها بحرية، يصل إلى أسفله، يتمايل مع النسيم كما تتمايل سنابل القمح في الحقول البعيدة.
ثم استدارت نحوه ببطء، وكأنها شعرت بوجوده قبل أن تراه...
وحين استدار وجهها نحوه، توقف الزمن.
تجمّد مكانه، فاغرًا فاه، عاجزًا عن الكلام. عيناه التهمتا تفاصيل وجهها بنهم.
أول ما دار في خلده:
"سبحان من أبدع خلقك…"
كانت كأنها زهرة خرجت لتوّها من تربة الشمس، تحمل ملامح الطبيعة التي تحيط بها، بعينين بلون السماء، وأنف مستقيم صغير، وفمٍ صغير تتزين شفاهه بلون حبات الفراولة. بشرتها لم تكن بيضاء كالثلج، بل فيها دفء يشبه لون القمح الناضج، ذلك اللون الذي يبعث الراحة في النفس.
أما جسدها، فكان متناسقًا كمنحوتة، أنثويًا حد الإدهاش، لا يُمكن تجاهل حضوره.
كانت جميلة... بكل ما في الكلمة من معنى. وهذا ما فكّر به حقًا، قبل أن تقطع عليه سيل أفكاره بنبرة رسمية خالية من الانفعال:
– "حمد الله على سلامتك، محدش قالي إنك جاي زي كل مرة عشان أعمل حسابي."
اهتز صوته من الداخل، فتذكّر أنه يجب عليه أن يتكلّم، أن يلعب الدور الذي اختاره لنفسه، دور الرجل الذي لم يفقد ذاكرته فقال:
– "أصل السفر المرة دي جه فجأة، ومالحقتش أقول لحد."
لم تُجبه. لم تنظر إليه حتى. استدارت وسارت إلى داخل المنزل بخطى واثقة وهادئة، لا تشي بشيء. تبعها مراد دون أن ينبس ببنت شفة، وعقله يدور في دوامة.
"ما هذا الاستقبال البارد؟!"
أيعقل أنها زوجته؟! أهذه المرأة الجميلة التي خطفت أنفاسه لم تهتز لرؤيته بعد غياب شهور؟!
لا عناق، لا دمعة، لا حتى ابتسامة دافئة؟!
هل علاقتهما كانت سيئة إلى هذا الحد؟ هل كان غريبًا عنها وهي زوجته؟
كان يتأمل ظهرها وهي تمشي، تحاول أن تخفي مشاعرها خلف نبرة الحياد، حتى دخلت إلى قلب المنزل، ثم قالت بصوت خالٍ من الحماس، دون أن تنظر إليه:
– "تحب أعملك حاجه تاكلها؟ الست اللي بتيجي تنضف أوضتك وتعملك أكلك ماجتش... الظاهر محدش قالها بردو."
رفع حاجبيه بدهشة، وراح يحدّث نفسه في صمت، صراع خفي يدور داخله:
"الست اللي بتيجي تعملي أكلي؟! يعني هي ما بتطبخش؟ولا أنا كنت بقرف آكل من إيديها؟!
ولا فيه إيه بالظبط؟!بس إزاي… دي يتقرف من إيديها؟ ونبي!"
كانت هذه الأسئلة تتضارب في عقله كأمواج متصارعة، يفتقد فيها أي نقطة ارتكاز.
أفاق من دوامة أفكاره على نظرة منها، استدارت تنظر إليه كأنها تنتظر ردًا. فهزّ رأسه وأجابها ببساطة:
– "لا… أنا أكلت ف الطيارة.أنا هدخل آخد دش وأغيّر هدومي الأول، وبعدين أبقى آكل أي حاجه على ما الست دي حد يكلمها وتيجي."
هزّت رأسها دون تعليق ولم تجبه.
كأن صمتها هو اللغة السائدة بينهما، لا يقطعه إلا سؤال منه أو نظرة خاطفة منها، وكلّ منهما يحمل ما هو أكثر من الكلام.
مراد وقف لحظة يتأمل جدران المكان... كل شيء غريب، لكنه مألوف بشكل ما، كأنّه عاش هنا في زمن آخر، أو في حلمٍ نسي تفاصيله عند استيقاظه.
المكان مرتب، نظيف، بسيط في ديكوراته، تنبع منه رائحة زهرة الياسمين، ممزوجة برائحة أنثى... رائحتها.
