كانت تاليا تجلس في ركنها المعتاد بالمكتبة، ساكنة كأنّها قطعة من الأثاث، شاردة كأنّها ليست على هذه الأرض. منذ أيام، وربما أسابيع، لم تكن كما كانت. لم تكن تلك الفتاة المفعمة بالحيوية، المضيئة كالفجر، المتقدة بالنشاط والأمل. أصبح الحزن مألوفًا في قسمات وجهها، والشرود ساكنًا في عينيها، حتى الابتسامة التي اعتاد الجميع أن يجدها على محياها، غابت، كأنها قررت الهجرة بلا عودة.
لكنها لم تكن وحدها… فهناك من يراها، يراقبها من بعيد، يتأمل انطفاءها بصمت كمن ينظر إلى قنديل أُطفئ عنوة، ويحاول أن يتذكّر كيف كان وهجه.
كان يجلس في ركن قصيّ من المكتبة، منذ ساعة أو يزيد، لا يقرأ ولا يتصفح شيئًا، كل ما يفعله أنه يراقب تاليا.
إنه مراد.
عينيه لم تفارقها، كأنّه يراها للمرة الأولى، أو ربما يراها بعين جديدة، قلب جديد، وندم جديد. كيف لم ينتبه من قبل؟! هل كانت بهذا الكم الهائل من الجمال؟! جمالها الآن ليس في ابتسامتها، ولا في ضحكتها التي طالما سمعها تتعالى بين الأرفف، بل في حزنها الصامت، في تلك الظلال المرسومة تحت عينيها، في النور الخافت الباقي في قسمات وجهها الذي قاوم الانطفاء.
لقد ذبلت… نعم، لكنه ذبول ناعم، يشبه ذبول زهرة فاخرة، لا تفقد بهاءها حتى وهي في طريقها للذبول.
تبدو كلوحة فنية حزينة، لوحة تعبّر عن صراع داخلي مرير. هناك شيء ثقيل على قلبها، شيء يعرفه هو… إنه ذنبه. لقد كان جزءًا من الألم الذي يسكنها الآن.
وفي اللحظة التي قرّر فيها أن يقوم من مكانه ويقترب منها، كان هناك شاب يقف أمامها، يتحدث إليها، يناديها باسمها، لكنها لا تجيب، لا تنتبه، غارقة في شرودها. حين وضع الشاب يده أمام وجهها انتبهت فجأة، رمشت كأنها تستفيق من حلم، ثم قالت بصوت معتذر ومنخفض:
"آسفة جداً، حضرتك عايز كتاب معين؟"
طلب الشاب منها ما يريد، فأحضرت له الكتاب دون أن تنظر إليه طويلاً، ثم عادت إلى مقعدها، إلى شرودها. أخرجت هاتفها، كانت تحدّق فيه مطولاً، ثم تتنهّد، ثم تعود إلى النظر بنفس التركيز. يبدو أنها تنظر إلى تلك الصور… الصور ذاتها التي أرسلت له، الصور التي كادت تفرق بينهما للأبد.
مراد كان يراها، وكان يشعر أنها ترى في الهاتف خيانات لم ترتكبها، وظنون لم تعترف بها، وعذابًا لا تستحقه.
كان يود أن يقترب، أن يتحدث، أن يعتذر… لكنه تراجع. لم يشأ أن يعكّر صمتها بعد، لم يشأ أن يقتحم عالمها وهي بعد لم تُغلق جراحها. لذا جلس هناك، ينسخ ملامحها، يحاول أن يطبعها في ذاكرته كما هي، في هذا الوقت، بهذا الحزن، بهذا الذبول الذي يشعر أنه مسؤول عنه.
مرّت الساعات، حتى انتهى وقت عملها. جمعت أشياءها، ودّعت زملاءها بصوت متعب، وانسحبت من المكان بهدوء.
خرج مراد خلفها.
نزل الدرج بهدوء، ثم ناداها بصوت خافت، مرتجف بعض الشيء: "تاليا…"
لكنها لم تلتفت، لم تنتبه. أو ربما… تعمّدت ألا تنتبه.
رفع صوته قليلًا، ناداها مجددًا: "تاليا!"
هذه المرة، انتبهت. شعرت بخطى خلفها، شعرت بندائه، التفتت برأسها… للحظة فقط، ثم عادت بسرعة لتنظر إلى الأمام، وكأنها لم تره، وكأنه ليس موجودًا.
