الفصل التاسع عشر

الفصل التاسع عشر

11 0

قلب ماعت.... الفصل التاسع عشر

بقلم الكاتبة / رباب حسين

لم تعد المدينة كما كانت، بل أصبحت ساحة حرب....

صرخات البشر امتزجت بزمجرة الوحش، والضوء المرتجف لعربات الشرطة لم يكن قادرًا على اختراق دخان الفوضى الذي خنق الشوارع. لم يعد أحد يعرف من أين يبدأ الهرب... ولا أين ينتهي.

أما سجى، فكانت تقف على حافة الرعب ذاته، تشاهد ملامح ماعت التي تترنح بين الغضب والحزن، وكأن هناك عاصفة هوجاء تحدث بداخله، وأثرها جالي على وجهه.

وجاد، سجين اللعنة الداخلية، لم يعد يدرك إن كان ما يسمعه هو صوت العالم من حوله، أم صوت روحه تُسحب من بين ضلوعه. كل خطوة كان يشعر أنها قد تكون الأخيرة قبل أن يبتلعه الظلام الذي خلقه ماعت بيديه، وأصبحت تلك الحية تتألم كما يتألم ماعت.

وفي تلك اللحظات؛ كان ماعت يتحرك في الظل، لم يعد وجهه وجه رجل، بل قناع من الموت، تُحركه قوة لا تعرف الرحمة. عيناه كانتا تبحثان عن شيء واحد؛ نهاية كان ينتظرها منذ قرون.... نهاية البشرية...

وهكذا؛ بينما تنهار المدينة، وبينما الحية تنشر الخراب، وبينما جاد يقاتل للمرة الأولى من أجل أن يعيش لا من أجل أن يهرب؛ كانت الحقيقة تقترب، فماعت لم يعد مجرد لعنة..

بل أصبح شيئًا لا يمكن إيقافه بسهولة، ومصير العالم بين يد تلك الفتاة الضعيفة، التي تعرض حياتها لخطر لا تدرك حجمه، وتقع بين حديّ الصراع، تنتظر قرار الحرب التي شنتها بيدها، تنتظر المنتصر؛ ماعت... أم ذلك الشيطان المتنكر بوجهه.

دب الخوف في أوصالها، وارتعش قلبها بين ثنايا روحها، لتبتعد بخطوات ثقيلة، وتترقب تلك العيون المتحولة، امتدت يد ماعت؛ التي تحولت إلى مخالب حادة، ورأت سجى يده الأخرى تحاول أن تمنع تلك اليد، وكأن جسده انشق إلى نصفين، بين صراع مميت، يقتل ماعت من الداخل، انسابت دموعه وهو ينظر إليها، لا يريد أن يقتلها مرة أخرى بيده، لن يتحمل رؤية جثتها مجددًا، والألم يعتصر ملامحه، وهو يراقب نظرات التوجس والخوف الباديان على وجهها، وعندما احتد الصراع؛ صرخ ماعت بقوة... قوة كادت أن تكسر الجدران، وقال بصوت يزلزل القلوب: اقتلني أنا.... هي لأ.

لحظة صمت، وعقدت سجى حاجبيها بتعجب، لا تعرف مع من يتحدث؛ ولكن الألم الذي ظهر بين طيات تلك الحروف البسيطة، كانت كافية لتشعر بالحزن عليه لأول مرة، وحينها أدركت... هو سجين العشق، وليس اللعنة، سجين الشعور بالفقد، وألم الفراق يقسمه نصفين.

أغلق ماعت عينيه بقوة، وهي ترى تلك اليد ذات المخالب؛ تقترب من قلبه، وكأنها تريد نزعه من بين ضلوعه، لم تتردد سجى للحظة، اقتربت منه بسرعة دون خوف، وأمسكت تلك اليد القاتلة، ومنعتها من أن تخترق قلبه. توقفت اليد، وعادت إلى طبيعتها، فنظر ماعت إليها بعيون باكية، وقال: سيبيه يموتني.