التفت مراد مغادرًا الردهة، عازمًا على الذهاب إلى غرفته التي أخبرها بأنه سيتوجه إليها ليأخذ حمامًا ويبدّل ثيابه. لكنه ما إن استدار حتى توقف في مكانه، مجمدًا كما لو أصابه تيار بارد من المجهول...
أين هي تلك الغرفة؟
حدّق في أنحاء الفيلا، وكأنها عالم جديد عليه.
كل شيء غريب ومألوف في ذات الوقت، كأنّه رآه يومًا ما، أو ربما فقط حلم به في غيبوبته.
الفيلا كانت تتكوّن من طابق واحد فقط، ذات تصميم حديث لا يخلو من دفء بسيط. كان يقف الآن في الردهة الفسيحة، حيث تقبع طاولة سفرة صغيرة بأحد الأركان تحيط بها عدة كراسٍ خشبية، خلفه مباشرةً كان هناك مطبخٌ مفتوح على الطريقة الأمريكية، يمتد بنعومة إلى الصالة، حيث توجد بعض الأرائك الرمادية التي تتوزع حول منضدة زجاجية منخفضة، وفوقها شاشة كبيرة معلقة بالجدار. المكان هادئ، مرتب، لا يبدو عليه أثر الإهمال، لكنّه يفتقد للحياة… مثل أصحابه تمامًا.
إلى جانب تلك الجلسة توجد غرفة بابها مفتوح قليلًا، بينما على الجهة الأخرى، في الركن القصي من الفيلا، بدت هناك غرفة أخرى بعيدة، مغلقة لا يُرى ما بداخلها.
فوقف حائرًا، لا يعلم أيًّا منهما هي "غرفتهم".
حاول أن يتبع حدسه، فالغرفة الأقرب والمفتوحة بدت وكأنها المكان الأكثر منطقية لتكون هي ما يبحث عنه. توجه نحوها بخطى بطيئة، لكن وقبل أن تطأ قدماه عتبتها، أوقفه صوتها، مستغربًا:
– "انت رايح فين؟!"
توقف في مكانه فجأة، ثم التفت إليها كمن أُمسك متلبسًا، وأجاب، محاولًا التماسك:
– "داخل أوضتي عشان آخد دش وأغيّر هدومي زي ماقولتلك."
ردّت بنبرة استغراب أكبر، وقد رفعت حاجبها في دهشة حقيقية:
– "أيوه... بس دي أوضتي أنا!!"
تلعثم، ارتبك، ابتلع ريقه وأجاب مرتبكًا:
– "آه… صح، معلش… عشان بقالي كتير مسافر، نسيت."
– "اه"، قالتها باقتضاب، ثم التفتت لتغادر الغرفة، بينما هو وقف مكانه، مذهولًا، مشوشًا، يحدث نفسه كمن يحاول استيعاب صفعة غير مرئية:
"أوضتها؟! يعني كل واحد فينا له أوضة؟!"
"أنا قلت من الأول إن الموضوع ده فيه إن، مصيبة لا يكون بابا بيشتغلني وبيقولي مراتي وهي مش مراتي… بس بابا هيستفيد إيه من كده؟! لا… أكيد لا، مش معقول.بس الموضوع ده مش طبيعي…لا يكون أنا دخلت فيلا غلط؟!بس ازاي… الحارس اللي برّه عرفني، وهي كمان عرفتني، يبقى أنا فعلاً في بيتي… بس أنا مش فاهم حاجه!"
وخلال زوبعة أفكاره، اتجه بخطوات مضطربة نحو الغرفة الأخرى، تلك التي تقع في الركن القصي، المغلقة. مدّ يده إلى مقبض الباب وحاول فتحه، لكنه لم يتحرك.
تنهّد بضيق، ثم التفت نحوها، وقد كانت توشك على الدخول إلى غرفتها، فناداها قبل أن تختفي خلف الباب:
– "الباب مش راضي يفتح."
وقفت، نظرت إليه باستغراب، ثم قالت:
– "ما هو المفتاح معاك… هي مقفولة من يوم ما سافرت كالعادة، ومحدش جه فتحها عشان ينضفها قبل ما تيجي زي كل مرّة."
جملة أخرى زادت من دوامة التساؤلات بداخله.
"كالعادة؟!"
يعني دائمًا ما كانت تُقفل هذه الغرفة؟!
ومن الذي يقرر ذلك؟ هو أم هي؟
ولماذا لم تُفتح قبل قدومه؟
أين ذهبت ذكرياته؟!"
لم يدرِ بمَ يجيبها، لكنه قرّر أن ينسج كذبة صغيرة، فربما تحميه من كشف حقيقته الآن:
– "أنا عارف إن المفتاح معايا… بس أصل أنا نسيته، مفيش هنا مفتاح تاني ليها؟!"
فكّرت للحظة، ثم قالت بهدوء:
– "ممكن تلاقي مع حد من البادي جاردز اللي برّه… أكيد واحد فيهم معاه مفتاح، لأن الست لما بتيجي تنضفها بتفتحها عادي، مش عارفة بقى هي اللي معاها المفتاح ولا هما… ممكن تسألهم."
هزّ رأسه، وخرج بهدوء من الفيلا، متجهًا نحو الحارسين عند البوابة. لمح أحدهما يجلس على المقعد الجانبي، يعبث بهاتفه. اقترب منه وسأله عن مفتاح الغرفة، فابتسم الحارس وقال ببساطة:
– "أيوه يا مراد بيه، معايا… اتفضل."
أعطاه المفتاح بكل سهولة، وكأنّ الأمر معتاد.
تناول مراد المفتاح، ولكن بدلاً من أن يتحرك، وقف مكانه يتأمل المفتاح في يده… قطعة معدن صغيرة تحمل ألف سؤال وسؤال.
"ليه أوضتي مقفولة؟!"
"وليه المفتاح مع الحارس؟ مش مع مراتي؟!"
"وإزاي الست اللي بتيجي تنضف معاها نسخة وأنا معايا نسخة… وهي لأ؟!"
كل شيء بدا معقدًا، متشابكًا، كأن هناك قصة لا يعرفها، حياة كاملة كانت تُدار في غيابه… أو ربما لم يعرفها من الأساس.
قبض على المفتاح بقوة، وعاد إلى داخل الفيلا.
هو لا يريد فقط أن يأخذ "دش" الآن…
بل يريد أن يغتسل من هذا الغموض الذي يثقل قلبه.
حين عاد إلى الداخل، لم يجدها.
توقف لثوانٍ في الردهة، نظر حوله باحثًا عنها، لكن المكان كان خاليًا. كل شيء ساكن، الصمت يسيطر على الزوايا، والهواء مشبع بعطر خافت لا يدري إن كان عطرها أم مجرد بقايا من حضورٍ لا يريد أن يُكمل حديثه.
وقعت عيناه على باب غرفتها، وقد أُغلق بإحكام. لم يكن ثمة شك أنها دخلت لتنعزل.
تنهد، واتجه إلى الغرفة الأخرى… غرفته.
أخرج المفتاح من جيبه وأدخله في القفل، فتح الباب، ثم ضغط زر الإضاءة…
كان الضوء باهتًا، أشبه بإضاءة في غرفة نُسيت.
الغرفة كانت صغيرة. سرير مفرد يقع في الزاوية، بجواره خزانة بسيطة، وحمام صغير ملحق بها.
جدران باهتة، لا صورة، لا شيء ينبض بالحياة.
كأنها غرفة لضيف مؤقت، لا لرب بيت… لا لزوج.
توجه إلى الخزانة، فتحها وهو يتوقع أن يجد فيها ما يُشعره بالانتماء…
لكنه لم يجد إلا بذلة رسمية واحدة، وزيًّا رياضيًا واحدًا، وملابس داخلية… واحدة.
حدّق في الخزانة بدهشة، ثم أغلقها ببطء.
"بس كده؟ دي كل هدومي؟!"
"أنا حتى ماجبتش هدوم معايا… على أساس إني جاي بيتي، بيت مراتي، يعني أكيد هدومي موجودة…"
ابتلع ضيقًا ثقيلًا، ثم قال في سره:
"في حاجة غلط في الموضوع ده وانا لازم أعرفها"
كانت الغرفة بها بعض الأتربة، كأنها حُبست شهورًا دون أن يمسّها أحد.
خلع قميصه بصمت، وأخذ الزيّ الرياضي من الخزانة، ثم اتجه إلى الحمام.
كان كل ما يريده أن يغتسل من هذا الإحساس المربك، أن يطرد من جسده أثر الطريق والقلق والغربة عن كل شيء… حتى عن نفسه.
خرج من الحمام بعد وقت لا يعلم كم طال، شعر ببعض الانتعاش، لكن عقله مازال مثقلاً.
قرر أن يخرج، أن يتحدث معها، أن يفهم ما يحدث…
ولكنها لم تكن هناك.