أدارت وجهها عنه بإصرار، دون حتى نظرة لوم أو غضب… فقط تجاهل، صمتٌ موجعٌ صفعه في قلبه. شعرت بوجوده لكنها رفضت أن تُعيره أي اهتمام.
وقف مراد في مكانه، عاجزًا، كأنّ قدميه قُطعتا عن الأرض، كأن قلبه هو الآخر التفت عنها وتركه في منتصف الطريق.
لكنه لم يكن مستعدًا لأن يتركها ترحل مجددًا… لا الآن، ليس قبل أن يحاول مرة أخيرة على الأقل، مهما كلفه ذلك من وجع أو رفض. مضى يسير إلى جوارها، خطواته حذرة، كأنه يمشي فوق جمرٍ مشتعل، ثم قال بصوت متهدج، يختلط فيه الرجاء بالخوف:
"لو سمحتي يا تاليا، استني… أنا عايز أتكلم معاكي."
جاءه ردها كصفعة على وجهٍ مفتوح الجرح، بصوتٍ عالٍ فيه من المرارة ما يكفي لإغراق مدينة:
"عايز تقول إيه تاني؟! لسه في حاجه ماقولتهاش وجاي تسمعها لي؟!"
حاول أن يوقفها، أن يُقنعها بالتريث، لكنها استمرت بالسير دون أن تعيره نظرة، فوقف أمامها، جسده المرتجف كان السد الأخير بينه وبين خسارتها للأبد. توقفت مضطرة، بعينين ملتهبتين، نظرت إليه، لم يكن قد رأى هذا الغضب من قبل في عينيها، بل لم يرَ تاليا بهذه الهيئة يومًا. امرأة تتكلم من قلبٍ انكسر وامتلأ بالنقمة، فقالت بحدة:
"وانت كنت سمعتني؟! انت أصدرت حكمك، وقلت اللي خيالك هيأهولك، من غير حتى ما تسمعني ولا تعرف أنا كنت فين! جاي دلوقتي تقولي اسمعيني؟!"
أحنى رأسه قليلًا، وابتلع ريقه، ثم قال برجاء صادق:
"خلينا بس نقعد ف مكان، وأنا هفهمك كل حاجة… صدقيني، أنا كان غصب عني."
ضحكت، ضحكة ساخرة تُكسر الضلوع، ثم قالت:
"كان غصب عني… ماكنتش أقصد… كل حاجة هتتصلح! مش كده؟ مش ده اللي انت عايز تقوله؟! زي كل مرة! كل مرة بتعمل المصيبة، وبعدين ترجع تقولي أنا ماكنتش أقصد… كان غصب عني… أنا كنت مضطر…"
ارتفع صوتها شيئًا فشيئًا، حتى بدأ المارة في الشارع ينظرون إليهما، لكنها لم تبالِ. كانت تنفجر، تنزف، تتقيأ سنوات من القهر:
"وأنا زهقت! زهقت من تبريراتك اللي مابتخلصش! وزهقت منك… وزهقت من الدنيا كلها! انت عايز مني إيه تاني؟! مش أنا واحدة ماستاهلش؟ مش أنا واحدة بروح أستمتع مع واحد ومابعملش حساب لحد قلقان عليا؟! إيه اللي اتغير؟ مش فاهمة… جاي ليه دلوقتي؟!"
كان قلب مراد يخفق بعنف… إنها ليست على طبيعتها، إنها عصبية، حدّ الوجع. فحاول تهدئتها بصوت خافت حنون:
"ممكن تهدي بس الأول… وتفهمي اللي حصل."
أجابت، والدموع خلف عينيها تتوسل بالسقوط، لكنها تأبى الخروج:
"مانا هادية! انت شايفني مجنونة؟ أو بشد ف شعري؟! أنا هادية جدًا… بص، أنا هريحك… انت كان عندك حق، أنا أسوأ شخص ف العالم! أنا السبب ف كل حاجة حصلت! أنا السبب إن باباك غضبك تتجوزني، أنا السبب إنك اضطريت تتجوز واحدة غير اللي بتحبها، وتفضل معاها مش عارف تتخلص منها! أنا السبب ف كل حاجة وحشة حصلت ف الدنيا!… مرتاح كده؟! سيبني ف حالي بقى…"
همّت أن تتركه وتمضي، لكنه تحرك بسرعة ووقف في طريقها مجددًا، جسده يسبق كلماته هذه المرة:
"اسمعيني لو سمحتي… أنا يومها كنت قلقان عليكي جدًا، وماكنتش عارف أعمل إيه… بس وأنا بدوّر عليكي، جات لي رسالة بصور ليكي… الصور اللي اتبعتتلك انتي كمان… صدقيني وقتها ماكنتش ف وعيي، كانت أعصابي متوترة وكنت خايف وقلقان… عشان كده ماعرفتش أفكر."