سجى بحزن: مش معنى إني مش عايزاك؛ إني أسيبك تضحي بنفسك عشاني، حاول تخرج اللعنة منك، لازم تحاربه، أنا ممكن أساعدك عشان تخلص منه.

رفع ماعت يده يتحسس وجهها الذي يعشقه، ونظر لها بحزن وقال: مقدرش عليه، محدش يقدر عليه، أنا خلاص؛ بقيت ملكه، ومش عايزه يأذيكي، وجودك هنا بقى خطر، أنا عارف إنك مش بتحبيني، عارف إنك واخدة شكلها وبس، قلبك ملك غيري، بس إنتي مش زيها، بالرغم من إنك خايفة مني، وإنك مش عايزاني، بس مخونتنيش، كنتي صريحة من أول يوم، مترمتيش في حضني وحضن غيري، ووفائك كان لعنتك، كان السبب في إني اختارك تبقي ليا، وأنا واثق إنك مش خاينة زيها، بس الوفاء ميتقابلش بالسوء، ومش هخليه يعاقبك على إخلاصك، عشان كده هسيبك تمشي، إهربي بعيد يا حبيبتي، إهربي مني ومنه، عشان هيجي وقت ومش هعرف أسيطر عليه.

لأول مرة.... ترى سجى وجه ماعت الحقيقي، ذلك الرجل الذي طُعن بالغدر، وارتسم الحزن على وجهها، ليت القلب ينصاع لأوامر العقل، ولكنه يختار من يريد، وضعت يدها على قلبه وقالت: هي اللي خسرت الحب ده كله، إوعى تفتكر إنك خسرتها، بالعكس... إنت قلبك متقدرش، هي اللي داست عليه عشان متستاهلش، سامحني... لو بإيدي كنت فضلت جنبك العمر كله.

ابتسم بحزن، ونظر لها نظرة الوداع، لم تعلم سجى بأنها علقت قلبه بها أكثر، ثم ابتعدت عنه، وذهبت نحو الباب لتفتحه وتخرج من ذلك القصر، ولكن تفاجأت أن الباب لايزال موصود من الداخل، نظرت له بتعجب فقال ماعت: أنا مش قافله.

هنا وتحدث صوت اللعنة وقال داخل رأسه: لو فضلت كمان شوية جنبك هتحبك، لو خرجت دلوقتي هتشتاقلها، خليها هنا، خليها تحبك عشان تقوى بيها.

قال ماعت بصوت مسموع: سيبها تمشي.

اللعنة: لأ.

نظر لها ماعت بأسف وقال: مش بإيدي، خليكي هنا، متخافيش مش هيأذيكي خلاص.

انطفئ الأمل بصدرها مجددًا، ولم تجد سبيل سوى أن توافق على طلبه بالبقاء.

لكن تلك الحيلة التي لجأ لها معروف ومراد أجدت بنفعها، فقد بدأ جاد يستعيد وعيه، ذلك الحزن الذي قبع داخل قلب ماعت، كان كفيل بإضعاف الحية التي تسكن بداخله، لذا استطاع جاد أن يسيطر على نفسه، وفتح عينيه ببطء، نظر إليهم بإرهاق وقال: حصل إيه؟

معروف: الحمد لله، رجعت أخيرًا.

عقد جاد حاجبيه وقال: رجعت منين؟!

قص له مراد ما حدث، فنظر جاد إلى براء بقلق وقال: يعني هي كده وقفت قدام ماعت؟! إنتو إزاي تعملو كده؟

معروف: مفيش حل قدامنا غير ده، ماعت بيقوى، كل يوم يخرج يقتل في الناس، الحكومة أعلنت حذر تجوال، الناس بقت عايشة في رعب، وإنت الوحيد اللي تقدر توقف اللعنة.

جاد بغضب: أنا مش هستنى أكتر من كده، هنغير الخطة.

براء: طيب هنعمل إيه؟!

خرجو جميعًا وجلسو بمكتب معروف، ثم بدأ جاد يخرج التعاويذ من الكتاب، ويكتب لكل واحد منهم التعويذة التي سيقوم باستخدامها، ثم تناولو الطعام، ونامو جميعًا استعدادًا لحرب غد.

