أنفاسها تتصاعد مع البخار في الهواء البارد، خطواتها تضرب أرض المبنى المهجور بثبات قاتل، كأنها تعزف موسيقى انتقامها.
أريانا توقفت عند باب حديدي صدئ، طرقت ثلاث مرات… الإيقاع ذاته.
فتح الباب… وظهر هو.
جون.
عجوز بوشم أفعى يلتفّ من عنقه إلى خده، عيناه لا تزالان تقدحان شررًا، كأن الزمن لم يُطفئ فيه شيئًا.
ابتسم نصف ابتسامة وقال: – أريانا… لقد كبرتِ بما يكفي لتفتحي الجحيم بيديك.
دخلت بصمت، نظراتها تمسح المكان. الجدران متهالكة، لكنها تنبض بذكريات لم تمت. جلس جون في زاويته المعتادة، وأشار لها بالجلوس.
قال بصوته العجوز المتشقق: – مضى وقت طويل منذ نطق أحدهم باسم والدك في هذا المكان.
عين أريانا لم ترفّ، لكنها همست: – احكِ لي.
أشعل جون سيجارًا، وبدأ الحديث… كمن يستخرج رصاصة قديمة من صدره.
– كان والدك، أليخاندرو، رجلًا لا يعرف الانحناء. وقبل أن يصبح أبًا، كان محاربًا. في شبابه، كان صديقًا لروبرتو، والد دانيال… صداقة لا تُصدّق إن قلتها اليوم.
ضحك بمرارة، ثم تابع:
– أسّسا معًا ما يُعرف بـ"التحالف الأسود"، مجموعة من الرجال الذين حموا سرًّا قديما… شيئًا لا يجب أن يراه العالم. شيئًا لا يجب أن يقع في أيدي خاطئة.
– وماذا حدث؟ – سألت أريانا بصوت منخفض.
أخذ جون نفسًا عميقًا، وأجاب: – الطمع. الطمع أكل أحدهم من الداخل. انفجر الحلف… وسقط الجميع. والدك اختفى في تلك الليلة… وعائلة دانيال… لم يبقَ منها أحد.
ارتجف صوتها: – من قتلهم؟
أجاب، وصوته أكثر غموضًا من الضباب: – لا أحد يعلم… أو ربما، لا أحد تجرأ على قول الحقيقة.
ساد الصمت للحظة.
ثم قالت أريانا وهي تفتح قلادتها، وتُخرج منها تميمة قديمة بلون العقيق المحروق:
– لدي ما لم يكن لديهم…
قوة لا تُرى، ولا تُشترى. سأعود. سأرى. سأعرف.
تقدّمت إلى وسط الغرفة، همست بكلمات بلغة ماتت منذ قرون، لغة لا تعيش إلا في دمها.
الهواء تغيّر.
الأرض اهتزّت تحت قدميها.
عادت.
---
الضوء خافت، الزمن شاحب.
وجدت نفسها هناك… في الماضي.
نفس الغرفة، ولكن أنقى. رجال يقفون، يتناقشون. والدها… حي، مشرق، يتحدث بعينين تتوهجان بالحياة.
إلى جانبه… روبرتو، والد دانيال. ثم وميض… خلاف… صوت صراخ… نار…
أحداث تتسارع، وجوه تتبعثر، أصوات تتشابك. أريانا تحاول التركيز… أن ترى القاتل… أن تعرف من فجّر ذلك اليوم…
لكن اللحظة تنهار قبل أن تصل للحقيقة.
استفاقت من الرؤية على صوت انفاسها الثقيلة.
الأرض صلبة تحتها، لكنها تشعر أن جزءًا منها ما زال عالقًا هناك… في الأمس.
جون يراقبها بصمت، دون أن يسأل.
قالت أريانا وهي تنهض، والغضب في عينيها هادئ… وواضح:
– لم أستطع رؤية كل شيء… لكن ما رأيته يكفي.
نظرت إليه، تمتمت:
– شيء ما هناك… يتعمد إخفاء الحقيقة.
ثم أدارت ظهرها، وفي خطواتها وعد خفي:
– سأعود إليهم… ليس كطفلة تبحث عن ماضٍ، بل كلعنة قادمة من الغد.
خرجت، والليل يبتلعها.
لكن الجحيم بدأ يتنفس من جديد.
يتبع…
✨ريشا ✨
Chaima Boulhraouat