رفع عينيه إلى وجهها، يتوسل نظرة تصديق:
"صدقيني يا تاليا، وقتها لما شوفت الصور… صدقتها من غير ما أفكر… أنا عارف إنك عمرك ما تعملي كده، وكنت حاسس إن في حاجة غلط أو مش مظبوطة، بس عقلي ماكانش مستوعب كل اللي بيحصل… عارف إني جرحتك، وكان لازم أسمعك الأول وأفهم منك… بس أنا وقتها كان عقلي واقف… وكمان إنك سايباني، وعايزة تنفصلي عني، وقولتيلي قبل كده إنك بتحبي واحد… كل ده خلى عقلي يصدق الصور… بس صدقيني، قلبي كان حاسس إن في حاجة غلط."
توقفت تاليا عن الحركة، كلمات مراد تسللت إلى عقلها، دخلت إلى وجعها، وخلخلت استقرارها. هل قال إنه رأى الصور أيضًا؟ ألهذا اتهمها بتلك الاتهامات الجارحة؟! ولكنها سألته، بمرارة تشبه اللوم:
"وايه اللي غير رأيك دلوقتي؟! إيه اللي أقنعك إن ده ما حصلش فعلًا؟! مش يمكن فعلًا أنا عملت كده؟!"
أجابها بسرعة، كأن قلبه يلهث خلف خلاصه:
"لما فكرت شوية… وركزت ف الصور، لاقيتك مش ف وعيك… يعني كنتي مغمضة عنيكي ونايمة… ولما أصحابك حكولي اللي حصل… الدنيا وضحت معايا أكتر."
نظرت إليه تاليا بدهشة حقيقية، وقد تسلل صوت الدهشة إلى سؤالها:
"أصحابي؟! انت قابلتهم فين… وإمتى؟!"
قال:
"الحقيقة… أنا كنت بعت لحسن عشان أعرف منه اللي حصل… وهما عرفوني كل حاجة… وقالولي على اللي بيهددك كمان."
زمّت شفتيها، وحاولت أن تبدو متماسكة:
"تمام، واديك عرفت كل حاجة… عموماً، صدّقت إني عملت كده، ماصدقتش، مابقتش تفرق معايا يا مراد… كل ده مابقاش يهمني."
قال مراد بصوت ملؤه الندم، وهو يضع يده على قلبه وكأنه يحاول أن يثبّته مكانه:
"تاليا، أنا بجد آسف على اللي قولته… مش عارف قولت كده إزاي… بس صدقيني كنت مصدوم… أنا هجيبلك حقك من اللي عمل كده."
قالت، بصوت كاد يُكسر زجاج الأرواح:
"أنا مش عايزة حقي من حد… أنا كل اللي عايزاه إنك تسيبني ف حالي… عشان أنا تعبت… أنا بقالي ست سنين ف عذاب! ست سنين بحاول أتعايش مع فكرة إن جوزي بيحب واحدة تانية غيري… واتغصب على جوازه مني… أنا عايزة أبعد عن كل المشاكل دي… عايزة أعيش بهدوء… مش عايزة حاجة تانية… أنا عايزة نفسي القديمة… اللي كانت قبل ما أقابلك أو أعرفك… عايزة البنت اللي كان كل همها هتروح فين النهاردة، ولا هتجيب فستان شكله إيه… أنا مش عايزة الحياة اللي بقيت عايشاها دي."
مراد:
"أنا عارف إني كنت سبب في مشاكل كتير حصلت لك، بس كل ده هيتغير... أنا هغير كل حاجة، هجيب لك حقك، وبعدها، لو مش عايزة تشوفي وشي تاني، مش هخليكي تشوفيني… بس لازم اللي عمل كده فيكي ياخد عقابه."
قالها وهو يحدّق في وجهها، كأن عينيه تبحثان عن ذرة أمل في ردها، ذرة رجاء تخبره أن طريق العودة ما زال ممكنًا، ولو كان محفوفًا بالأشواك.
لكن تاليا، المنهكة من كل شيء، أجابته بصوت متعب ممزوج بيأس دفين، يخرج من صدر أثقلته الخيبات:
"أنا مش عايزة حاجة… والله ما عايزة غير إني أرتاح… هو ده طلب صعب أوي كده؟ أنا تعبت… إنتوا ليه مش عايزين تفهموني؟!"
لم يكن في نبرتها رجاء، ولا حتى غضب. كان صوتها خافتًا كأنفاس شخص على حافة الانهيار، عيناها تلمعان بدموع لم تعد تجد طريقها للخروج، ربما لأنها جفّت منذ زمن.
نظرت إليه نظرة طويلة، لكنها خالية من الحياة… ثم أدارت له ظهرها، وغادرت المكان، كأنها تهرب لا منه، بل من كل شيء، من الذكريات، من قلبها الذي أرهقها بحبه، من عقلها الذي أنهكه التحليل… من ذاتها.
وقف مراد مكانه عاجزًا، يراقبها وهي تبتعد، وكل خطوة تخطوها كانت كطعنة جديدة في قلبه، أراد أن يصرخ باسمها، أن يركض خلفها، أن يسحبها إلى حضنه ويقسم لها أنه سيجعل كل شيء يعود كما كان… لكن صمته كان أصدق.
هو يعلم… لن يستطيع أن يُعيد ما كُسر بسهولة، ولن يغفر له قلبها سريعًا… لكن ما يستطيع فعله، وما يجب عليه فعله، هو أن يُعاقب من حطمها، من حطمهم معًا.
في اليوم التالي، كان مراد قد اتخذ قراره. أرسل رسالة إلى رامي وبسنت يطلب مقابلتهما في مقهى رامي. كانت خطته واضحة، ورغبته في الانتقام ممن دمروا تاليا لا تهاون فيها.
عندما وصل، وجد الاثنين ينتظرانه بثقة، كأن ما فعلوه لم يكن أكثر من خطوة محسوبة في لعبة يعرفون قواعدها. بسنت، كعادتها، حاولت أن تقترب منه لتقبّله، لكنه سبقها بالجلوس، ونظر لهما نظرة لا يمكن قراءتها، هادئة… ولكن خلفها عاصفة.
بصوت خافت، لكن حاد، بدأ:
"مين اللي كان معاكي وانتي بتصوري الصور اللي بعتيها لي لتاليا؟"
بسنت، التي لم تتوقع البدء بهذه الطريقة، ارتبكت فورًا، وقالت بتلعثم:
"ماكانش معايا حد… أنا… أنا أصلًا خرجت وراها زي ما قولتلك… وسيبت أصحابي جوه."
توجّه مراد بنظره إلى رامي وسأله بهدوء:
"إنت ماكنتش معاها يا رامي؟"
ردّ رامي بسرعة، محاولًا إخفاء ارتباكه:
"أنا؟ لا… إيه اللي هيوديني معاها؟ أنا كان عندي شغل هنا كتير."
نظر مراد إلى بسنت مجددًا وقال بنبرة اختبارية:
"أمال مين أصحابك اللي كانوا معاكي يا بسنت؟"
بسنت، التي بدأت تشعر أن الأرض تميد تحت قدميها، قالت:
"دول بنات أصحابي… إنت ما تعرفهمش… اتعرفت عليهم من فترة كده."
أومأ مراد وكأنه اقتنع، ثم أكمل كمن يفتح بابًا آخر من الأسئلة:
"طيب اللي في الصورة قولتيلي إنه ياسين… مش كده؟"
بسنت، وقد بدا عليها التوتر أكثر:
"أيوه… بيتهيألي… قولتلك إن الدنيا كانت ضلمة، فـ أنا مش متأكدة أوي… وبعدين هو في إيه؟! إنت بتحقق معانا ولا إيه؟! ده بدل ما تروح تسألها هي."
قال مراد بهدوء قاتل:
"مانا سألتها."
بسنت، وقد اتسعت عيناها قليلًا:
"وقالتلك إيه؟ طبعا قالتلك مش هي، وعيّطت وعملت نفسها بريئة، وانت شكلك صدقتها… عشان كده جاي تحقق معايا، مش كده؟!"
مراد، وقد رسم ملامح البرود على وجهه:
"لأ بالعكس… دي قالتلي إنها فعلاً كانت مع ياسين، وما كدبتش الصور… وقالتلي كمان إنها عايزة تتطلق، وعايزاني أبعد عنها."