في الصباح، ذهب معروف إلى وزارة الداخلية، وطلب مقابلة وكيل الوزارة، وقص له حقيقة لعنة ماعت، ثم طلب منه مراقبة ماعت من خلال سيارات الشرطة المنتشرة بالمدينة، وإبلاغه بموقع ظهوره على فور، ويتركو الحرب له ولرفاقه، فالشرطة لن تستطيع مواجهة لعنة الفراعنة، وافق وكيل الوزارة وإن كان لا يصدق ما قال معروف ١٠٠٪، ولكن في ظل مواجهة ذلك الكائن المجهول، أصبح كل شيء ممكن.

قام وكيل الوزارة بإبلاغ الوزير بما قاله معروف، وأمر الوزير بتنفيذ ما طلبه معروف بالكامل، فهناك حالة ذعر بالبلاد، وعليه حماية المدنين.

أما براء، فذهب عند القصر، منتظرًا خروج ماعت، ليبلغ الشرطة على الفور، حتى تستعد للمراقبة.

وبداخل القصر، سجى تنام بهدوء، ودموعها تسيل على وسادتها، مد ماعت يده وأزال دموعها، فتحت سجى عينيها، لترى تلك النظرات الحزينة التي تودعها، نهضت سجى وجلست بالفراش، ووجدت الطعام بجوارها، فقال ماعت: خرجت جبتلك فطار، كلي كويس.

أومأت له سجى بالإيجاب، ثم نظرت له بتعجب وقالت: إنت ليه حزين؟ أنا معاك أهوه.

ماعت: معايا بجسمك بس، قلبك وعقلك ملك غيري، حتى دموعك بتنادي عليه وإنتي نايمة، ياريتني كنت هو.

سجى: أنا معرفش هو مين، بس بتمنى يحبني ربع حبك ده.

أغمض ماعت عينيه، وكأنه يستمع للأوامر الجديدة، ثم فتحهما مرة أخرى وقال: هسيبك دلوقتي.

كاد يذهب ولكن عاد بخجل ونظر لها وقال بتردد: هو أنا... ممكن أحضنك مرة واحدة بس؟!

نظرت له سجى طويلًا، وفتحت ذراعيها أمامه، اقترب منها وضمها إليه، وقال بصوت مجروح: سامحيني.

تركها وذهب، وكأنه يعلم بداخله أن النهاية أصبحت وشيكة.

نزل ماعت، وبدأ بعمل الطقوس اليومية، حتى اقتربت الشمس من الغروب، وفي مكان آخر، يجلس جاد بسيارته، ينتظر خروج ماعت كي يتحرك سريعًا، ومعه مراد ومعروف، وعيونهم ترتكز على هاتف معروف، في إنتظار شرارة الانطلاق.

حل الليل، وها هو ماعت يخرج مرة أخرى، واتصل براء بمعروف على الفور، وأبلغه بخروجه وهو يركض نحو القصر، أما سجى، نزلت تركض على الدرج كالعادة، متجهة إلى باب القصر كي تتحدث مع براء، ثم سمعته وهو يقول: "أفتح باسم من انفتقَ به الكون،

أُنادي باسم النور الأول،

انشق... وانفض الحجب،

واكسر أختام الظلام.

أزيح الباب المُغلق،

وأرفع ما طمس السحر واللعنات،

باسم من خلق الأرض،

وباسم الحي الذي يموت،

انفتح... "

وقفت سجى تترقب ما يحدث، ومد براء يده ليفتح الباب، وهو يدعو الله أن تعمل تلك التعويذة، وبالفعل... فتح براء باب القصر، ونظر إلى سجى التي تحمل ملامح من حتب، ثم ابتسم وقال: مع إن شكلك متغير، بس المهم إنك خرجتي، حمد الله على السلامة.

نظرت سجى خارج القصر، ثم إلى الباب الذي اتفتح أمامها بصدمة، وقالت: يعني.... أخرج.

