حين نطق مراد بالحقيقة، حين أفلتت كلماته من بين شفتيه كطلقات تصيب القلب لا الجسد، شعرت تاليا وكأن الدنيا تهتز من تحت قدميها، وكأن الهواء قد ثقل فجأة فلم تعد قادرة على التنفس. قالها دون مواربة: "عادل لم يكن صديقًا، لم يكن أخًا، لم يكن كما ظننتِه يومًا... لقد كان شريكًا فيما حدث لكِ."
تجمدت ملامحها، شحبت وجنتاها، وارتجفت شفتاها، كأنها تلقت صفعة لا من يد مراد، بل من الحياة ذاتها. لم تصدق أذنيها في البداية، بل راح عقلها يراجع شريط الذكريات، كل لقاء، كل حديث، كل ابتسامة ظنتها صادقة، كل لحظة حملت له فيها ودًا نقيًا لا تشوبه شائبة، والآن... تدرك أنها كانت تسير وسط حقل ألغام من الأكاذيب والخداع.
كم آلمها هذا الكشف المفاجئ، ليس لأنه خدعها فقط، بل لأنها لطالما آمنت به. لم تضعف أمامه يومًا، لكنها كانت دومًا حنونة معه، تقدم له النصح، تشاركه التفاصيل الصغيرة، تمنحه من وقتها ومشاعرها ما لا يُمنح عادة إلا لمن نحبهم بحق. ظنته شخصًا يمكن أن تُسند عليه الظهر وقت الحاجة، فإذا به أول من يغرس الخنجر حين تلتفت.
ازدادت دموعها وهي تتذكر تحذيرات حسن القديمة. كم من مرة قال لها بحسم لا يخلو من الغيرة الأخوية: "أنا مش مرتاح له... ماعجبتنيش نظراته ليكي."
كم من مرة أبعده عنها، وكم من مرة شعرت بانزعاج حسن دون أن تدرك حقيقته، بل كانت تظن أنه يبالغ، أنه يغار أو يشك بلا دليل.
أما الآن، فكل المواقف تعود لتتخذ هيئة أخرى. كل نظرة، كل كلمة، كل اهتمام زائف من عادل أصبح يُقرأ تحت ضوء جديد... ضوء الخيانة.
أحست بقلبها يتمزق، ليست تمزقات عاطفية معتادة، بل أشبه بشروخ روحية يصعب التئامها. فقد كانت تظنه الأخ، الرفيق، المخلص في عالم يموج بالكذب. وها هي تُدرك أنه لم يكن سوى ذئب يرتدي ثوب الصديق، وثوبه كان نسيجًا من الاحتيال.
لقد آلمها ذلك الادعاء القذر: أنه أحبها!
أهذا حُب؟!
الحب لا يعرف الغدر. الحب لا يؤذي من يحب. الحب لا يزرع طريق من يهواه بأشواك المكر ولا ينهش قلبه بخناجر الطمع.
لقد أحبت مراد، نعم. لكن حبها له كان طاهرًا، عميقًا، خاليًا من التملك. كانت تتمنى له السعادة حتى وإن كانت في حضن امرأة أخرى.
لم تحاول يومًا استمالته لنفسها، ولا سعت لتخريب علاقته ببسنت رغم ما فعلته بها. بل على العكس، كانت تكتم وجعها وتكتم غيرتها وتتحمل بصبر، فقط كي لا تُشعل في قلب مراد حربًا لا يستحقها.
كانت تسكت كي لا يغضب، وتبتلع ألمها كي لا يتأذى، وتسامح مرات ومرات فقط لأجل أن يبقى مرتاحًا.
والآن... تنهار تلك القيم النبيلة التي عاشت لأجلها تحت وطأة خيانة لا تغتفر.
تشعر بطعنة في صدرها لا يستطيع لسانها وصفها، ولا عقلها تفسيرها.
نظرت إلى مراد، كان صامتًا، كأنه يشاركها الألم، يشعر بثقل الصدمة مثلها.
فهمت حينها لماذا كان يبكي عند بابها، ولماذا ارتجف صدره في حضنها، ولماذا احتاجها كما لم يحتجها من قبل. فقد ذاق طعم الخيانة من أقرب الناس، وهي الآن تذوق نفس الكأس.
لقد قال لها مرة إن الطعنة حين تأتي من الظهر تُوجع مرتين: مرة من الألم، ومرة من اليد التي وجهتها.
واليوم... يد عادل، التي أمسكت بيدها يومًا وضحكت، كانت نفسها من غرست السكين.
