خرج مراد من غرفته بعد أن أنهى استعداده، مرتديًا ملابس نظيفة، وقد بدا على وجهه أثر انتعاش الماء البارد الذي غسل به عنقه المتيبسة. تحرك بهدوء في المنزل حتى وصلت خطواته إلى المطبخ، وهناك لمح تاليا.
كانت تقف أمام الموقد، شعرها نصف مرفوع بطريقة عفوية، ترتدي ملابس منزلية بسيطة وأنيقة، تنساب بنعومة حول جسدها.
الهاتف موضوع على الطاولة أمامها، ومكبر الصوت مفعّل، وأصوات أصدقائها تملأ الأجواء بخفة ودفء، كانت تتحدث معهم وهي تتنقل بين الطاولة والموقد، تراقب ما تعده من طعام.
توقّف مراد لحظة وهو يراقبها بصمت، ثم اقترب منها بخفة، دون أن تُدرك اقترابه. وقف خلفها مباشرة، وضع يده برفق على كتفها، ثم مال عليها وطبع قبلة سريعة على وجنتها.
تاليا تجمدت في مكانها، وعيناها اتسعتا بصدمة، لم يكن في حسبانها أن يفعل شيئًا كهذا، ليس الآن، ليس وهو يعلم بوجود الهاتف… ليس أمامهم!
أما أصوات الفتيات فعمّها الخجل والارتباك، سُمعت ضحكات مكتومة، وأيدٍ وُضعت على أفواههن كأنهن يشاهدن مشهدًا من فيلم رومانسي محرج.
أما مراد، فبدا كأنه لم ينتبه لشيء، وقال بلهجة هادئة، وكأنه يستقبل صباحًا عاديًا في حياة زوجين متحابين:
"صباح الخير يا روحي، خلصتي الفطار؟"
لم تجبه تاليا، فما زالت في طور المفاجأة، أنفاسها لم تتنظم بعد، وحرارة وجنتيها تكاد تحرق الهواء من حولها، أما مراد فأردف، مدّعيًا المفاجأة كأنه لاحظ الهاتف للتو:
"إيه ده؟! انتي بتكلمي حد؟! سوري يا حبيبتي ماكنتش أعرف."
ثم مال نحو الهاتف وقال معتذرًا:
"سوري يا شباب، ماكنتش أعرف إنكم بتتكلموا… كملوا كلامكوا."
جاء صوت ياسمين أولًا، يملأه خجل ومرح:
"لا، إحنا اللي سوري… عاملين لكم إزعاج."
ثم رنا، ضاحكة بخفة:
"آه، شكلنا اتكلمنا في وقت غلط… ولا إيه؟!"
تنفست تاليا أخيرًا، وكأنها سُحبت من صدمة كهربائية، وقالت بتلعثم واضح:
"لأ، مفيش حاجة… قصدي… مش وقت غلط ولا حاجة."
ابتسم مراد وقال بنبرة ناعمة، وكأنه يعزف على أوتار الموقف:
"ولا إزعاج ولا حاجة… هسيبكوا تكملوا كلامكوا، هستناكي لما تخلصي براحتك يا توتا، وبعدين نفطر."
لكن حسن تدخل بحماس، وكان يبدو أنه يخطط مسبقًا:
"لا، استنى يا مراد، قبل ما انت تيجي كنا بنقول لتاليا إننا هنخرج بالليل… وعايزينك تيجي معانا، إنت وهي."
جاء صوت عادل بسرعة، ممتعضًا كعادته:
"هي مش قالتلكوا إنه عنده شغل؟! هييجي إزاي يعني؟!"
أجاب مراد بهدوء وثقة:
"لا، أنا فاضي النهاردة… ماعنديش شغل ولا حاجة، بس ماكنتش لسه قولت لتاليا، كنت هعملها مفاجأة ونخرج سوا… بس مادام كلكوا خارجين، نيجي معاكم… لأني عايز أتعرف عليكم جدًا."
قال حسن بسعادة واضحة:
"تمام كده! إحنا كمان عايزين نتعرف عليك من زمان."
نظرت تاليا للهاتف وقالت بسرعة:
"طيب يا شباب، نتكلم بعدين."
لكن مها قاطعتها:
"لا، استنوا… نتفق هنتقابل إمتى وهنروح إزاي."
بدأوا جميعًا في ترتيب الخروج،
حسن قال إنه سيأخذ ياسمين بسيارته،
وعادل سيأخذ رنا ومها رغم اعتراضه المبدئي الذي لم يصمد أمام إلحاحهم.
ثم أغلقوا المكالمة أخيرًا.
أغلقت تاليا الهاتف وهي تكاد تطلق الدخان من أذنيها، ثم التفتت إليه وقالت بانفعال مكبوت:
"إيه اللي انت عملته قدامهم ده؟!"
تظاهر مراد بالبراءة، وابتسم وهو يرد:
"أنا عملت كده عشان محدّش يحس بحاجة… عشان يشوفونا طبيعيين مع بعض. مش انتي مش مِعرّفاهم حاجة؟!"
أجابت سريعًا:
"أيوه، محدش يعرف حاجة."
فرد مطمئنًا:
"طيب، شوفتي؟! أنا قصدي مصلحتك… عشان محدّش يشك في حاجة."
تأملت وجهه للحظات…
كلماته بدت منطقية، ووجهه صادق، وربما كان حقًا يريد تجنيبها الشكوك والأسئلة المحرجة،
فأومأت برأسها، كأنها تقول "ماشي"، ثم أكملا تحضير الفطور بصمت.
لكن القلب؟
قلب تاليا لم يكن صامتًا.
كان يطرق جدران صدرها بتساؤلات كثيرة…
هل ما فعله مجرد تمثيل؟
أم أن هناك شيئًا آخر خلف تلك القبلة؟
ولماذا لم تستطع التراجع أو الصراخ وقتها؟
لماذا لم يزُر عقلها سوى الارتباك والخجل؟
أكانت متفاجئة فقط… أم شيئًا آخر كانت تخشى الاعتراف به؟
أما مراد، فكان يتحرك بهدوء، يحمل الأطباق معها، وكأن شيئًا لم يحدث.
لكن في أعماقه، كان يعلم أنه قد تجاوز الخط الرمادي بين "التمثيل" و"الواقع"،
ويبدو أن قلبه... لم يعد يعترف بالفاصل بينهما.
بعد أن انتهيا من تناول الطعام، نهض مراد وهو يلتقط الأطباق الفارغة عن الطاولة، دون أن ينتظر طلبًا أو إشارة.
ساعد تاليا بحملها إلى المطبخ، بينما هي انحنت أمام غسالة الصحون، تضع كل طبق بعناية في مكانه المناسب، ووجهها هادئ لكن عقلها منشغل بحواره الصباحي المفاجئ أمام أصدقائها.
خلفها، أتى صوته منخفضًا وسلسًا:
"هتعملي إيه بعد ما تخلصي؟"
لم تلتفت، بل اكتفت بالرد وهي تتابع ما بين يديها:
"هروح السوبر ماركت أجيب حاجات للبيت."
قال وهو يتكئ بمرفقيه على الرخامة، ينظر إليها باهتمام:
"طيب تمام، خلصي ونروح."
التفتت إليه أخيرًا، حاجباها مرفوعان بدهشة طفيفة:
"نروح؟!… انت هتيجي السوبر ماركت؟!"
أجاب بثقة وهو يرفع حاجبًا وكأنه يتساءل إن كان في الأمر غرابة:
"أيوه هاجي معاكي، في حاجات عايز أجيبها أنا كمان… وبعدين أنا بحس بملل وانا لوحدي."
ضحكت من رد فعله، ثم قالت بنبرة خفيفة، كأنها تحاول التأكد مرة أخرى:
"يعني انت هتيجي السوبر ماركت بجد؟!"
كرر بثبات:
"قولتلك أيوه… إيه الغريب ف كده؟!"
أدارت عينيها وقالت كأنها تحدث نفسها:
"لا ولا حاجة."
خرجا معًا بعدها، يسيران في الطريق بجانب بعضهما، خطواتهما بطيئة ومتناغمة.
الشمس كانت ناعمة لا تحرق، والهواء يحمل نسمات صيفية لطيفة، أحد تلك الأيام النادرة التي تبدو فيها الحياة أقل ضجيجًا من المعتاد.
قاطع الهدوء صوت تاليا، وقد التفتت إليه بنظرة جانبية وقالت:
"مراد… انت ليه مش بتروح الشغل؟!"
أجاب وهو ينظر أمامه، بلهجة خفيفة تكاد تميل للامبالاة:
"مفيش شغل محتاج إني أكون موجود يعني، وبعدين هنا في ناس ماسكة الشركة وعارفين بيعملوا إيه… مفيش مشكلة لما أقعد شوية راحة."
لم تتمكن من الرد، فقد استوقفتهما سيدة في منتصف الطريق، إحدى الجارات الفضوليات، ملامحها مليئة بالترقب ونظراتها تميل للتمحيص أكثر من الترحيب.
قالت بصوت يحمل نبرة معرفة لا تنقصها السخرية:
"تاليا، إزيك؟ ماخرجتيش بقالك يومين، وتيتة صفية بتسأل عليكي."
ردت تاليا باقتضاب وبنبرة رسمية:
"الحمد لله أنا كويسة، إحنا هنعدي عليها دلوقتي واحنا ماشيين."
لكن السيدة لم تكن تنوي الرحيل بهذه السهولة.
وجهت نظرها نحو مراد وبدأت تنظر إليه بطريقة لم تعجب تاليا، ثم قالت بنغمة مدروسة ومتصنعة:
"ماعرفتِناش… هو ده أخوكي؟!"
حينها، تحركت تاليا بلا تردد.
مدّت يدها وأمسكت بيد مراد بتملك واضح.
مراد نظر ليديهما المتشابكتين بتعجب، لكنه لم ينبس بكلمة.
أما تاليا، فقد رفعت رأسها وقالت بثبات:
"لا، ده مراد… جوزي."
تغيرت ملامح السيدة قليلًا، لكن ملامحها ظلت محتفظة بابتسامتها المتكلفة وقالت:
"أوه، جوزك؟! أول مرة أعرف إنك متجوزة… ماقولتِيش يعني."
ابتسمت تاليا ابتسامة صفراء وقالت:
"حضرتك ماسألتيش… وبعدين أنا مش همشي أقول للناس أنا متجوزة يعني، بعد إذنك بس عشان متأخرين."
جذبت مراد من يده وانصرفا، خطواتها سريعة وغاضبة نوعًا ما.
وحين ابتعدا عن مجال نظر السيدة، أطلقت سراح يده فورًا، ثم قالت:
"سوري، بس عملت كده قدامها عشان ما تاخدش بالها من حاجة، لأن الست دي مش بتبطل كلام، وأنا مش برتاحلها."
أجاب مراد بنبرة مرحة، ونصف ابتسامة تتراقص على شفتيه:
"طيب ما تخلينا ماسكين إيد بعض عشان الناس اللي بنعدي عليهم دول كمان ما ياخدوش بالهم."
ضحكت تاليا بخفة وقالت:
"لا، ما تقلقش… محدش هيركز. ويلا نعدي على تيتة صفية الأول نتطمن عليها."
ذهبا معًا إلى منزل الجدة صفية، المرأة الطيبة ذات القلب الكبير واللسان الصريح.
وبمجرد أن رأت وجهيهما، قالت بعصبية مصطنعة:
"ايه ياتاليا ماظهرتيش امبارح ليه!"
ضحك مراد بخجل، أما تاليا فقبلت رأسها بحنان وقالت:
"حقك علينا يا تيتة، بس والله كنا مشغولين شوية."
جلسا معها لبعض الوقت، شربا معها الشاي وأكلوا من كعكها المنزلي، واطمئنا على حالها، ثم استأذناها لمتابعة وجهتهما.
خرج مراد وتاليا من بيت الجدة وقلبيهما أكثر دفئًا، بينما الشوارع تبتلع خطواتهما بصمت خفيف، ويداهما وإن لم تتشابكا مجددًا… إلا أن بينهما خيطًا غير مرئي بدأ يتكون ببطء.
خيطًا من القرب، ولو كان مشوشًا…
ما إن دلف مراد وتاليا إلى السوبر ماركت حتى استقبلهما الجميع بالتحية، ابتسامات واسعة وهزات رأس مألوفة، وكأن المكان بأكمله يعرف تاليا عن ظهر قلب.
في كل زاوية كان هناك من يلوّح لها أو يبتسم بود، وقد بدا واضحًا أن لها مكانة محبوبة بينهم.
اقترب أحد العاملين بخفة وقال مبتسمًا:
"آنسة تاليا، الشوكولاتة اللي سألتي عليها جبناها… هتلاقيها موجودة لو حابة تجربيها."
كلمة "آنسة" لم تمر بسلام، فقد انفجرت في أذن مراد كقنبلة صغيرة أشعلت شيئًا من غيرته الدفينة، فتقدّم خطوة ونظر للعامل بنظرة لا تخلو من التحدي وقال بحدة خفيفة:
"آنسة؟! وبالنسبة لكيس الجوافة اللي واقف جنبها ده… إيه موقعه من الإعراب؟!"
ارتبك العامل وبدت عليه الحيرة، فتدخلت تاليا بسرعة وهي تضع يدها على ذراع مراد في محاولة لتهدئته وقالت للعامل:
"سوري… أصله بيحب يهزر."
لكن مراد لم يتراجع، بل تابع بنفس النبرة:
"بحب أَهزر إيه؟ واحد بيقول لمراتي (آنسة) قدامي! عايزاني أقوله إيه؟!"
رفع العامل يديه دفاعًا وقال متداركًا:
"آسف جدًا يا فندم، بس أنا ماكنتش أعرف إن آنسة… أقصد الأستاذة تاليا… متجوزة."
مراد بابتسامة تحمل غيظًا مكبوتًا:
"لا، اعرف إن الآنسة تاليا تبقى مراتي."
سحبته تاليا من ذراعه برفق، وأبعدته عن العامل، وما إن أصبحا على مسافة منه حتى نظرت إليه بنفاد صبر وهمست غاضبة:
"إيه يا مراد اللي بتعمله ده؟ هو المسكين قال إيه عشان تحرجه كده؟ فيها إيه لما قال (آنسة)؟ هو غلط يعني؟!"
فردّ هو مقلدًا صوتها المنخفض بطريقة ساخرة:
"انتي عايزة تجننيني يا بنتي؟! الناس عارفين إنك متجوزة… يبقى آنسة إزاي؟ بغض النظر عن اللي بينا، بس هما مايعرفوش، ماينفعش حد يقولك آنسة، منظري هيبقى وحش قدامهم."
قطبت تاليا حاجبيها وقالت بحدة:
"خلاص يا مراد… يلا نجيب الحاجات اللي عايزينها عشان نروح."
ابتعدا عن ذلك الموقف وقد هدأت الأجواء نسبيًا، وانشغلا بشراء المستلزمات المنزلية.
تفرقا قليلًا داخل المكان، كلٌّ منهما يتفقد قسمًا مختلفًا.
توجهت تاليا إلى قسم الحلوى، وعيناها تلمعان حين رأت الشوكولاتة التي كانت تبحث عنها منذ أيام.
أخذت قطعة منها دون تردد، وما إن دفعت ثمنها حتى أخرجتها على الفور وبدأت بتذوقها في نفس اللحظة، دون انتظار أن يغادرا المكان.
أغمضت عينيها حين لامست الشوكولاتة لسانها، ومن فمها خرجت همهمات ناعمة متلذذة، كأنها تعانق الطعم بكامل حواسها.
كل الواقفين حولها التفتوا إليها، بينما مراد أمسك بذراعها وهزها سريعًا قائلاً بتوتر:
"تاليا! اسكتي!"
فتحت عينيها ببطء وردت بصدق وانبهار:
"طعمها تحفة بجد! I’m in love with it."
فردّ مراد وهو يشير إلى قطعة الشوكولاتة:
"هي اللي in love with you، صدقيني… بس أرجوكي، بلاش الأصوات اللي بتعمليها دي… ابقي اعمليها وانتي لوحدك، وما تسأليش ليه!"
نظرت إليه بعدم فهم، لكنها أدركت أنه محرج، فاكتفت بأن عضت شفتها السفلى وخفضت نظرها، ثم تبعته بصمت.
وأثناء عودتهما، توقفت تاليا أمام إحدى مكتبات بيع الكتب، كانت المكتبة صغيرة ومتواضعة، لكن فيها روح دافئة تجذب القراء الحقيقيين.
ناداها مالك المكتبة، رجل خمسيني ذو لحية خفيفة وملامح طيبة:
"ماقولتليش… رأيك ف الرواية اللي إدتهالك آخر مرة؟"
وجه تاليا أضاء فجأة، كأن أحدهم أشعل مصباحًا بداخلها، وقالت بحماس صادق:
"حضرتك بتسألني؟ دي تحفة! عجبتني جدًا طبعًا! وأسلوب الكاتب عجبني أكتر، أنا قررت أقرأ كل أعماله. حضرتك ماعندكش حاجه تانية له؟"
ابتسم الرجل وهو يشير نحو الداخل:
"عندي رواية تانية له، هتعجبك أكتر من اللي قريتيها كمان، هجبها لك حالًا."
تقدّم إلى الداخل ثم عاد بالرواية، تناولتها تاليا كأنها تتسلم كنزًا ثمينًا، راحت تتأمل الغلاف بلهفة حقيقية، تلمس الورق وتقرأ العنوان بنظرات تلمع.
عادا بعدها إلى المنزل، ولم يكن الصمت بينهما مزعجًا، بل كان محمّلًا بالكثير من المعاني الصامتة.
أما مراد، فقد غرق في أفكاره وهو ينظر إليها من حين لآخر.
إنها فتاة لطيفة، مهذبة في حديثها مع الجميع، يُحبها الناس بصدق، وأسلوبها في التعامل يفتح القلوب قبل الأبواب.
حتى حين تُعاتبه أو تختلف معه، تحتفظ بقدر من الرقي لا يمكن تجاهله.
مراد شعر بثقل غريب في صدره.
كيف لم يلحظ كل ذلك من قبل؟
كم كان أعمى حين سمح لنفسه أن يراها فقط من زاوية واحدة؟
إن ما بينهما لم يكن سوى عقد، لكنه بدأ يشعر بشيء آخر يُزاحم الهدوء داخله… شيء لا يستطيع حتى الآن أن يسميه.
ها هو المساء يحلّ، يلفّ المدينة بستائره السوداء المتلألئة بأضواء المصابيح وأصوات الناس وحركة السيارات المتتابعة. في منزلهما، كانت تاليا تتهيأ للخروج مع أصدقائها، بينما مراد قد سبقها إلى السيارة بعد أن ارتدى قميصًا أبيض ناصعًا زاده وسامة، وبنطالاً أسودَ كلاسيكيًا يُكمل إطلالة رجل يعرف تمامًا كيف يبدو جذابًا من دون أن يتكلّف.
وقف مراد إلى جوار السيارة، يدقق النظر في ساعته من حين لآخر، ينظر نحو باب البناية كأنّه يعدّ الثواني لقدومها، وفجأة، فتحت الأبواب كاشفةً عن مشهد لا يمكن وصفه بكلمات كافية.
ظهرت تاليا، ترتدي فستانًا قطيفة بلون الزيتون، يلتصق بجسدها فيُبرز ملامحه بوقار لا يخلو من أنوثة، ويصل طوله إلى ما بعد الركبة بقليل. أكمامه الطويلة أعطته طابعًا شتويًا أنيقًا، فيما أكملته بحذاء كعبٍ عالٍ جعلها تبدو أكثر طولًا، لكنها لم تقترب من طول مراد.
شعرها كان مرفوعًا بعناية إلى الأعلى، تاركةً بضع خصلات هاربة تنسدل على جانبي وجهها ورقبتها لتمنحها لمسة عفوية آسرة، أما عيناها فقد أُحيطتا بخط أسود كالكحل العربي، فبدتا أكثر عمقًا وتأثيرًا، وتألقت شفاهها بلون أحمر قانٍ، يكسو ابتسامتها بفتنة لا يمكن تجاهلها.
عندما تقدمت نحوه، لم يحرّك مراد ساكنًا، فقط وقف في مكانه كالمأخوذ، يتأملها بعينين لا ترمش، كأن الزمن توقف عند لحظة خروجها.
قالت وهي تقف أمامه بابتسامة هادئة:
"يلا يامراد، هتسوق انت ولا أسوق أنا؟"
ظلّ ينظر إليها لعدة ثوانٍ ثم تلعثم قائلاً، وكأنما لا يصدق أنها واقفة أمامه بتلك الهيئة:
"انتي… هتروحي كده؟!"
ضحكت تاليا بخفة وهي تشير إلى الفستان وتقول:
"المرة دي مالكش حِجّة… الفستان لا مكشوف ولا قصير أوي."
أومأ برأسه ببطء وقال كمن لا يزال يحاول ترتيب أفكاره:
"أيوه… مانا عارف… بس الفستان حلو أوي عليكي… حلو بدرجة تجنّن… مش هو اللي حلو، لو جينا للحق، انتي اللي محليّاه."
شعرت تاليا بحرارة كلمات مدح لم تعتدها، وأرادت إخفاء خجلها المتسلل، فقالت وهي تتحاشى النظر إليه:
"المهم… إني مش هغيره حتى لو قلت إيه، عشان احنا اتأخرنا، وهنلاقيهم كلهم مشيوا."
ركبت السيارة أولًا، تبعها مراد بعد أن التقط نفسًا عميقًا كأنّه يحاول به تهدئة اضطراب داخلي أثارته رؤيتها، ثم أدار المحرك وتحركا في طريقهما.
خلال القيادة، سألها وهو يُبقي عينيه على الطريق:
"بعتولك اللوكيشن؟"
أجابت باقتضاب:
"أيوه."
قال وهو يمد يده:
"طيب ابعتيهولي."
رفعت حاجبًا بتساؤل طفولي:
"ابعتهولك إزاي؟ أنا مش معايا رقمك أصلاً."
ابتسم وقال:
"هاتي تليفونك كده."
أخذ هاتفها بسرعة وسجّل أرقامه كلها، ثم اتصل بهاتفه من تليفونها، ليتعرف على أرقامها أيضًا، فنظرت إليه بدهشة وقالت:
"مالوش داعي، كنت أعرف اللوكيشن من على تليفوني وخلاص."
رد وهو يضع الهاتف جانبًا:
"افرضي حصل حاجة واحنا هناك، واضطريتي ترني عليا… هتبقي تقولي لهم (مش معايا رقم جوزي)؟! هتبقى غريبة أوي دي."
ابتسمت بخفة، وقد اقتنعت بكلامه، ثم نظرت من النافذة. كانت المدينة تمضي ليلتها في صخب عادي، لكن داخل السيارة، كان الجو مشحونًا بنوعٍ آخر من الترقب، شيء يشبه بداية الحكايات… تلك التي لا تُعرف نهاياتها، لكنها دائمًا ما تُكتب ببطء… حرفًا حرفًا.
وما زال الطريق أمامهما طويلًا، ليس فقط حتى المطعم… بل حتى ما لا يتوقعه أي منهما.
sara ahmed