💠 من رحم النار وُلد الانتقام
لم تكن الليلة مثل أي ليلة، كانت الأرض نفسها تتنفس ثقيلًا... كأنها تعلم أن شيئًا عظيمًا على وشك الخروج من تحت جلدها.
وقفت أريانا وحدها فوق أطلال معبد مهجور، حيث الذكريات ليست فقط محفورة على الجدران، بل في عظام المكان.
الهواء من حولها كان مشبعًا بالرماد، والسماء تراقب بصمت بارد، كأنها تتفرج على كائنٍ لم يعد بشريًا.
القلادة الجديدة، المصنوعة من قلب رضيع، كانت تنبض فوق صدرها. ليست مجرد حجر، بل كأنها قلبها الجديد...
نبضٌ يذكرها بكل صرخة، بكل خيانة، بكل لحظة نزفت فيها وهي وحدها.
أغمضت عينيها، والنجوم السوداء في شعرها بدت كأنها تتنفس، تضيء وتنطفئ، كأنها تخبرنا: الجحيم اقترب.
همست بصوت خافت، لكنه ارتجف معه الهواء:
– لتُفتح أبواب النار... لا للخراب، بل للعدالة. لا للدمار، بل للميزان. دعوا من ماتوا ظلمًا يعودون... فاسمي سيكون لسانهم.
تشققت الأرض ببطء من تحت قدميها، وخرجت يدٌ أولى، ثم ثانية، ثم عشرات.
أيادٍ شاحبة، عيون مطفأة، أفواه لا تتكلم... لكنها تصرخ.
صرخاتهم لم تكن تُسمع، بل تُشعر... في الصدر، في العظم، في مكانٍ عميق لا تبلغه الكلمات.
اقترب منها شبح امرأة عجوز، ملامحها مشوهة من لهب قديم.
– هل ستردين لنا أسماءنا؟
فتحت أريانا عينيها، وزرقة الجحيم اشتعلت فيهما، وقالت:
– بل سأردّ لكم... أرواحكم. وسأحرق لهم ما تبقى من سلامهم المزيّف.
وفي السماء، عاد العنقاء... ليس فقط طائرًا أسطوريًا، بل كأنه ظلّ أريانا الطائر.
عيناها وعيناه... نفس الجحيم.
**
بعيدًا… كانت إيزابيلا تقف أمام بوابة القصر، جسدها هناك، لكن روحها لا تعرف في أي زمن تحيا.
خطوتها إلى الداخل كانت كأنها تدوس على قلبها.
الممرات التي قضت فيها طفولتها… صارت ممرات إلى حتفها.
دخلت غرفة والدها، وقف ينظر إليها وكأن شيئًا لم يحدث.
– صغيرتي… أعدتِ إليّ أخيرًا.
لكن صوتها كان كالسيف:
– قتلتَ والد دانيال... أليس كذلك؟
ابتسم. لم يكن وجه أب، بل كأن القناع الذي كان يخفيه لسنين… سقط.
– نعم. ومات معه توازن لم يكن من المفترض أن يهتز. لكنه فعل… بوجودكِ أنتِ.
شهقت.
– أنا؟!
– دمكِ ليس نقيًا… ولا ملعونًا. إنه مختلط.
أنتِ... مثلها. أنتِ ظلّها الآخر.
ارتجف جسدها، ثم شعرت بألم في عنقها، حرارة… ثم اختراق.
ظهر على رقبتها نفس الرمز المتوهج… لعنة قديمة أُعيد تفعيلها.
قبل أن تهم بالكلام، انكسرت المرآة خلفها، وخرج منها ظل يرتدي نصف قناع… وجهه مُشوّه، صوته ليس صوتًا… بل صدى من عالم غير معروف.
– من ظن أنه يملك النار… لا يعلم من الذي صنع أول شرارة.
واختفى.
نظر إليها والدها بابتسامة باردة:
– اللعبة بدأت للتو، واللاعبون الحقيقيون لم يتحركوا بعد.
**
في كهفٍ مهجور… دانيال يمشي بثقل.
صوت داخله يدعوه لمكان لا يعرفه، كأن دمه صار دليلًا إلى ماضي لم يعشه.
كتب على باب الكهف:
"الجهل بالدم... جريمة لا تغتفر."
دخل.
كان الهواء فيه مليئًا بالصدى… أنين غير بشري.
ظهر له ظل أنثوي شفاف:
– تأخرت يا ابن الدمين.
– من أنتِ؟!
– أنا من كنتُ حارسة سرك… منذ أن ولدتك أمك وهي لا تعلم لمن تنتمي.
أجفل.
– أمي؟! ماذا... تقصدين؟
– والدك من الحُماة… كائنات أقدم من الزمن، خُلقت لحفظ التوازن بين الجحيم والنور.
لكن والد إيزابيلا قتلَه… سرق دمه، وجعلكَ نصفًا ونصفًا.
تساقط دانيال أرضًا. تمزق كل ما آمن به، كل ما ظنه حقيقة.
– ابني… كان المفتاح؟
– نعم. ودمك… هو البوابة.
**
وفي مكانها، وسط دائرة النار، شعرت أريانا برعشة غريبة…
شيء لم يكن من طقوسها.
شقٌ أسود انفتح خلفها، لا أرضي ولا سماوي.
وخرج منه صوت... لم يكن غاضبًا… بل أعلى من الغضب:
– لقد تجاوزتِ حدود اللعبة، يا أريانا. الجحيم... لا يخصك وحدك.
استدارت ببطء.
وجهها لا يحمل خوفًا… بل ابتسامة.
ابتسمت كمن عرف السرّ، ثم همست:
– إذًا… لنبدأ الرقص.
_____يتبع ______
✨ريشا ✨
Chaima Boulhraouat