الفصل السابع

الفصل السابع

13 0

قلب ماعت.... الفصل السابع

بقلم الكاتبة / رباب حسين

الندم... أقسى شعور من الممكن أن يمر داخل صدر الإنسان، ندمه على ما فعله بسجى، فاق كل الأوجاع التي شعر بها منذ أن ابتعد عنها، كان جسد بلا روح، يشتاق إليها ويلعن ذاته بأنه يشعر بهذا الاشتياق، ظل يردد داخل عقله جملة واحدة:" كاذبة... مخادعة، ليتني لم أراها يومًا." فقط حتى يستطيع المضي قدمًا، كي ينسى هذا العشق المزروع داخل صميم قلبه.

حاول جاد أن ينساها مرارًا، حتى فتح عينيه على الحقيقة، حقيقة طعنته بسيف الندم، يعصر قلبه ليقطر دموع الحسرة على تلك البريئة، تلك الطفلة التي وثقت به، أعطته مشاعرها دون حدود، وهو فقط... ذبحها بسيف الغدر، وارتمى بين أحضان تلك الخائنة، بعد أن زرعت الأشواك بينهما، وفرقت بينهما بخداع متقن، لتكون النتيجة خيانتها له.

كان على يقين أن سجى لن تسامحه، لن تعطيه فرصة ثانية، كيف تسامحه بعد هذا الغدر، بعد أن عدم روحها بيديه، أصدر الحكم... ونفذ دون حتى أن يعطيها حق الدفاع، كان القاضي الجلاد.

وها هي تلك الصغيرة، تأتي لتصفعه ببراءتها، تعطيه درس عن التسامح، عبرة لمعنى الحب الحقيقي، الذي لم يتغير برغم القسوة، لم يتأثر بالمسافات، ولا بذلك الغدر، ولا بتلك النظرات القاسية التي رأتها داخل عينيه، جاءت... لتعلمه كيف يكون الحب، وما معنى أن تضحي في سبيل من تحب، ليتحول سيف الندم إلى خنجر مسموم، ينشر سم الحسرة داخل جسده، يعض على أنامله ندم، يُسجن خلف لعنة أخرى؛ ليس لعنة ماعت، بل لعنة عشق غرس سهام الألم تسحق ما بقى منه كأدمي.

سمع صرختها، عتابها القاسي، وبالرغم من أن ماعت يصور لها أحداث كاذبة، إلا أنها لا تزال ترفض أن تنتقم منه، لا تزال تعشقه حد الجنون، أما هو... مقيد داخل جسده، الذي أصبح ملك للشيطان ماعت، بعد أن استغل لحظة ضعف مر بها جاد، لحظة خيانة زوجته، وحقيقة خيانته لسجى، كان تائه الخطى، لم يكن يعلم أن موافقته على مساعدة ماعت، بمثابة توقيع معاهدة مع الشيطان.

نعم هو شيطان، رأي عيناه الثعبانية في هذا اليوم، حين وقف على جثة فريدة وطارق، يعلن إمتلاكه له، ووسط صرخات الأهالي والجيران؛ عندما شاهدو بشاعة جثمان فريدة وطارق، إلا أنه لم يرى أو يسمع سوى ماعت، الذي فتح فمه بشكل غير اعتيادي، وأخرج دخان أسود، انطلق من فمه على شكل حية سوداء كبيرة، فتح جاد عينيه بصدمة، ينظر لها وهي تتحرك على الأرض، متجهة نحوه بسرعة، لتتشبث بقدمه، وتسلقت ساقه حتى وصلت إلى معدته، وغرست ذيلها بها، ثم ارتفعت برأسها تنظر إلى جاد بعين ثاقبة، غاضبة، نظر لها جاد وقد فقد الحركة والنطق، بعد هذا الألم الذي تخلل داخل جسده بمجرد أن غرست تلك الحية ذيلها بداخله، فتح فمه متألمًا دون صوت فدخلت الحية بداخل فمه واختفت في لحظة.

منذ تلك اللحظة، لم يعد جاد شخصًا طبيعيًا، عيناه ترى بطريقة مختلفة، يسمع بوضوح، والأصعب؛ هو شعور الغضب الذي لا يحتمل، مشاعر قوية، ليست معتادة، حينها أدرك أنه أصبح... ماعت.

سقط مغشيًا عليه من الألم، فحمله الرجال وأخذوه إلى المشفى، وفي هذه الأثناء، كان يتحد ماعت وجاد داخل جسده، واللعنة أصبحت بداخله، ليست بهذا الحجر الملعون، بل أصبح هو قلب ماعت.

وما لم يكن يتوقع حدوثه، هو رؤية تلك الذكريات، ذكريات ماعت القديمة، ليعود بالزمن إلى آلاف السنين، إلى عصور ما قبل الميلاد.

كان ماعت كاهن في معبد أمون، والعجيب؛ أنه كان شخصًا حالم، عاشق، تزوج من محبوبته "من حتب" بعد عشق دام لسنوات، منذ أن كان مراهقًا؛ كان يشعر بأن أشعة الشمس تنبعث من وجهها عندما تمر بجواره، تخطف عينيه وقلبه معًا، ظل يحاول التقرب منها، حتى أصبح من كهنة المعبد، كما طلب والدها منه كشرط ليوافق على زواجه منها، وبالفعل أصبحت زوجته.

وذات يوم، عاد ماعت من المعبد إلى منزله، راكضًا نحو منزله الذي تزين بوجود زوجته الحبيبة.

دخل ماعت وصاح بسعادة مناديًا عليها: زوجتي الحبيبة.

خرجت من حتب إليه وقالت: نعم، أنا هنا.

اقترب ماعت ينظر إليها بنظرات عاشق مشتاق وقال: اشتقت لكِ عزيزتي.

ابتسمت من حتب وقالت: هل أُعد لك الطعام؟

ماعت: نعم، ولكن عليّ الذهاب مرة أخرى إلى المعبد، فعيد الأوبت بعد ثلاثة أيام، وعلينا السفر إلى معبد الكرنك، لنتجه بموكب تماثيل أمون إلي معبد الأقصر.

وضعت من حتب الصحون أمام ماعت ليتناول الطعام وقالت: إذًا سوف تسافر لعدة أيام؟!

ماعت: أجل، من الممكن أن أعود بعد أسبوع، أعلم أنكِ سوف تشتاقين لي، وأنا أيضًا سوف أترك قلبي هنا.

من حتب: لتعود بأمان، صحبتك السلامة.

بعد وقت، غادر ماعت عائدًا إلى المعبد، ولكن إعتذر كبير الكهنة عن السفر ليلًا نظرًا لمرضه، فتم تأجيل السفر إلى الصباح، وعاد ماعت إلى منزله سعيدًا، فسوف ينعم بدفء فراشه بجوار محبوبته الليلة، وعندما دخل المنزل، سمع ما لم يكن يتوقعه.

زوجته داخل الغرفة وتتحدث مع رجل آخر، تنهال عليه بسيل من الحديث المعسول، الذي لم يسمعه منها من قبل، وعرف الحقيقة التي غيرته.

من حتب: الأمر ليس بيدي، أنا أعشقك أنت، ولكن أبي أجبرني على الزواج من هذا الكاهن، عشقه لآمون غلب على راحة ابنته الوحيدة، أنت تعلم أنني حاولت مرارًا أن أرفض ذلك الزواج، ولكن أبي رفض.

ماحور رع بغضب: عرضتُ عليكِ أن تهربي معي، لكنكِ رفضتي، ليس من السهل عليّ رؤيتك في منزل رجل آخر، أنتِ ملكي أنا، ولن أترككِ بين يديه.

ثم سمع ماعت صوت الخيانة، صوت زلزل الأرض من أسفله، لم يقوى أن يراها، فقد جاء إليها... وكأنها الشفاء المؤجل الذي لوح به الزمن لقلبٍ أضناه الإنتظار، لتصفعه بعشقها لرجل آخر، يتنعم بكلمات العشق التي لم يسمعها منها قط، ظن أنها تخجل منه، ظن أنها تحبه كما يحبها، لم يعلم أن قلبها ملك لغيره.

انهمرت دموعه، وترك المنزل، عاد إلى المعبد، وظل به طوال الليل وقرر أن يذهب إلى رحلته ويدبر لطريقة ليقتل تلك الخائنة، وقبل الشروق، قام بتنظيف المعبد، ثم دخل إلى غرفة كبير الكهنة، وجد صندوق بداخل الغرفة، وعندما فتحه وجد به كتب السحر التي وجدها الكاهن قديمًا وأحضرها إلى المعبد، وحذر كل الكهنة من الاقتراب منها، أثاره الفضول ففتح أكبر كتاب بالصندوق، وجد تعاويذ وطلاسم عجيبة، وهناك شرح أسفل كل تعويذة بالكتاب، بدأ يبحث عن تعويذة تقتل، وتخلصه من زوجته وعشيقها دون أن يُدان هو، حتى وجد تعويذة ملعونة، تقضي على كل خائن، وتفضح الأسرار، وترى الذكريات، أخذ الكتاب واختبئ داخل المعبد، وعندما حل الصباح، تجمع الكهنة وذهبو إلى الأقصر من دونه، لم يتسنى لهم الإنتظار أكثر أو السؤال عنه، نظرًا لتأجيل السفر بالأمس وخوفًا من ضياع وقت الإحتفال.

استغل ماعت عدم وجود أحد بالمعبد، وقام بعمل طقوس السحر الأسود، انتشرت الكراهية داخل صدره، أصبح قلبه أسود واختفى الحب الذي كان يغمره، بل تحول إلى نقمة، لعنة سوف تغرق بها زوجته أولًا.

بعد عدة أيام من عمل الطقوس، أصبح ماعت مسخ، وليس بشري، وأول من رآه هو كبير الكهنة، الذي نظر له بصدمة عندما رأى بين يديه كتاب السحر، ولاحظ أنه يقوم بعمل الطقوس السوداء حاول أن يقاومه، ولكن بحركة واحدة من يده بالهواء، اختنق الكاهن وارتفع جسده ليموت على الفور.

وأصبح هو كبير الكهنة، ليكمل الطقوس بمكتبه داخل المعبد.

وبعد ثلاثة أيام، عاد ماعت إلى منزله، لمس أغراض زوجته، ليرى ما لم يقوى على رؤيته بالمرة الماضية، برزت عروق عنقه من الغضب، وأسودت عيناه بغضب عارم، دخلت زوجته الغرفة وتفاجأت بوجوده، التفت إليها ليقع نظرها على عينيه التي تحولت بشكل ملحوظ، رفع كلتا يديه عاليًا، ليتحرك الرياح من حولها، تحاوط جسدها بصوت مخيف، وقيدت حركتها برياح سوداء، ثم مد ذراعه نحوها، وطافت بالهواء ذاهبة إليه، والخوف يرتسم بقوة على ملامحها، تشعر بأن قلبها سيتوقف، قبض على رقبتها ورفعها عاليًا، ليخترق جسدها سيف يقسم جسدها نصفين، تركها تسقط، وخطى فوق جسدها، متوجهًا إلى ذلك العاشق الغادر، وناله ما نال عشيقته.

حينها تحول ماعت إلى شيطان، يتحرك فوق الأرض، يرى ماضي كل من يمر من أمامه، لا يترك مجال للدفاع، بل قتل من هو مذنب، خائن، غادر، حتى أصبح موت يتجول بين الناس، الدماء لطخت ثيابه، وتحول الأقليم إلى مذبحة دموية، ووقف ماعت فوق القتلى، يصرخ بكل قوته، يزلزل الجدران من شدة غضبه... هذا هو ماعت.

والآن، هو داخل جسد جاد، غطاء له، واتحد بجسده بقوة، واختفى من المشفى، انقطعت أخبار جاد عن كل من يعرفه.

لم يعرف أحد حقيقة ما حدث بالماضي، حتى هذا البرفسور الذي يجلس أمام براء، يحاول أن يتذكر ما احتوت عليه تلك البردية، فقال براء بحزن: يعني حضرتك متقدرش تساعدني، البنت هتموت.

نظر له معروف بحيرة وقال: الموضوع ده سر، سر من أسرار الوزارة لو اتكلمت عنه هترفد.

مراد: حضرتك لو اتكلمت مش هنقول أي حاجة من اللي هنعرفها، بس إحنا قدام حالة إنسانية، فيه بنت محبوسة جوا القصر، ومش عارفين جاد علام معاها جوا ولا لأ.

تنهد معروف، وقع بين ضميره وخوفه من خسارة وظيفته، ولكن تغلب ضميره على هذا الخوف، وقال: معاها، جاد علام جوا القصر الملعون.

فتح براء عينيه بصدمة وقال: حضرتك متأكد؟! ده معناه إنه جوا القصر من سنتين، مش ممكن يكون جوا القصر ولسه عايش!

معروف: البردية اللي كانت جوا التابوت، كانت صدمة لينا، بس اللي كلنا عرفناه، إن جاد بقى لعنة متحركة، لأن التحذير اللي قريناه جوا البردية، إن أي حد هيلمس الحجر اللي كان في قلب التابوت، هيبقى جسم ماعت الجديد، وجاد خد الحجر معاه، يعني خلاص، جاد بقى ماعت.

براء: يعني الوزارة عارفة بموضوع القصر ده؟!

معروف: عارفة، والحكومة هي اللي اشترت كل البيوت اللي في الشارع حول القصر، عشان يبعدو الناس عنه.

مراد: أكيد البردية فيها الطريقة اللي قضو بيها على اللعنة زمان.

معروف: فيها، بس وقتها قولنا الموضوع صعب يتنفذ، وخلاص فقدنا الأمل، والقرار الوزاري إن ملف ماعت يتقفل خالص وتتردم المقبرة، وكمان نرجع البردية مكانها، كان نهاية الحدوتة اللي خوفت كل اللي دخل المقبرة.

براء: يعني كده لازم نحفر المقبرة تاني عشان نطلع البردية ونشوف الطريقة.

معروف: لأ، فيه صورة للبردية موجودة في الوزارة، بس سرية، صعب حد يوصلها.

مراد: بس حضرتك مش أي حد يا بروفسور، أكيد هتساعدنا.

صمت معروف يفكر، وبالأخير وافق على إحضار البردية بالصباح.

الخيانة سم ينتشر في المجتمع، يقتل كل جميل، كل ما هو نقي، وما هو أنقى... الحب.

يتبع.....

رباب حسين

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

قلب ماعت

المؤلف Rabab Hussien
2025/12/08 مكتملة
قائمة الفصول (20)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة