الفصل الثالث عشر

الفصل الثالث عشر

12 0

عندما وصلا إلى المنزل، توقفت السيارة أمام البوابة بهدوء، كما لو كانت تشعر بالإرهاق ذاته الذي أصاب تاليا. أسرع مراد نحو بابها، فتحه برفق، ومدّ يده إليها يساعدها على النزول، لكنها هزّت رأسها بابتسامة باهتة وقالت بصوت خفيض:

"أنا كويسة… هقدر أنزل لوحدي."

لاحظ أنها بالكاد قادرة على الوقوف بثبات، لكن عنادها اللطيف جعل قلبه يلين. تركها تتصرف كما تريد، لكنه بقي بقربها متأهبًا لأي إشارة للضعف.

طوال الطريق من عودتهما، لم يتوقف هاتف تاليا عن الرنين. كل دقيقة تقريبًا كانت إحدى صديقاتها تتصل للاطمئنان، أو ترسل رسالة قصيرة تسأل فيها: "حسيتي بأي تعب تاني؟" أو "عايزة نجيلك؟".

كانت تقرأ كل رسالة وعينيها تمتلئان بالمحبة، وكأن هذه الكلمات وحدها تكفيها دفئًا في هذا الليل الطويل.

ما إن دخلت المنزل، وقبل أن تدخل غرفتها، أرسلت لهم رسالة:

"أنا وصلت، وبخير الحمد لله، هدخل أنام شوية، ماتقلقوش عليا والله بقيت كويسة."

ثم تقدّمت بخطوات بطيئة نحو باب غرفتها، لكن صوته أوقفها.

"تاليا… أنا عاوز أقولك حاجة."

استدارت تنظر إليه، كانت شاحبة قليلاً، متعبة، لكن بعينيها نظرة إنسان استطاع أن يتجاوز موجة عاصفة أخرى من حياته.

" أنا عاوز أقولك انك بجد… عرفتي تختاري أصحابك صح. كلهم، بدون استثناء، بيحبوكي وبيخافوا عليكي… من قلبهم. عندك حق تدافعي عنهم كأنهم أهلك، لأني فعلاً حبيتهم، حبيت طيبتهم وبساطتهم. الوحيد اللي… بصراحة ماارتحتلوش هو عادل. لكن الباقيين؟… مفيش أطيب منهم."

رغم الإجهاد، ابتسمت تاليا ابتسامة خفيفة وقالت بصوتٍ خافتٍ تشوبه لمحة دفء:

"وهما كمان حبوك يا مراد… مع إن دي حاجة مش بتحصل بسهولة خالص، هما مش من النوع اللي بيرتاح لحد بسرعة، لكن انت دخلت قلبهم… حتى لو ماقالوش كده."

ثم أضافت، كأنها تدافع عن طفل تعرفه جيدًا:

"وعادل… ماتزعلش منه، هو بس عصبي شوية، بس والله طيب… لما تقرب منه، هتفهم ده."

كان وجهها صادقًا وهي تقول ذلك، فلم يرغب مراد في الاعتراض، فقط أومأ لها بإيماءة قصيرة وقال:

"انتي حاسة إنك فعلاً كويسة؟ ولا نروح لدكتور نتطمن أكتر؟"

هزّت رأسها مطمئنة:

"أنا كويسة الحمد لله… هنام وهصحى أحسن، ماتقلقش."

صمت لحظة، ثم قال بتردد يحمل في طياته اهتمامًا حقيقيًا:

"طيب ممكن… ماتقفليش الباب عليكي بالمفتاح؟ عشان لو حسيتِ بأي حاجة… أقدر أدخل أساعدك بسرعة."

رمقته بنظرة ممتنة، ثم أجابت بصدق:

"أنا عارفة إنك قلقان… بس صدقني مالوش داعي تكون قلقان ، وكمان أنا هنام ومش بعرف أنام لو الباب مش مقفول، دي حاجة متعودة عليها من زمان."

أراد أن يُصرّ، أن يقول لها إنه لن ينام من شدة قلقه، لكنه تراجع. ربما تحتاج الآن إلى الأمان بطريقتها، لا بطريقته.

