كانت الليلة أكثر ظلامًا مما تحتمله حتى أريانا.
لا نيران في السماء. لا عواء من العنقاء. لا طقوس انتقام.
فقط سكون… مخيف، يشبه شعور من جلس على ركام روحه، ونظر إلى لا شيء.
في أعماق المعبد المحرّم، خلف سبعة أبواب مختومة بالدم، دخلت أريانا إلى الغرفة التي لم تطأها قدم منذ موتها.
غرفة صغيرة… في وسطها مرآة سوداء، لا تعكس الوجوه، بل الأرواح.
بيدها المرتعشة، أخرجت خصلة من شعر والدتها القديم، محفوطة في خرقة مغطاة بالرماد.
وضعتها في منتصف الدائرة، وأشعلت حولها سبع شمعات بنار زرقاء.
كل شمعة تمثل خطيئة، وكل خطيئة… كانت جزءًا من طريقها.
– أمي…
همستها لم تكن نداءً، بل رجاءً يائسًا.
جلست داخل الدائرة، وبدأت الطقوس.
صوتها ارتفع بتعويذة بلغة منسيّة، لم يبقَ منها سوى صدى في كتب الجلد الممنوعة.
تغير الهواء حولها.
المرآة اهتزّت… ثم اسودّت بالكامل.
منها خرج صوت، خافت في البداية… ثم بدا مألوفًا.
دافئًا… خافتًا… مؤلمًا:
– أريانا… صغيرتي… لماذا عدتِ؟
شهقت، وارتجف جسدها كطفلة فقدت أمها للتو.
– أمي؟! هل هذا… صوتك؟!
هل تسمعينني؟!
ظهر خيال وجه داخل المرآة… باهتًا، لكن العيون… نفس العيون التي كانت تنام أريانا على حضنها ذات يوم.
– نعم، أسمعك… لكنكِ تأخرتِ كثيرًا.
– أمي، أنا… أنا لم أجد العدالة بعد، ولم أجد السلام، ولم أعد أحتمل!
أنا فقط… فقط… أريدكِ أن تعودي.
ليس لأجل الانتقام، لا لأجل القلادة… فقط لأنني… وحيدة جدًا.
صمتت الأم قليلًا… ثم همست:
– أريانا، لماذا أصبحتِ هكذا؟
نزلت دمعة على خدها لأول مرة منذ شهور ، وسقطت في الدائرة، فاشتعلت الشمعات كلها بلون رمادي باهت.
– لأنني فقدتكِ، فقدت روحي معكِ، ولا أحد… لا أحد أعاد لي شيئًا.
الجميع خانني، الكل تركني، حتى العالم تواطأ ليحرقني!
– وأنا ماذا؟ أعدتني… لأحترق من جديد؟
شهقت أريانا، وأجفلت إلى الخلف.
– لا! أنا فقط… أردت أن أراكِ، أن أضمكِ، أن أخبركِ بأنهم… أخذوا ابنتكِ، وأنتِ لم تري كم كنتِ عظيمة.
قالت الأم بنبرة هادئة، حزينة:
– ما طلبتهِ لا يُمنح، يا ابنتي…
الموت لا يُهزم بالحقد، ولا بالدم.
أنتِ الآن جزء من الجحيم… وأنا لم أعد أراكِ.
– أرجوكِ… أمي…
رفعت أريانا يديها، وحاولت لمس المرآة، لكن صورة الأم بدأت تتلاشى، كأنها تذوب داخل الظلام.
– لا تذهبي! لا تتركيني مرة أخرى! لااااااا!
لكن الصوت الأخير الذي سمعته كان خافتًا… ناعمًا… كطعنة ناعمة في صدرها:
– ابنتي… لم تعودي تنتمين لي… بل للجحيم.
ثم اختفى كل شيء.
المرآة تشقّقت… وانفجرت.
أريانا سقطت أرضًا… رماد الشمعات يغطي وجهها، وعيناها جافتان، لكن داخلها يصرخ.
صرخة لا يسمعها أحد… لا البشر، ولا الشياطين.
صمت مطبق… ثم تنهيدة واحدة خرجت منها، كأنها دفنت نفسها في صدر الليل.
**
في الخارج، العنقاء دار في السماء من بعيد… ولم يقترب.
حتى النار… خافت من الاقتراب منها تلك الليلة.
**
كانت أريانا جالسة في الظلام، تحضن قطعة القماش المحترقة التي كانت تخص والدتها، وتهمس:
– كنتِ الأمل الوحيد… حتى ذلك اختفى.
ثم رفعت رأسها، وعيناها اشتعلتا من جديد…
لكن هذه المرة، لم تكن النار للدفء… بل للخراب.
______يتبع ____
✨ريشا ✨
Chaima Boulhraouat