أومأ لها براء بالإيجاب، فخرجت سجى بقدم مثقلة، وكأنها لا تصدق أنها تغادر ذلك السجن، وبداخلها تخشى أن يكون مجرد حلم، وتخاف أن تستيقظ منه على كابوس الواقع، ولكن... خرجت، وهي تبتسم بدموع عينيها.

أمسك براء يدها، وركض نحو السيارة، وقادها وهو يمسك بهاتفه، ينتظر اتصال من معروف، نظرت له سجى بتعحب وقالت: هو إيه الحديدة اللي في إيدك ديه، ليه باصص عليها كده؟!

نظر لنا براء بتعحب وقال: ااااه، إنتي دماغك من ٥٠٠٠ سنة، لا الموضوع صعب الشرح يا سجى بجد.

سجى: أنا أصلًا مش فاهمة نص كلامك.

تنهد براء وقال: يارب تنجح يا جاد النهاردة.

سجى: هو فين جاد؟! مش قلت هيجي معاك.

براء: ناسية التكنولوجيا وفاكرة جاد، مش عارف أضحك ولا أعيط على حالكم، متقلقيش إحنا رايحين لجاد دلوقتي.

ثم تلقى براء إتصال، وأخبره معروف أن ماعت قد ظهر في أحد شوارع محافظة الجيزة.

فذهب براء إلى هناك بسرعة، وجاد يقود السيارة بسرعة جنونية، متجهًا إلى ماعت، لتشتعل الحرب الأخيرة.

وصلت سيارة جاد، ونزلو جميعًا وعلى وجههم ملامح الدهشة، وينظرون إلى تلك الحية الضخمة التي تواجه هؤلاء العساكر والضباط، ثم انتبهو لسيارة براء التي تقترب منهم، التفت جاد وهو ينظر إلى السيارة المقتربة منه، يتأهب نزول سجى منها، ليراها للمرة الأخيرة، قبل أن يودعها إلى الأبد.

نزلت سجى، عيناها تبحث عن جاد، حتى لاحظت الحية تقف بمنتصف الشارع، ولاحظت أنها أصبحت أكبر، أشرس، أقوى، ثم قاطع نظراتها صوت براء وهو يقول: جاد أهوه.

نظرت سجى إليه، ولاحظت نظرات العشق الحزين الذي يغطي وجهه، اقتربت منه وهي تنظر إلى عينيه، حتى وقفت أمامه وقال جاد: وأخيرًا شفتك.

سمع جاد صوت صرخات العساكر، فنظر لهم ثم قال: هرجعلك تاني، يلا يا جماعة مع بعض.

اقتربو جميعًا منه، وأمسك جاد يد سجى، لتشعر بحنين داخل قلبها، وكأنها تتذكر لمسته جيدًا، مشت بجواره، حتى اقتربو من الحية، وأمر الضباط كل العساكر بإخلاء المكان.

نظرت الحية إلى سجى، ثم رأت يدها بين يد جاد، وكادت تتحرك بغضب، ترك جاد يد سجى، ووقف أمام الحية بقوة، وقال بصوت مرتفع: نفرت حمت.. إفتحي الأبواب،

أخرجي من الجسد الحي، وابلعي صاحبك الأول.

خرج دخان أسود على هيئة حية كبيرة، ووقع جاد أرضًا من شدة الألم، اقتربت سجى منه، وأمسكت به وهي تشعر بالخوف عليه.

وقفت تلك الحية أمام ماعت، ونظراتهما تحتد، رفع جاد يده بضعف وقال: لا تخافي، لا ترهبي، أوقفي تلك اللعنة، وانفصلي عنها، واقتليها بذات السلاح.

اشتدت الحية التي كانت داخل جاد، ووقفت أمام ماعت، وبدأ الصراع.

بين عيون تشاهد بخوف، وعيون تترقب القادم، هناك عيون تودع الحياة، تودع تلك الحبيبة التي لطالما أراد أن يحظى بها، وتقسم نظراتها المشتاقة روحه إلى نصفين، ليعلن لحظة الوداع.

يتبع....

رباب حسين

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

قلب ماعت

المؤلف Rabab Hussien
2025/12/08 مكتملة
قائمة الفصول (20)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة