قلب ماعت.... الفصل الرابع عشر
بقلم الكاتبة / رباب حسين
لم يكن جاد يصدق أن الخطوات الثقيلة التي يجرها فوق رمال أبيدوس ليست سوى بداية جديدة... بداية لم يطلبها، ولم يستعد لها، ولكن القدر ألقاه فيها كما يُلقى حجرٌ صغير في قلب بحرٍ هائج.
أنفاسه تتسابق، صدره يئن، واللعنة ما زالت تزحف داخله مثل وحشٍ يتغذى على روحه، استقرت تلك الحية بجسده، لعنته، وصمته... وأخيرًا دفعته للهلاك.
لكن الأصعب لم يكن الألم... بل ذلك المشهد الذي انغرس في عقله كنصلٍ بارد: سجى تقف إلى جوار ماعت، يرتوي من عشقها.... عشقها الذي كان ملكه، والآن يوشك أن يتركها، بين يد ذلك الملعون... عيناهما تتلاقى، وتعويذة مجهولة تلمع بين شفتيها، بعشق سيعطي القوة اللامتناهية له.
لحظة هشّ فيها قلبه قبل روحه، وشعر بأن المتاهة التي خرج منها.... ما زالت تحاصره، فقط تغيرت جدرانها.
هنا، في قلب أبيدوس، ستُكشف الحقيقة، سيُختبر الولاء، بين جمر الخديعة وعودة الظلال.
هناك أصوات مرتفعة، لم يقوى على فتح عينيه، فقط وضع الاختيار على الميزان، وانتظر لحظة الهلاك، لحظة أن يحاط بالنيران وتلتهم جسده عن آخره.
هدأت الأجواء، وعلا نبض قلبه المذعور، حتى شعر بنبضه داخل عروق جسده، وكأن قلبه يودع نبض الحياة، وينشر ما بقي له بجسد قارب على الانتهاء، ثم سمع صوت ينادي باسمه، صوت عجيب لم يسمعه من قبل، يصدأ بالأجواء، وكأنه داخل غرفة مغلقة، محكمة، ليس هذه الحديقة الزائفة، وهناك سؤال تردد بذهنه: "هل هذا صوت الموت؟"
فتح عينيه ببطء، ليجد غرفة مضيئة، التفت حوله يبحث عن مصدر الصوت، ووجد الحارس يجلس على عرش من ذهب، وتحولت هيئته تمامًا أمام عينيه، ليصبح بني آدم، ابتسم له بإشراق وقال: حفيدي جاد العزيز، تمنيت أن تحظى سلالتي بشرف عائلتي العريقة.
نظر له جاد بعدم استيعاب، وعيناه تشرق بابتسامة ساطعة، هو أمام الملك الفرعوني الشهير، من درس تاريخه، من قرأ عنه بجميع كتب المؤرخين، يجلس أمامه الآن! وأردف: أعلم أنك لا تفهم ما أقول، دعني أشرح لك، أنا الملك سنوسرت الثالث، من أكبر ملوك الأسرة الثانية عشر، أنا أول من شق الممر المائي بين البحر الأحمر ونهر النيل المصري العظيم، أنا من انتعشت التجارة المصرية على يدي، لتصبح مصر ملتقى قارات العالم، وأنا من أنهى لعنة الكاهن ماعت، وأنت... حفيدي، ومن سيكمل تلك الحرب ضده من بعدي.
فتح جاد عينيه بصدمة، فإن كان يشعر بالفخر عندما علم أنه يقف أمام أحد ملوك الفراعنة، إلا أن كلمة حفيدي بعثت بداخله قوة لا مثيل لها، وقال بتعجب: أنا حفيدك؟!
سنوسرت: نعم، وأنا مجرد ذكرى خُلدت بتلك المتاهة، تمنع لعنة ماعت أن تعود لأرض مصر الحبيبة، وتعطي السلاح لمن سيكمل المسيرة من بعدي، كنت تظن أن الثلاث مهمات التي مررت بهم، مجرد تعجيز لماعت حتى لا يصل إلى التميمة، معك حق، ولكن أنت لست ماعت، فقد اختبرتك عدة اختبارات، لكي أعرف صدق نواياك، إذا كنت حقًا طاهر النفس تستطيع أن تحمل راية الحرب أم لا.
أول مهمة؛ رأيت الندم داخل صدرك، والحسرة على نفسك لأنك قتلت، وثاني مهمة؛ هي اختبار لك، هل ستسطيع القتل إذا تحتم الأمر أم أنك ضعيف؟ أما المهمة الأخيرة؛ فكانت اختبار لضميرك، أنت تعلم ما حدث بالماضي مع ماعت، وذكرياته مرسخة داخلك فكان من الممكن أن تختار المذنب، ولكنك لمت نفسك أولًا.... حاسبتها وقيمتها، واعتذرت عن خطأك، لذا أنت تستحق أن تحمل هذه التميمة.
ولكن تذكر، هذه اللعنة الراسخة بداخلك؛ والتي أيقظتني من خمولي، هي سلاح ذو حدين، عليك استخدامها بذكاء، والأهم، أحذر من اليأس، فهو ليس من نفسك، بل من نفس ماعت التي تريد منك أن تتوقف عن الحرب، وبالأخير؛ لا تستخدم ذات الطريقة للقضاء عليه، حاول البحث عن حلول أخرى.
رفع الملك يده التي تحمل صولجان أمامه، وانبعث منه ضوء شديد، أغمض جاد عينيه على أثره، وسمعه وهو يقول: والآن؛ انتهت مهمتي، إذهب بسلام يا حفيدي العزيز.
لم يسمع جاد شيئًا بعدها، وكأنه قد انفصل عن عالمه، بل لم يكن عالمه هو، بل عالم مصنوع من سحر الفراعنة، يحمي ما يستحق الحماية، عالم مبدع لا مثيل له، ولن يتكرر على مر العصور، وبالرغم من السعادة التي بداخله، إلا أن ولد شعور جديد، هناك صرخة مع شعور بشيء يتحرك داخل صدره. قاطع ذلك الشعور؛ اليد التي تدفعه في كتفه، ثم سمع صوتًا يقول بذعر: يا جاد.... يا جاد... ده حصله إيه ده؟!
فتح جاد عينيه بثقل، وكأنه كان يحارب لأعوام، لا يعلم كم من الوقت مضى، ثم تفاجأ بأنه وجد ذاته بنفس المكان الذي رأى به الحارس أول مرة، والشيء العجيب، أنه وجد كتاب السحر الأسود بين يديه، وباليد الأخرى، تميمة ذهبية، تشع ضوءًا، وصوت صرخة مكتومة، نظر لمعروف الذي ينظر إليه بذعر وينادي عليه: رد عليا طيب يا جاد إنت كويس؟!
أومأ له جاد وقال: أنا.... أنا حفيد سنوسرت التالت.
تعجب معروف من حديثه وقال: إنت مين؟!
جاد: أنا شفته، شفت الملك سنوسرت، مش قادر أوصفلك اللي شفته، بس أنا اتكلمت معاه.
معروف: لا متقلقنيش عليك، إنت حصلك إيه جوا؟!
جاد: صدقني يا بروفسور، بص الكتاب أهوه.... كتاب السحر الأسود، وديه التميمة، هو إتكلم معايا، وقالي إني حفيده، ولازم أكمل الحرب اللي هو بدأها ضد ماعت، وإني حفيده. أنا حفيد سنوسرت!
معروف: طيب قوم، يلا نطلع من هنا، وهات الحاجة ديه معاك، خلينا نخبيها عشان نعرف نخرج من غير ما حد يقبض علينا.
جاد: حاضر.
وضع جاد التميمة بجيبه، وأخفى الكتاب بين ثنايا ملابسه، ثم خرج مع معروف إلى مراد وبراء.
اقتربا منه بسعادة، فرحةً بعودته، ثم خرجو جميعًا وصعد بالسيارة، وقص لهم جاد ما حدث معه بالداخل، ثم أردف: إحنا دلوقتي نروح أي فندق، وأنا هرجع بكرة هنا وأراقب المكان لحد ما ماعت يظهر.
براء: أنا هاجي معاك، أكيد سجى هتيجي معاه، وأنا عايز أشوفها واطمن عليها.
أومأ له جاد بالإيجاب، وبداخله يشعر بالضيق من اهتمام براء الزائد بها، وهناك شك بداخله، "هل براء يكن مشاعر تجاه سجى؟" ظل يفكر بهذا السؤال في صمت حتى وصلو إلى مطعم تناولو الطعام، ثم ذهب إلى أقرب فندق بسوهاج.
هناك الكثير مما يثير قلق جاد، ليس فقط الحرب التي سيخوضها قريبًا مع ماعت، والخوف من الخسارة أمامه، ولكن الأسوء أنه إذا تمكن من استعادت جسده؛ سيحظى بسجى زوجةً له.
مجرد بالتفكير بالأمر شعل نيران الغيرة بصدره، فأصبح حافز أقوى له كي ينتصر غدًا، أمسك بكتاب السحر الأسود، وتذكر طلب سنوسرت منه، أن يقضي على ماعت بطريقة أخرى، فأخذ يبحث عن التعويذة التي استخدمها ماعت، ومجرد أن بدأ بقراءة الكتاب، أصابه الصدمة كان يحتوي على تلاسم وتعاويذ خطيرة، منها ما قد يستخدمه لقتل لعنة ماعت، ومنها ما قد يزيد الأمر سوء، ولكن الأمر الذي تأكد منه؛ أن هذا الكتاب خطير جدًا، ومن الممكن أن يدمر البشرية إذا وقع في يد أشخاص مثل ماعت.
دخل معروف الغرفة عنده، ووجده يقرأ بالكتاب، فقال له: إنت بتعمل إيه؟!
جاد: بدور على طريقة تبطل لعنة ماعت، لما الملك استخدم التميمة ديه زمان، اعتقد مكنش قرأ الكتاب ده، وعشان كده حافظ الكتاب مع التميمة عشان لما ماعت يرجع أو حد عايز يحاربه ياخد السلاح اللي هيقضي عليه، وأعتقد إن نهاية ماعت هنا.
معروف: بس خلي بالك، الكتاب ده مش سهل، أوعى تمشي ورا وتعاويذ غلط وتروح في داهية.
جاد: متقلقش، هو فعلًا مرعب، تعالى ندور سوا على تعويذة ماعت.
أخذا يبحثا عنها حتى وجد تعويذة (نق إم إست) تعويذة قاطع رابط الظلام، وهي التي تفصل جاد عن قوى الشر التي تتحكم به، أشار جاد إليها وقال بسعادة: بص ديه يا بروفسور، أعتقد ديه عكس تعويذة ماعت.
قرأها معروف ثم قال: اه فعلًا، بس ديه ليها شروط.
قرأها جاد وقال: يعني إيه لازم قلب طاهر؟! مش فاهم.
معروف: الطهر ليه معاني كتير، يعني طاهر من الذنوب، أو ممكن خالي من الحقد، الضغينة، النية كمان سليمة، يعني مش معروف معنى الجملة إيه بالظبط.
جاد: على العموم معنديش حل غير إني أعملها.
معروف: طيب ممكن تنام عشان تقدر تركز بكره؟
جاد: أنا فعلًا محتاج أنام.
ذهب إلى الفراش، وغادر معروف الغرفة، تاركًا جاد بين أفكاره، تعصف به من كل اتجاه، حتى نام دون أن يشعر.
في الصباح، ذهبو جميعًا عند المتاهة مرة أخرى، واختبئو بالقرب من الباب في انتظار ظهور ماعت وسجى.
ظلو في الانتظار حتى بعد الظهيرة، ثم ظهرت أمامهما سجى، لم يرى أحد منهم ماعت، سوى جاد الذي انتفض حين رأها تقترب، وانتظر حتى دخلا المتاهة، ولحق بهما جاد، وكاد يذهب إلا أن معروف أمسكه من ذراعه وقال: سجى لوحدها!
جاد بتعجب: ماعت جنبها أهوه، إنت مش شايفه؟!
قال براء: لأ مفيش حد فينا شايفه.
جاد: طيب أنا هدخل وراهم.
معروف: استنى هنيجي معاك.
جاد: ماعت ممكن يأذيكم، خليكو هنا.
معروف: لازم حد معاك، أنا هدخل.
تنهد جاد ونظر له بقلق ثم قال: ماشي، بس لو لقيت الوضع مش كويس أهرب فورًا.
وافق معروف، ولحقا بسجى وماعت، ظلا يراقبا في الخفاء، حتى لاحظ غضب ماعت وهو يقول: فين التميمة؟!
ظل يجوب بالأجواء، وسجى تحاول أن تهدأ من روعه، حتى توقف ماعت فجأة، كأنه استشعر شيءٍ ما، ثم سمع جاد صوت يصدر من جيبه، واتضح أن التميمة تصدر صوت، وكأنها وجدت مالكها، فقوة ماعت الكبرى بها، فنظر جاد إليها بقلق وقال بهمس: شكله حس بيها، سمع صوتها.
معروف: متوقعناش ده خالص.
وظهر ماعت أمامهما فجأة، وأخيرًا ظهر أمام معروف، ففتح عينيه بصدمة من هيئتة، ونظر ماعت لجاد بغضب وقال: إنت تاني؟!
حاول جاد أن يهرب من أمامه من شدة خوفه ولكنه لاحقه بكل مكان، وصاح معروف بقوة: قول التعويذة يا جاد.
سمعت سجى ما يقول معروف، فركضت لتقف أمامه ونظرت إلى جاد بقوة وقالت: إبعدو عن حبيبي، عايزين منه إيه؟!
نظر لها جاد بحزن وقال: ده مش حبيبك، إنتي مسحورة بتعويذة، فوقي يا سجى... فوقي.
نظرت له سجى بصدمة، ذات الصوت الذي ينادي عليها في الحلم، بل يناديها بذات الاسم، وهذا النبض الخائن! لما تنبض له بهذه القوة؟! وقف ماعت أمامها وقال بغضب: هات التميمة.
جاد: على جثتي.
ابتسم ماعت استهزاء وقال: إنت اللي طلبت.
ابتعد وطاف بالأعلى ليحرق المكان بالكامل، ولكن صاح معروف: بسرعة يا جاد.
وقف جاد بقوة وقال:
"نق إم ست
إنزعي عن هذا الكيان ظله
وافصلي حمايته
وأجعلي جسده عاريًا أمام الحقيقة"
نظر له ماعت بصدمة، وتوقف عن الحركة، "جاد حصل على كتاب السحر!"
أما جاد، فشعر بألم داخل صدره، وسقط أرضًا لا يعلم ماذا حدث، وكأن التعويذة قد أثرت به هو فقط، أما ماعت فلم يتأثر، نظر لهما معروف بتعجب، وعندما وقع جاد متأثرًا، تقدم من ماعت سريعًا وأخذ التميمة.
حين وضع ماعت يده عليها، هبت رياح عاتية قوية، تحولت إلى إعصار، واحتمو جميعًا من هذا الرياح الشديدة، حتى التفت الرياح حول ماعت، وصاحبها بعض النيران، ونظرو جميعًا له بصدمة، وبعد قليل، هدأت الأجواء، وظهر ماعت بجسد غريب، ليس بشري، ولا ميت، هيكل عظمى متحرك، يسكوه فقط غطاء من الجلد، ولكن لونه رمادي اللون باهت، وعيناه طغى عليها اللون الأحمر وتحمل غضب شديد، وظهر السيف بيده مرة أخرى، ثم أمسك سجى من يدها، التي تجوب بنظرها بين جاد وماعت، وكأنها فقدت وجهتها الحقيقية، ونظر ماعت إلى جاد بسخرية، واختفا معًا.
ظل جاد المتألم من جسده، وقلبه الحزين، وروحه المعذبة بفقدان سجى إلى الأبد بالأرض، ونظرات الحزن تسيطر عليه، معلنًا أنه قد خسر المعركة، بل خسر كل شيء.
تُرى... كيف سيعيد جاد الأمور إلى نصابها الصحيحة؟!
يتبع....
رباب حسين
Rabab Hussien