لكن وسط هذا الألم كله، كانت هناك حقيقة تلمع كضوء خافت في العتمة:
مراد ما زال هنا.
ومراد الآن هو الأمان، وهو الحقيقة الوحيدة التي تستطيع أن تتكئ عليها.
عانقها مراد بقوة، وراح يُهدئها برفق حتى بدأت شهقاتها تقل، ودموعها تجف شيئًا فشيئًا. ظل يربت على ظهرها بصبر، صوته هامس في أذنها، يحاول أن يبث الطمأنينة لقلبها المتعب، وعيناه تتفحصان ملامح وجهها المرتجف كمن يطمئن على كنز يخشى فقده.
قال لها بنبرة صادقة:
"أنا ماكنتش عايز أقولك على اللي عمله عادل عشان ماتدايقيش، بس كنت عايزك بردو تاخدي حذرك منه، خوفت يجيلك مثلاً وتصدقيه وتسامحيه، عشان كده اضطريت أقولك."
أومأت تاليا برأسها بصمت، لم تكن تملك القدرة على الرد، لقد أرهقها كل شيء، وأُنهك قلبها من الخذلان.
تابع مراد، وهو يحاول أن يُزيل أي خوف استقر في قلبها:
"أنا مش عايزك تخافي من أي حاجة، محدش هيقدر يجي جنبك، صدقيني أنا بعمل كل حاجة عشان أتطمن إنك في أمان."
ابتعدت عنه قليلاً، تنظر إليه بنظرة مرهقة، مشوبة بالقلق، ثم قالت بصوت متهدج يفيض بالعاطفة:
"بس أنا مش عايزاك تكمل ف الطريق ده يا مراد، عشان خاطري سيبك منهم، مش عايزاك تبقى زيهم، ولو على حقك أو حقي ربنا موجود وهيجيب لنا حقنا، بس ماتنتقمش من حد ولا تعمل حاجة تاني، أنا خايفة عليك."
ابتسم مراد ابتسامة دافئة، وقد غلبه حبها الصادق، ثم مد يده يلامس أنفها بلطف، وقال ممازحًا:
"ماتقلقيش عليا، أنا مش هعمل حاجة، هما هيتصرفوا مع بعض ماتقلقيش، المهم دلوقتي إني عايز أنام أوي، تنامي ف حضني؟"
أحمر وجهها خجلًا، وابتعدت عنه وهي تقول متلعثمة:
"نام لوحدك ع الكنبة يا قليل الأدب."
ضحك مراد من أعماقه، ضحكة خرجت من صدره كأنها تتحدى كل الأحزان، وقال بشقاوة محببة:
"أنا قليل الأدب عشان بقولك تنامي ف حضني؟! تحبي أقوم أوريكي إزاي أكون قليل الأدب بجد؟!"
شهقت تاليا من كلامه، وركضت لغرفتها وهي تقول بصوت مرتبك:
"لا شكرًا مش عايزة أعرف حاجة، تصبح على خير يا رخم."
ظل مراد يضحك حتى بعد أن اختفت خلف بابها، ينظر إلى المكان الذي وقفت فيه ويهز رأسه، يفكر كيف له أن يُزيل خجلها هذا الذي يُحبّه، لكنه أيضًا يمنعه من التهامها كما يتمنى.
لكنه حسم أمره، سيُنهي أولًا كل ما يشغله، ثم بعدها سيجعلها تنسى كل خجلها، ستصبح ملكًا له قلبًا وجسدًا دون خوف أو تردد.
في اليوم التالي، لم ينتظر طويلًا، هاتف رامي واتفق معه على لقاء في مقهى بعيد عن الأنظار.
جلسا وجهًا لوجه، بينما تفحص مراد ملامح رامي جيدًا، يتأمله كما يتأمل صياد فريسته، ينتظر لحظة الانقضاض.
بدأ رامي الحديث، متصنعًا الهدوء:
"إيه الأخبار؟ عملت إيه ف موضوع الشركة ده والتنازل؟!"
رد مراد بثقة وهدوء متعمد:
"إيه ده؟ هي بسنت ماقالتلكش ولا إيه!"
قطب رامي حاجبيه، وقد بدا عليه الارتباك:
"قالتلي إيه بالظبط؟!"
أخذ مراد رشفة من قهوته ثم قال متماسكًا:
"إن إحنا خلصنا كل حاجة."
ازدادت علامات الاستفهام في وجه رامي:
"خلصتوا كل حاجة إزاي وإمتى؟!"
رد مراد بنبرة عادية كأنه يحكي أمرًا عابرًا:
"امبارح رحت الشركة، وأنا كنت متفق مع شريكنا التالت، واتنازلي هو وتاليا، وبسنت كانت معانا. أنا قولتلها تجيلي ع الشهر العقاري عشان أكتب لها كل حاجة على طول زي ما اتفقنا، وفعلاً كل حاجة بقت بإسمها."
لم يتمالك رامي نفسه، تغيرت ملامحه فجأة، احمر وجهه، انعقد حاجباه في غضب لم يستطع إخفاءه. تلك اللعينة! كيف لها أن تفعل ذلك دون أن تخبره؟!
أمس فقط كانت معه، تتوسله كي يشتري لها بعض المخدرات، والآن يتضح أنها استولت على كل شيء وحدها.
كتم غيظه بصعوبة، بينما لاحظ مراد كل تفاصيل وجهه.
فقال وكأنه يرمي طُعمًا جديدًا:
"إيه يا رامي مالك؟ حاسك اتدايقت، إنت ماكنتش عايزني أكتب لها حاجة بإسمها ولا إيه؟ ولا إنت تعرف عنها حاجة أنا مش عارفها؟!"
ضحك رامي ضحكة صفراء محاولًا التماسك:
"إيه ده لا، هتدايق ليه، أنا بس خايف تصرف فلوسك كلها، بسنت اليومين دول متغيّرة، دخلت ف سكة الشم والمخدرات وما بقتش زي الأول، وبصراحة أنا عرفت عنها حاجات كتير ماكنتش عايز أقولك عليها عشان ما تزعلش."
تظاهر مراد بالانفعال، وصوته يحمل نبرة الغضب المتقن:
"إزاي ماتقوليش يا رامي قبل ما أكتب لها كل حاجة؟! وحاجات إيه اللي تعرفها عنها؟ قولي."
تنحنح رامي، وقال بنبرة جادة:
"بصراحة عرفت إنها ماشية مع واحد تاني، وفي حاجات بتحصل من ورانا، هي متفقة معاه على حاجة، تقريبًا لما تاخد فلوسك هتديهاله، أنا لسه مش متأكد من الموضوع، بس إنت لو تعرف تتراجع عن التنازل ده يكون أحسن لك."
قال مراد وهو يضع يده على ذقنه كمن يفكر بعمق:
"أنا تقريبًا عارف اللي إنت بتقول عليه، إنت تقصد عادل، أصله اتصل بيا من فترة قريبة وقال لي عايزني ف موضوع يخصك إنت وبسنت، وبصراحة أنا يومها استغربت، إيه اللي ممكن يجمعكم بعادل؟
ويومها رحت قابلته، فضل يقول لي كلام مش فاهمه، بس اللي فهمته إن بسنت على علاقة بيه، وهي اللي قالت له يتعرف على تاليا، وكمان اتفقت معاه إنه يصورها ويبعت لي الصور دي، بس أنا ماكنتش مصدقه، ماصدقتش إن بسنت تعمل كده؟!"
تعرق جبين رامي، وشعر بالتوتر الشديد، لكنه بذل جهدًا خرافيًا ليبدو متماسكًا، فقال:
"لا صدقه، أنا تقريبًا بردو اتقالي نفس الكلام عنها، بس إنت ماتدخلش نفسك معاهم، الاتنين بيشربوا، والمخدرات واكلة دماغهم، أنا خايف عليك منهم، سيبهم لي، أنا هعرف أتصرف معاهم."
رمق مراد صديقه بنظرة فيها الكثير من الريبة والاختبار، ثم قال:
"بجد يا رامي؟ يعني أعتمد عليك ف الموضوع ده؟!"
أومأ رامي بحماس:
"أيوه طبعًا، بس المشكلة دلوقتي ف الفلوس، بسنت مش هترضى تتنازل عنها مادام كتبتها لها."
هنا أسقط مراد المفاجأة كما أسقط أول حجر في دومينو الانكشاف:
"لا سيبك من الفلوس، أنا لسه ماسجلتش لها حاجة، هي يومها جات لي الشهر العقاري، والوقت كان اتأخر، كنت كتبت لها صحيح كل حاجة بس ماوثقناش حاجة يعني، ومن يومها وأنا بفكر بصراحة ف الموضوع، وقلقت بعد موضوع عادل، فقولت استنى شوية، لو كده أكتب لك إنت الفلوس."
تهلل وجه رامي، وبدت على ملامحه فرحة لا يستطيع إخفاءها، وقال متحمسًا كأنه نال جائزة العمر:
"خلاص سيب لي أنا الموضوع ده، أنا هتصرف معاهم الاتنين، وهعرفك الأخبار."
غادر مراد اللقاء وقد ترك خلفه رامي غارقًا في أفكاره، بعدما أبدى الأخير استعداده التام لحل المشكلة بطريقته الخاصة. كان مراد يعلم أن هذا الوعد ليس مجرد محاولة لتسوية الأمور، بل هو شرارة ستُشعل نار الانتقام. لكنه كان بحاجة إلى هذه النار، كي تحرق الأكاذيب التي لطالما أحاطت بحياته.
بمجرد أن اختفى مراد عن ناظريه، أخرج رامي هاتفه بسرعة واتصل بعادل.
كان صوته هادئًا لكنه يحمل نبرة استعجال خفية.
أخبره أنه بحاجة لرؤيته "الآن حالًا"، وأرسل له الموقع الذي سيلتقيه فيه.
تردد عادل قليلًا، لكن فضوله تغلّب عليه، فتحرك بسيارته نحو الموقع.
وعندما وصل، راوده شعور غريب، فهذا المكان المنعزل البعيد عن أعين الناس ليس بالاختيار العشوائي.
"لماذا هنا؟" سأل نفسه وهو يتلفت حوله في توجس.
"هل يخبئ شيئًا؟ أم فقط لا يريد أن يراهما أحد معًا؟"
لم تمر سوى بضع ثوانٍ، حتى لمح سيارة تقترب.
إنها سيارة رامي.
هبط الأخير منها متوجهًا إليه بخطوات واثقة، وعلى وجهه ابتسامة غير مفهومة.
قال رامي بمرح مفتعل وهو يخرج مغلفًا شفافًا صغيرًا:
"جايبلك صنف جديد هيعجبك موت، هتشكرني عليه."
نظر عادل إلى ما في يده، ثم قال بتعجب:
"إنت جايبني هنا عشان كده؟! أنا كنت فاكر في حاجه ف موضوع تاليا."
ضحك رامي بخفة وقال:
"أيوه، ماهو بردو في حاجه عايز أقولك عليها عن تاليا، بس جرب الأول الصنف ده وقولي رأيك."
عادل، وقد تلبسته رغبة جامحة في الحديث، قال دون تردد:
"الأول أنا عايز أقولك حاجه على مراد، إحنا اتكلمنا أنا وهو و..."
وقبل أن يُكمل، قاطعه رامي بنبرة واضحة وصارمة:
"آه، مانا عرفت. مراد قالي، واللي إنت ماتعرفوش إنه كتب كل حاجه بإسم بسنت، وإحنا طلعنا من المولد بلا حمص."
شدّ عادل على أسنانه غضبًا، وقال وهو يلوح بيده:
"البت دي أنا من الأول قولتلك هتبيعنا له، وإنت ماصدقتنيش. واهو حصل زي ماقولتلك بالظبط، باعتنا له وخدت الفلوس ومش هتعبر حد فينا، وكمان تاليا أكيد عرفت كل حاجه وكرهتني أكتر...
أنا بحبها يا رامي، مش عايز حاجه غيرها. ساعدني أوصلها، وأنا هعملك كل اللي إنت عايزه."
رفع رامي المغلف أمامه، وابتسم بخبث وهو يدفعه نحو عادل قائلًا:
"خد بس الأول ده، عشان يهدي أعصابك، وأنا هعملك كل حاجه قولتها. أصلًا مراد هيطلق تاليا، ومش هيبقى ليها غيرك تروحله، ولو ماجتلكش بالذوق نجيبهالك بالعافية، ماتقلقش من حاجه يا عادل، كل حاجه ف إيدي."
اندفع عادل إلى المغلف كمن عثر على طوق نجاته.
فتحه بلهفة، أخرج بعضًا من المسحوق الأبيض، ثم انخفض على مقدمة السيارة، وضع كمية منه، واستنشقها دون أن يتردد.
لكن، لم يكن يعلم أن اللحظة التي استنشق فيها الهواء المختلط بالمادة هي اللحظة التي وقّع فيها على نهايته.
ففي تلك اللحظة، باغته رامي من الخلف، أمسك برأسه بكل ما يملك من قوة، وضغط عليه بعنف.
حاول عادل أن يقاوم، أن يُفلت، أن يُحرك رأسه يمينًا ويسارًا، لكن قبضة رامي كانت أشد من إرادته، وأقوى من عناده.
أصدر عادل صوتًا مكتومًا، محاولًا الاستغاثة، لكن لا أحد هناك.
فالمكان الذي اختاره رامي لم يكن عبثًا.
سكب كامل محتويات الكيس أمام أنف عادل، وأجبره على استنشاقها بالكامل، حتى بدأ عادل في السعال العنيف، وانسحب الهواء من صدره كما تُنتزع الروح.
ظل رامي يضغط بقوة، وعادل يختنق أكثر فأكثر، حتى فقد القدرة على الحركة، وسقط أرضًا يتلوى، ثم... سكن.
وقف رامي يتأمله للحظة، وعيناه لا تحملان شفقة.
لم يكن أمامه الآن سوى خطوة واحدة فقط.
استدار، وتوجه إلى سيارته، قادها بهدوء إلى وجهته التالية: بسنت.
لقد اتخذ قراره.
سيقتلها.
وسيتخلص من كل من وقف في طريق أحلامه.
سيأخذ المال، ويختفي.
سيهرب من هذا العالم، ليحيا الحياة التي حلم بها دومًا... حياة مراد.
منذ أول يوم رآه فيه، كرهه.
كره هدوءه، وسلطته، ومظهره، وزوجته، وأبيه، وكل ما يملكه.
كان يرى أنه أحق من مراد بكل ذلك.
لم تكفه مساعداته، لم تشبع طموحه صداقته، لقد أراد حياته كلها.
وصل أخيرًا إلى شقتها، هاتفها مرات ومرات، لكنها لم تجب.
ترجل من السيارة، وصعد السلالم بسرعة.
وقف أمام بابها، قرع الجرس مرارًا، حتى كاد يفقد أعصابه.
لكن فجأة، انفتح الباب.
وخرجت له بسنت وهي تتثاءب قائلة:
"إيه يا رامي، رن رن، في إيه؟ الواحد مايعرفش ينام في أم الليلة دي؟"
دلف رامي إلى الداخل، وهو يقول بنبرة ساخرة:
"أنا قولت موتي أوڤر دوس ولا حاجه."
جلس على الأريكة، أزاح الملابس الملقاة عليها، ثم قال بنبرة ملغومة:
"بقالي ساعة برن عليكي التليفون، قولت آجي أشوفك هنا. إيه السهرة كانت صباحي ولا إيه؟ كنتي بتحتفلي؟ عشان كده كنتي عايزة تظبطي دماغك مش كده؟!"
بسنت، وقد بدا عليها أثر النوم، ردت وهي تفرك عينيها:
"باحتفل بإيه؟ مش فاهمة؟!"
ألقى رامي بجملته مثل رصاصة:
"عليّا أنا الكلام ده! يعني مش عارفة بتحتفلي بإيه؟! بالفلوس... الـ money baby!"
بسنت، وقد بدأت تستوعب ما يرمي إليه، قالت بصوت مبحوح:
"فلوس إيه؟! إنت جاي فايق ع الصبح يا رامي، أنا مش فايقالك. بقولك إيه، مش معاك حاجة كده تظبط دماغي؟"
ضحك رامي بخبث وهو يرمقها بنظرات ساخطة:
"معايا، بس لما تقوليلي ماقولتليش ليه إن مراد كتب كل حاجه بإسمك؟! إيه؟ نويتي تخلعي بالفلوس لوحدك؟!"
عندها، تذكرت بسنت ما قاله لها مراد:
"هقوله إني كتبتلك كل حاجه، وعايزك تصوري كل حاجه تحصل بينكم."
فهمت على الفور أن هذه فرصتها، فاتجهت إلى هاتفها، وادعت أنها تتفقد الرسائل، ثم قامت بفتح تطبيق من تطبيقات التواصل الاجتماعي، وضغطت على مكالمة فيديو مع مراد.
في ذات اللحظة، كان مراد يجلس بمنزل تاليا، يتناول الطعام معها، يضحكان ويتحدثان.
رأى اسم بسنت يسطع على شاشة هاتفه، فنظرت تاليا إليه بدهشة:
"بتتصل عليك ليه دي؟!"
نظر مراد إلى الهاتف، ثم قال:
"مش عارف، يمكن رامي عندها، هنشوف."
فتح الاتصال...
فكان المشهد كما توقع تمامًا.
رامي يجلس على الأريكة التي كان هو يجلس عليها سابقًا، وبسنت بجواره، وجهت الكاميرا عليهما، ثم تركت الهاتف بثبات يصوّر كل شيء دون أن يشعرا.
sara ahmed