ما زال الباب مغلقًا.
وقف أمامه لحظات يتردد، هل يطرق؟ هل يطلب الحديث؟
هل يتظاهر بالاطمئنان؟
لا، لا ينبغي. علاقتهم تبدو رسمية لحدٍ يبعث على الغثيان.
هي لم تسأله حتى عن أخباره. لم تُبدِ أدنى اهتمام بغيابه الطويل.
قرر أن ينتظر… لعلها تخرج.
مرّت ساعة…
ثم أخرى…
ثم ثالثة.
لا شيء.
الملل بدأ يزحف إلى روحه، فخرج إلى الحديقة.
جلس قليلاً أمام المسبح، راقب انعكاس السماء، تلمّس برودة النسيم، لكنه لم يشعر بشيء.
الهدوء يلفّ المكان ككفن صامت.
كيف تحتمل هي كل هذا؟
ألا تشعر بالوحدة؟ بالاختناق؟
أيعقل أن تقضي أيامها هنا وحدها دون أن يصيبها الجنون؟
عاد إلى الداخل.
الهدوء ذاته… لا شيء تغير.
جلس على الأريكة، تعب، لم يكن يعرف من التعب الجسدي أم من تعب التفكير.
نظر بجواره، فوجد منضدة صغيرة مملوءة بالكتب.
كتب كثيرة.
مدّ يده وأخذ أحدها، ثم آخر، ثم رأى كتابًا مفتوحًا، بداخله علامة موضوعة في منتصفه… كأنها مازالت تقرأه.
تصفّحه بفضول، ثم توقف عند إحدى الصفحات، كان الكاتب يسأل القارئ:
"ما أكثر ما تتمناه في الحياة؟"
أجابت هي بخط يدها:
"أنا لا أتمنى شيئًا في الحياة، لقد انتهت حياتي واحترقت أحلامي.
كل ما أرجوه أن أختفي من هذا العالم الوحشي سريعًا… أن أذهب إلى أبي.
لقد افتقدتك كثيرًا يا أبي.
أتمنى أن يأخذني الله إليك قريبًا."
تجمد.
شعر بشيء ينقبض في صدره، كأن أحدهم سحب الهواء من الغرفة دفعة واحدة.
"يا إلهي…"
"ما هذا؟"
"هل تتمنى الموت؟!"
"هل حياتها تعيسة إلى هذا الحد؟!"
"هل أنا سبب ذلك؟! هل كنت زوجًا سيئًا؟ قاسيًا؟!"
"أم هناك شيء آخر لا يعرفه؟!"
أغمض عينيه، أحسّ بوخز في قلبه لم يفهم له سببًا، وأثناء انهماكه في التفكير…
سمع صوت باب يُفتح.
ارتبك.
أعاد الكتاب إلى مكانه بسرعة، وجلس متظاهرًا بالانشغال بهاتفه.
التفتت هي، ويبدو أنها لم تكن تتوقع وجوده، فصرخت وهي تضع يدها على صدرها ،ثم تراجعت سريعًا باتجاه باب غرفتها.
لكنه أوقفها، متفاجئًا من رد فعلها:
– "في إيه؟!… انتي اتخضيتي كده ليه؟!"
قالت دون أن تنظر إليه:
– "آسفة… أنا ماكنتش أعرف إنك قاعد هنا، افتكرتك خرجت زي كل مرّة، أنا بس كنت عايزة حاجه من جنبك."
أجابها وهو يشير بيده:
– "طيب… ما تيجي تاخدي اللي انتي عايزاه."
ترددت، وبدت مرتبكة وهي ترد:
– "لا… هبقى آخدها وقت تاني."
ثم التفتت لتغادر، لكن فجأة قال هو بسرعة:
– "أنا جعان… ممكن تعمليلي أكل؟"
توقفت.
نظرت إليه بدهشة، كأنها سمعته يتحدث بلغة غريبة.
ثم نظرت خلفها، وكأنها تتأكد إن كان هناك شخص آخر في المكان، ثم عادت تنظر إليه قائلة بدهشة لم تحاول إخفاءها:
– "أنا؟!!!"
يتجمد كل شيء للحظة، في عينيها سؤال خفي، ووراء كلماتها استفهام أكبر مما نطقته.
أما هو، فلم يكن يملك إجابة… كان فقط يريد أن يكسر هذا الجدار البارد بينهما… بأي طريقة.
sara ahmed