أشرق وجه بسنت، والتفتت إلى رامي بابتسامة نصر، ثم قالت بحماسة:
"بجد؟! طيب كويس… عشان تبقى تصدقني… وبعدين يا بيبي، أنا عمري ما أكذب عليك… وكويس إنها هي اللي طلبت تتطلق، طلقها واخلص منها ومن قرفها… بدل ما الناس تتكلم عليك ويقولوا مش عارف تلمّها."
ردّ مراد بتصنع:
"آه، مانا فعلاً هعمل كده… كده كده هي حرّة في حياتها… واهو بالمرة، بابا مايقولش إني السبب… هي هتقول له إنها اللي طلبت الطلاق."
قالت بسنت، وكأنها على وشك أن تُزف في اليوم التالي:
"يعني أخيرًا هتطلقها ونتجوز أنا وإنت؟!"
ردّ مراد وهو يبتسم بخبث خفي:
"طبعًا يا روحي… أنا ما صدقت إنك بعتّيلي الصور… بس المشكلة إن بابا ممكن يقوللي عايز يتأكد إن الصور دي حقيقية… ممكن يفكرها صور مزيفة."
تدخل رامي، محاولًا التأكيد بثقة:
"لأ طبعًا، مش مزيفة… لو وديتها لأي حد، هيقولك كده."
وهنا، اقترب مراد من هدفه الحقيقي، نظر إلى رامي وسأله فجأة:
"وإنت إيه اللي مخليك متأكد كده يا رامي؟ مش قولت ماكنتش معاها؟"
شعر رامي أن السؤال نزل عليه كالصاعقة. تلجلج، وفقد توازنه للحظة، ثم تمتم:
"يا بني… ما هي بسنت قالتلك إنها اللي مصوراها… يعني… أقصد… عشان كده أنا متأكد… هي بسنت هتكذب يعني؟!"
ابتسم مراد بخفة، ثم قال بسخرية خفية:
"طب مفيش صور تانية معاكي يا بسنت تبقى واضحة أكتر؟ أو فيها حاجات أكتر عشان بابا يقتنع؟ أصل الصور دي مش قوية أوي يعني."
ارتبكت بسنت، وتحركت في جلستها بتوتر، ثم قالت:
"لا للأسف… ما صورتهاش إلا دول بس."
أومأ مراد ببطء ثم قال وكأنه يتذكر شيئًا:
"مش معاكي رقم العربية بتاع اللي كان معاها؟!"
بسنت وقد بدأت تفقد تماسكها تمامًا:
"لا… ما خدتش بالي… قولتلك الدنيا كانت ضلمة."
علق مراد وهو يحدق فيها مباشرة:
"بس الصور مش ضلمة… الصور واضحة ودقيقة كمان."
بسنت، محاوِلة الخروج من المأزق:
"ما هو… أصل التليفون اللي صورتها بيه بيوضّح الصور… الكاميرا بتاعته حلوة."
فقال:
"تليفونك؟! وريهولي كده… عشان أجيب زيه، أصل كاميرته عجبتني أوي… دي كأنها كاميرا فوتوجرافر، مش كاميرا تليفون."
ضحكت بسنت بتوتر، ثم قالت:
"إيه ده! لا… مش تليفوني، ده… ده تليفون بنت من اللي كانوا معايا… بس مش عارفة نوعه إيه، هبقى أسألها."
مراد كان قد حصل على ما يريد، وتيقّن من كذبها وتواطؤ رامي. لكنه لم يكتفِ بعد. أراد أن يجهز عليهم تمامًا، لذا التفت إلى رامي فجأة وقال:
"بقولك إيه يا رامي… ما تسلّفني عربيتك ساعة؟ أصل عربيتي باظت… مش عارف إيه اللي حصل لها فجأة وقفت، هروح بس مشوار وهرجعها لك."
أخرج رامي المفاتيح على مضض، لكنه لم يشك، فقد بدا كل شيء عاديًا.
خرج مراد، متجهًا إلى السيارة… ليس لمشوار. بل ليواجه الحقيقة بعينيه… تلك المرآة في الصور لم تكذب، هو رآه ، رأى رامي بمرآة السيارة… وكان يريد أن يتأكد.
ولقد اقتربت لحظة سقوط القناع.
sara ahmed