"ماشي… نامي وارتاحي، ولو حسّيتي بأي حاجة… ناديني، حتى لو نص الليل."

ابتسمت ابتسامة صغيرة، تلك الابتسامة التي تعني: شكرًا لأنك هنا.

دخلت تاليا غرفتها ببطء، أغلقت الباب خلفها، وخلعت حذاءها، ثم ارتمت على السرير كما هي. لم يكن لديها طاقة لخلع ثوبها أو حتى فك شعرها، فقط غطت جسدها بالغطاء وسمحت للظلام أن يضمها، كما لو كانت تهرب إلى حضن أمها. دقائق قليلة… وكانت قد غرقت في نوم عميق، كأن جسدها قد أعلن استسلامه التام.

أما مراد… فظل واقفًا خلف الباب، يستمع لوقع خطواتها البطيئة، يسمع صوت إغلاق الباب، ثم الصمت.

ذهب إلى غرفته، لكنه لم ينم.

ظل مستيقظًا… على سريره، جسده ساكن لكن عقله لا يهدأ.

كان يفكر بها… بوجهها وهي تتعرق وتتوسل الهواء، بصوتها المرتعش وبنظراتها التي كانت تبحث عن طمأنينة، ووجدتها في صوت ياسمين ويد رنا.

هل هو من أوصلها لتلك الحالة؟

أم أن ما مرت به كان أكبر بكثير مما يتخيله؟

هل تركها وحدها في الوقت الذي احتاجت فيه ليد تسندها؟

هل فعلاً كانت تبتسم له وهو يزيد من نزيف قلبها؟

ومتى كان آخر مرة سألها: "إنتي كويسة بجد؟" وسألها بنية حقيقية؟

كل هذه الأسئلة، وأكثر، دارت في رأسه حتى أرهقه التفكير.

لم يعرف متى غفا، لكن أول شعاع من شمس الصباح كان يمر من خلال الستائر حين أغمض عينيه أخيرًا…

وهو يقسم بينه وبين نفسه…

أنه لن يدع يومًا آخر يمر، إلا ويعطي فيه لـ تاليا سببًا يجعلها تثق بأن الحياة… ما زالت تستحق القتال من أجلها.

استفاقت تاليا صباحًا وقد استردت جزءًا كبيرًا من عافيتها، ذلك الصداع المزعج الذي طاردها في الأمس اختفى تمامًا، وغشاوة التعب لم تعد تحجب عنها صفاء عقلها. شعرت أنها استعادت نفسها. دخلت إلى الحمام، استحمت بماء دافئ غسل عنها آثار البارحة، ثم بدّلت ملابسها وخرجت لممارسة الرياضة، تركض بخطى منتظمة، كأنها تحاول الهرب من كل ما أثقل صدرها مؤخرًا.

حين عادت إلى المنزل، لم تجد مراد، فعلمت أنه لا يزال نائمًا. حضرت عصيرها المفضل، تناولته على عجل، ثم عادت إلى غرفتها لأخذ حمام سريع آخر. بدلت ملابسها من جديد، وعندما خرجت من غرفتها، صادف أن مراد خرج هو الآخر من غرفته في ذات اللحظة.

كان يبدو عليه الإرهاق بوضوح، عيناه غائرتان، وشعره مبعثر، كأنه لم يذق طعم النوم. حين رآها، ابتسم بتعبٍ وقال:

"صباح الخير، عاملة ايه النهارده؟"

ردت عليه تاليا بابتسامة دافئة، وقد لمحت التعب في وجهه:

"بخير الحمد لله، انت اللي شكلك تعبان."

"ماكنتش عارف انام بالليل، مانمتش إلا الصبح." قالها وهو يتنهّد ببطء.

شعرت تاليا بالذنب يثقل صدرها، فانحنت برأسها قليلًا وقالت:

"أنا آسفة جداً على اللي حصل امبارح، بوظت الخروجة."

اقترب منها مراد خطوة، ثم قال بنبرة هادئة:

"آسفة على ايه؟ هي دي حاجة بإيدك يعني؟"

ساد الصمت لثوانٍ، فقط النظرات بينهما تتكلم بما عجزت عنه الكلمات. ثم تنحنح مراد قليلًا وقال بصوت خفيض:

"تاليا… أنا عايز أعتذر لك."

رفعت حاجبيها بدهشة، وقالت:

"تعتذر على ايه؟!"

نظر إلى الأرض، ثم إليها، وكأن كلماته تخجل من الخروج:

"عشان كنت دايمًا سايبك لوحدك… وكنت أناني ومابفكرش إلا ف نفسي. بجد أنا لما بتخيل إن كان بيحصلك كده وانتي لوحدك، بحس إني متدايق أوي من نفسي. وكمان لما بفكر إن ممكن يكون اللي بيحصلك ده بسببي، بتدايق من نفسي أكتر… بجد، ياريت تسامحيني."

نظرت إليه تاليا نظرة طويلة، فيها الكثير من الهدوء والتفهم، ثم قالت:

"عادي يعني يا مراد… انت كنت صريح معايا من البداية، وانا وافقت على شروطك، انت ما غصبتنيش أفضل معاك. وبعدين الـ panic attack دي عندي من زمان، من لما ماما ماتت… يعني مش بسببك ولا حاجة."

ظل صامتًا لثوانٍ، يحاول أن يتقبل كلامها، لكنه لم يهدأ، بل ازداد فضوله، وكأن شيئًا بداخله لا يزال يبحث عن إجابة أعمق.

"هو في سؤال بصراحة أنا نفسي أسألهولِك، بس كنت خايف تزعلي… انتي ليه وافقتي بشروطي؟! وحدة زيك… جميلة… عندها فلوس… مش محتاجة حد يعني… ليه توافق تفضل متجوزة واحد بشروط زي دي؟! ليه تعملي في نفسك كده بجد؟! يعني لما بفكر مش بلاقي أي سبب مقنع بصراحة يخليكي توافقي."

أجابت تاليا بهدوء، دون أن تتهرب:

"أسباب شخصية."

لكنه لم يستسلم، اقترب خطوة أخرى وقال:

"ممكن أعرف إيه هي الأسباب دي؟!"

أخذت نفسًا عميقًا، ثم تحدثت بصوتٍ هادئ متزن:

"بص… هي أسباب كتير. بس السبب الأهم إني ماكنتش عايزة أروح أعيش مع أهل ماما في لبنان. كنت عايزة أفضل هنا. ولو كنت اتطلقت في الوقت ده، ماكنتش هعرف أعيش لوحدي… أنا كنت لسه ٢٠ سنة ولسه ماخلصتش جامعة، ومش فاهمة حاجة، ولا عارفة الدنيا ماشية ازاي. إنما دلوقتي… أنا أقدر أعيش لوحدي وأنا مش متجوزة، لأني خلاص اتأقلمت على الحياة لوحدي، وكمان معايا أصحابي يغنوني عن أي حاجة في الدنيا."

ظل مراد ينظر إليها بصمت، عقله يدور، لكنه قال بعد برهة:

"بس أنا مش عايزك تعيشي لوحدك… أنا عايز أكون ف حياتك… عايز نبقى متجوزين بجد."

هزّت رأسها بحسم، وقالت:

"مش هينفع."

اقترب أكثر، نبرة صوته هادئة لكن عميقة وسألها:

"ليه؟!"

قالت:

"عشان كل واحد فينا له حياته، كل واحد اتأقلم على الحياة اللي عايشها… وأنا حابة حياتي من غير حد فيها… أنا مبسوطة كده."

في تلك اللحظة، كانت المسافة بينهما لا تتجاوز سنتيمترات قليلة.

نظر مراد إلى عينيها نظرة طويلة… كانت تلك النظرة وحدها كفيلة ببعثرة كل ما حاولت ترتيبه داخليًا.

مدّ يده برفق، أزاح خصلة هاربة من شعرها خلف أذنها، ثم اقترب أكثر وهمس بصوت دافئ قريب لأذنيها:

"بس أنا حابب حياتي معاكي انتي… حابب وجودنا مع بعض… ولازم تتأقلمي على وجودي… عشان هتضطري تشوفيني دايمًا."

كانت كلمات بسيطة، لكنها انغرست في قلب تاليا كالسهم.

تراجعت خطوة للوراء، تلهث بصمت، كأن أنفاسها خانتها، تشعر بدقات قلبها تتصاعد، كأن صوتها الداخلي يصيح "اهربي!".

ولم تجد مهربًا سوى غرفتها… ركضت نحوها وأغلقت الباب خلفها، تسند ظهرها إليه، كأنها تحاول أن تمنع نفسها من العودة إليه مرة أخرى.

وضعت يدها على صدرها، تحاول كبح تلك النبضات المتسارعة… لماذا أحبّت اقترابه بتلك الطريقة؟ لماذا ارتبكت؟ لماذا لم تستطع حتى الرد؟!

هل سمع ضربات قلبها؟ هل شعر بما حدث لها؟!

أما هو، فظل واقفًا في مكانه، يحدق بالباب الذي أغلقته خلفها، وعلى وجهه ابتسامة خفيفة، مزيج من الرضا والانتصار.

لقد شعر بها… بكل ذرة خجل في وجهها، بكل ارتباك في عينيها، بكل رعشة في صوتها حين لم تجبه.

هي لا تكرهه.

بل على العكس تمامًا… إنها تكن له شيئًا أعمق من مجرد القبول.

لقد بدأت تشعر به.

وهو الآن على يقين… أنه بدأ يشعر بها.

مرت الأيام تباعاً، وكل يوم ينسل من بين أصابع الزمن كالماء، وتاليا تحاول أن تظل متماسكة، محافظة على حياتها كما كانت قبل عودة مراد. لقد وضعت لنفسها حدوداً وهمية، حاجزاً من اللا مبالاة والهدوء، لا لأنها لا تشعر، بل لأنها تشعر أكثر مما يجب. كانت تخشى التعلق، تخشى أن يُزاح عنها ذلك الأمان المؤقت حين يقرر مراد الرحيل مجدداً.

لكن مراد لم يمنحها الفرصة للهروب. كان حاضراً في تفاصيلها اليومية الصغيرة: يشاركها تمارين الصباح، يرافقها في طعامها، في خروجها مع أصدقائها، حتى عندما تنظف المنزل أو تطهو، تجده بجوارها، إما يساعد أو يراقب بصمت محبّ. لم يعد يفصل بينهما سوى باب الغرفتين حين يذهب كل منهما للنوم.

لقد مر نحو شهرين على هذه الحياة المشتركة، وتاليا لا تنكر أنها اعتادت وجوده. بل أكثر من ذلك… لقد أحبّت هذا الوجود. أما مراد، فقد كان غارقاً فيها تماماً، يتأملها، يحادثها، يكتشف فيها كل يوم شيئاً جديداً يحبه. وجد نفسه في ملامحها، في ضحكتها، حتى في صمتها.

ومع مرور الوقت، نسي مراد حتى بسنت، أو ربما تناساها.

ولكن لم تدم الراحة طويلاً…

كان ذلك اليوم مميزًا. إنه يوم خطوبة حسن وياسمين، الحب الذي طال انتظاره. أقيم الحفل في مقهى مفتوح بسيط لكنه مفعم بالدفء، يضم الأصدقاء والعائلة.

ارتدت تاليا فستانًا أحمر قاني، طويل يلامس الأرض، وتركَت شعرها منسدلًا بحرية على كتفيها، فبدت كقصيدة نثر حيّة تمشي بين الحاضرين. كل مرة تراها عينه، يشعر مراد أنه يراها للمرة الأولى.

كان كل شيء يسير على ما يرام… حتى فقدها من عينيه. نظرت حولها فلم تجده، فاستأذنت من أصدقائها بهدوء وخرجت تبحث عنه. لم تكن تتوقع أن تلتقط أذناها ذلك الحوار الذي كُتب له أن ينهار كل شيء بعده.

كان مراد يقف مع شاب يبدو أنه يعرفه جيدًا، يتحدث معه بحرارة:

"انت هنا في مصر من إمتى؟! دي بسنت قالبه الدنيا عليك، دي سألتني ألف مرة عنك. كل ما بتيجي هنا بتسألني عليك، وأنا ماكنتش عارف أوصلك. انت اختفيت فجأة! انتوا بتحبوا بعض، ازاي قدرت تبعد كل ده عنها؟ وبعدين عملت إيه ف موضوع مراتك؟! اتطلقتوا ولا عملت إيه؟!"

مراد كان مشوشًا، لم يعرف هذا الشاب سوى منذ لحظات، لكنه جارى الحديث ليحاول تذكر من هو:

"لا، ما اتطلقناش." قالها مترددًا.

"بسنت لو عرفت، هتزعل منك أوي. انت آخر مرة كنت معاها، قولتلها إنك هتطلق مراتك، وهي قالتلك إن دي آخر فرصة ليكم مع بعض. معرفش انت بقى هتصالحها ازاي، بس انت عموماً بتعرف تصالحها كل مرة."

تجمّد قلب تاليا وهي تستمع. بسنت؟ لماذا كل هذا الشوق من الطرف الآخر؟ أي علاقة تلك التي كانت تربطه بها؟ وكيف يكون بينهما كل ذلك الحب ثم يقول لها —لـتاليا— إنه يريد زواجًا حقيقيًا؟!

قال مراد:

"معاك رقمها؟ أصل تليفوني ضاع مني وكل الأرقام ضاعت، ماكنتش عارف أكلمها ولا أوصل ليكم."

"آه، معايا طبعاً." قالها الرجل وهو يخرج هاتفه.

قال مراد:

"ورقمك انت كمان."

ضحك الرجل وهو يقول:

"اه يا زمن، بقى رقم رامي يتمسح من تليفون مراد! مش حافظ رقم صديق الطفولة؟! وبعدين لما الارقام اتمسحت ماجتليش هنا ليه ، مانت عارف اني على طول هنا أو مارحتش لبسنت شقتها ليه؟ دي راحتلك كام مرة سألت عليك، ومراتك كانت بتقولها ما تعرفش حاجة عنك."

حينها تحدث مراد مع نفسه: راحتلي البيت وسألت تاليا عليا… بس ليه تاليا ماقالتليش؟ يمكن كان قبل ما أرجع من السفر.

قالها لـرامي ضاحكًا:

"معلش، حصلتلي ظروف… هبقى أحكيلك عليها بعدين."

قال رامي بابتسامة:

"هسامحك المرة دي… وهديلك رقمي افتكر الجمايل دي ، بس ماتنساش تكلم بسنت، عشان هتقتلني لو عرفت إنّي شوفتك قبلها."

قال مراد :

"هكلمها دلوقتي، ماتقلقش."

كل هذا دار أمام تاليا دون أن يشعر بها أحد. كانت تختنق، تحاول أن تتنفس ولكن الهواء ثقيل، كأنّه رفض الدخول إلى صدرها. سارت عائدة إلى الحفل بخطوات أثقل من جبل. لم تخبر أحدًا بما سمعته، فقط ارتدت قناع السعادة وتابعت تمثيلها البارع.

عاد مراد ووقف بجوارها، لكن وجهها كان مصقولًا بالصمت، وابتسامتها ذائبة كشمعة تحت شمس حارقة. لم تضحك، لم ترد، لم تنظر إليه حتى، وكانت تنخرط مع أصدقائها عمداً… لتبتعد عنه.

لاحظ هو. بالطبع لاحظ. لقد عرفها أكثر من أن تخدعه تلك الابتسامة المزيفة.

وعندما انتهى الحفل، ركبت كل مجموعة سيارتها، وحينما دعاها مراد لتركب معه، أجابته دون أن تنظر:

"أنا هركب مع مها ورنا عشان عايزة أتكلم معاهم شوية."

فقال مراد:

"طيب، ماتخليهم يجوا يركبوا معانا وإحنا نوصلهم."

قالت ببرود:

"لا، أنا عايزة أتكلم مع عادل كمان."

تجمّد مراد للحظة وقال بحدة:

"ايوه هتتكلموا في ايه؟ هو سر ولا حاجة؟!"

فكرت قليلًا، ثم قالت:

"لا، مش سر ولا حاجة… بس إحنا متفقين نروح نِبات مع ياسمين النهاردة عشان نحتفل مع بعض."

قال بعصبية مكبوتة:

"تباتي هناك ازاي يعني؟! وبعدين إنتي ماقولتليش ليه قبل مانيجي الكلام ده؟! ولا بتحطيني قدام الأمر الواقع؟!"

قالت بضيق:

"ماكناش لسه اتفقنا. وبعدين أنا عايزة أبات معاها، فين المشكلة مش فاهمة؟!"

قال بعصبية أوضح:

"لا أبدًا، ولا مشكلة ولا حاجة. أصل أنا ماليش أي لازمة، بتاخدي قرارات من نفسك كده من غير ماتعرفيني. لا وكمان سايباني ورايحة تركبي مع عادل اللي مانزلش عينه من عليكي طول اليوم… وهتباتي بره كمان!"

انفجرت فيه تاليا، عيناها تومضان بالغضب:

"أنا هبات في المكان اللي أنا عايزاه، وهركب مع اللي أنا عايزاه بردو. وبعدين انت مركز مع عادل ليه؟! بيبص لي ولا لا؟! مراد ماتفتكرش إننا متجوزين بجد… إحنا بس اندمجنا في التمثيل، مش أكتر. ماتنساش إن كل واحد حر يعمل اللي هو عاوزه."

كانت كلماتها مثل صفعة مفاجئة على وجهه. ظل ينظر إليها مصدومًا، لا يصدق أنها تلك نفسها التي كانت تضحك معه منذ ساعات قليلة. من هذه التي تقف أمامه الآن؟! ما الذي حدث؟! أهي تتعمد إيذاءه؟!

بينما كان يغرق في صمته المذهول، استدارت تاليا، ومضت مبتعدة، تبتلع دموعها في ظلام ليلةٍ كانت من المفترض أن تكون سعيدة.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لقد بلغت مرادي

المؤلف sara ahmed
2025/11/12 مكتملة
قائمة الفصول (46)
الفصل 1: الفصل الاول
2025/11/12
الفصل 2: الفصل الثاني
2025/11/12
الفصل 3: الفصل الثالث
2025/11/12
الفصل 4: الفصل الرابع
2025/11/12
الفصل 5: الفصل الخامس
2025/11/12
الفصل 6: الفصل السادس
2025/11/12
الفصل 7: الفصل السابع
2025/11/12
الفصل 8: الفصل الثامن
2025/11/12
الفصل 9: الفصل التاسع
2025/11/12
الفصل 10: الفصل العاشر
2025/11/12
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2025/11/12
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2025/11/12
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2025/11/12
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2025/11/12
الفصل 15: الفصل الخامس عشر
2025/11/12
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2025/11/12
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2025/11/12
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2025/11/12
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2025/11/12
الفصل 20: الفصل العشرون
2025/11/12
الفصل 21: الفصل الواحد والعشرون
2025/11/12
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون
2025/11/12
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرون
2025/11/12
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرون
2025/11/12
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرون
2025/11/12
الفصل 26: الفصل السادس والعشرون
2025/11/12
الفصل 27: الفصل السابع والعشرون
2025/11/12
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرون
2025/11/12
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرون
2025/11/12
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2025/11/12
الفصل 31: الفصل الواحد والثلاثون
2025/11/12
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2025/11/12
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2025/11/12
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2025/11/12
الفصل 35: الفصل الخامس والثلاثون
2025/11/12
الفصل 36: الفصل السادس والثلاثون
2025/11/12
الفصل 37: الفصل السابع والثلاثون
2025/11/12
الفصل 38: الفصل الثامن والثلاثون
2025/11/12
الفصل 39: الفصل التاسع والثلاثون
2025/11/12
الفصل 40: الفصل الاربعون
2025/11/12
الفصل 41: الفصل الواحد والاربعون
2025/11/12
الفصل 42: الفصل الثاني والاربعون
2025/11/12
الفصل 43: الفصل الثالث والاربعون
2025/11/12
الفصل 44: الفصل الرابع والاربعون
2025/11/12
الفصل 45: الفصل الخامس والاربعون
2025/11/12
الفصل 46: الفصل الاخير
2025/11/12

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة