الفصل السادس عشر

الفصل السادس عشر

12 0

قلب ماعت.... الفصل السادس عشر

بقلم الكاتبة / رباب حسين

لم يكن الليل الذي يخيم على القصر كما كان من قبل.... فثمة شيء تغير في الهواء، ثقل مبهم يضغط على القلوب، كأن الأرض نفسها تحبس أنفاسها بانتظار الشر الذي سيتحرر.

كان جاد يسير بخطوات مثقلة، يحمل في صدره صراعًا ينهش روحه.... بين الحية التي تتقلب داخله كوحشٍ يستعد للانقضاض، وبين الحب الذي يكاد يتساقط من بين أصابعه. ورغم الألم، ورغم اليأس الذي حاول ماعت زرعه في قلبه.... كان هناك نور ضعيف، عنيد، يشق طريقه في داخله.

في تلك اللحظة... لم يكن أحد يظن أن الحرب ستبدأ الليلة. ولا أن الباب الذي يفصل جاد عن سجى؛ سيتحول إلى شرارة تُشعل صدام القرون المؤجل.

داخل القصر، كانت سجى واقفة بين وهمٍ وحقيقة... بين ذكريات شوهها ماعت، وقلبٍ ما زال يبحث عن نبضه الأول. وكل كلمة قالها جاد عبر الباب؛ كانت تهز شيئًا عميقًا بداخلها، شيئًا حاولت اللعنة دفنه طويلًا.

أما ماعت؛ فكان يقف خلفها، نظراته تحمل غيظًا يحجب الهواء؛ غيظًا جعل ظله يمتد على الجدران كروح مظلمة تقترب من الانفجار، كحية تريد أن تلتف حول فريستها وتعصرها بلا رحمة.

هو يدرك الآن؛ أن السيطرة ليست أبدية.

وأن قلب سجى بدأ يتصدع.

وفي الخارج، كان جاد يشعر بالحياة كلها تقف على فوهة قدرٍ مجهول، قدرٍ يعرف أنه سيغير كل شيء... إما فداء، أو فناء.

تلك الليلة؛ ستكون الليلة التي تُفتح فيها الحقيقة، وتسقط الأقنعة، ويتواجه فيها القلب مع اللعنة وجهًا لوجه.

وفي لحظات ترقب، جاد ورفاقه بالخارج يقفون على قدمٍ وساق، متأهبين لخروج ماعت، وكل واحد منهم عازم على تحقيق تلك الخطة للتخلص من ماعت إلى الأبد.

أما معروف، كان بداخله شك، إحساس قوي أن القصة لن تنتهي بهذه السهولة، فهناك شيطان يجلس بالداخل، لن يتوقف عند الحصول على سجى فقط؛ وإن كانت هذه رغبة ماعت الأصلية، ولكن ينتظر الضوء الأخضر، لينقض على البشر، ينصب محكمة لهم، يحاسبهم بقانونه الخاص، وسوف يصبح ماعت سجين تلك اللعنة... يومًا ما.

وفي لحظة انتظار خروج ماعت من القصر، خرجت سجى، وأُغلق باب القصر بقوة خلفها، ونظرت سجى إلى جاد بهدوء قاتل، وقالت: سهل إن الواحد يعتذر، وكأن الاعتذار هيداوي كل الألم اللي زرعته في قلبي لسنين.

نظر لها جاد بتعجب، فضحكت بقوة وقالت: إنت فاكر إني مش فكراك، أنا فاكرة كل حاجة، ولو إنت فاكر إني قاعدة مع ماعت غصب عني فأنت غلطان، أنا قاعدة مع ماعت بمزاجي، وأفضل إني أعيش مع واحد بيحبني بجد وبيثق فيا، على إني أعيش معاك... ولو حتى ملعون.

نظر لها جاد بصدمة، واقترب منها بخطى مرتعشة، وقال بصوت مكسور: إنتي... إنتي فاكرة؟! طيب.... أنا.... كان غصب عني، هما اللي فرقو بينا، هما...

قاطعته سجى: لأ... إنت اللي عملت فينا كده، إنت اللي اختارتها، كان أبسط حق ليا إنك تسألني، تخليني أدافع عن نفسي، أو حتى أبرر غلطي، لكن إنت صدقت وحكمت عليا، وكمان أوهمتني إنك ضيعتني، وده كفاية إنه يخليني أستحقرك، إمشي... إمشو كلكم، أنا هفضل مع ماعت ومش هسيبه، هو اتكوى من الخيانة زمان، ودفع تمن حبه وإخلاصه، وأنا كمان، إحنا الاتنين دوا لبعض، اطلعو برا قصري، سيبونا في حالنا.

"انتهى كل شيء، خسرتها!" جملة كانت كفيلة بأن تحطم قلب جاد بقوة، نظرو له جميعًا بحزن، واقترب منه معروف وقال: يلا يا جاد، هي اختارت.

كان ينظر لها دون رد، لا يصدق ما سمع، وكأنه يبحث بين ملامحها المتغيرة عن حبيبته، عن تلك الفتاة التي ضحت لأجله، وتجمد جسده وعينيه، والدموع ملئت مقلتيه.

اقترب منه مراد وبراء، دفعوه نحو الباب، فنظر لهم جاد وقال بضعف : فهموها إني مش قصدي، إني بحبها، أنا بحبها.

نظر لها جاد مرة أخرى وقال بصوت مكسور: أنا بحبك بجد، عمري ما حبيت غيرك، طيب حقك عليا، أنا عارف إني غلطت في حقك، بس مقدرش أسيبك، وخصوصاً معاه، طيب مترجعليش، بس تعالي معايا بعيد عنه، أنا خايف عليكي، ممكن يأذيكي بأي شكل.

ابتسمت سجى باستهزاء وتركته وعادت إلى القصر، تحت نظرات جاد المصدومة، فقد انتهى كل شيء، وذهب جاد ورفاقه، متخبط المشاعر، تائه الخطى، وانتهت قصة الحب التي كان يحارب من أجلها.

عادت سجى إلى الداخل، ونظرت إلى ماعت ثم زفرت بقوة، وخرج منها هواء أسود اللون، وكأن هناك ثُقل بصدرها يخرج منها، حتى وقعت بالأرض، ونظرت له في حزن والدموع في عينيها، اقترب منها ماعت ورتب على كتفها مدعيًا البراءة وقال: كان لازم أنا اللي أرد عليه، متخافيش يا حبيبتي، محدش هيتدخل بينا تاني، وبقيتي ليا وبس.

نظرت سجى إلى يده بخوف وهي تتحرك على جسدها وقالت: إنت قولتله إيه؟!

ماعت: مش مهم يا حبيبتي، متشغليش بالك، المهم إن بقينا لبعض أخيرًا، برافو عليكي إنك سمعتي الكلام، ومش عايز كلام في الموضوع ده تاني، انسيه نهائي.

فلاش باك

سمعت سجى حديث جاد الذي مس قلبها، هذا الألم الذي شعرت به من جرح قلبها القديم، كان تأكيدًا للظنون التي كانت تراودها، التفتت لتنظر إلى ماعت، وبدأت نظراتها تتغير، هناك شك واضح على ملامحها، وقد استوعب ما يحدث، سجى بدأت تستيقظ من داخلها، قد تغلب حبها لجاد على لعنته، ربما هذا الوقت هو الوقت المناسب لرؤية وجه ماعت الحقيقي، لذا سألها بخبث: مالك حبيبتي؟!

سجى بتردد: فيه حاجة جوايا... مش مفهومة.

ماعت: غريبة، مش المفروض تتأثري باللي بيقوله الراجل ده، هو فاكر إن حبيبته اللي سابت المكان لسه قاعدة في البيت ده، إنتي فاكرة إنه بيكلمك إنتي؟!

سجى: اه، بيكلمني أنا، أنا حلمت بيه.

تأكدت ظنون ماعت، وظهر الغضب على وجهه، واختفت هيئته البشرية التي كانت تراها سجى، وتحولت عينيه إلى عين حية، بل والأغرب، أن بدأ جسده يتحول، تغير هيئة جلده ليتحول إلى جلد ثعبان، ثم تحول جسده إلى تعبان كبير ضخم، وارتفع أمامها وهي تنظر إليه بصدمة، هوت الأرض من تحتها، وكأنها تشاهد كابوس، كلما ارتفع أمامها كلما زاد الخوف في قلبها، واتسعت عينيها بدهشة جعلتها تدرك الآن الحقيقة.... هو ليس ساحر بل شيطان متنكر.

نظر لها ماعت نظرة أصابت جسدها برعشة وقال بغضب: مش هسمح لحد يقضي على لعنتي من تاني، مش هخلي ضعفه يقضي عليا.

عقدت سجى حاجبيها وقالت بخوف: إنت... إنت مين؟

تحدث ماعت بصوت يترنح بين الجدران وقال: أنا اللعنة... اللعنة اللي ماتت بسبب ضعف قلب ماعت، ومش هسمح ليكي ولا الناس اللي برا ديه تاخد كل حاجة مني، قدامك حل من اتنين، يا تخرجي تقولي لجاد إنك فاكرة كل حاجة ومش مسمحاه على اللي عمله فيكي، وإنك تفضلي تعيشي مع واحد ملعون بس بيحبك بصدق؛ على إنك ترجعيله، يا أما هقتلكم كلكم، وإنتي أولهم.

هل هناك مجال للاختيار؟! لا... عليها التضحية مرة أخرى، لذا لم تجد حلول غير الرضوخ لأوامر ماعت.

ثم صمت ماعت يفكر، لا يجب أن تعرف سجى بالحقيقة، ولا ترى نظرات جاد لها، ربما تضعف، ربما تتذكره، وهذا قد ينهي علاقتهما، ويكسر السحر، وينهار ماعت مرة أخرى، لذا قرر أن يتولى هو المهمة حتى لا يخسرها.

قامت تلك الحية بنفخ دخان أسود من فمها، احاطت سجى بهالة من الدخان، فنظرت حولها برعب، وبعد أن استنشقت بعضًا منه، سيطرت اللعنة على عقلها وجسدها، وخرج وتحدث مع جاد.

عودة من الفلاش باك

لا تتذكر ما قالت، لا تعرف الحقيقة، ولكن ما تعرفه أن هذا الرجل الذي كان يستجدي عفوها بالخارج، أصبح مكسور الفؤاد، وعاد ماعت إلى طبيعته، واقترب منها بهدوء وقال: دلوقتي بقيتي ليا.

ابتعدت عنه بخوف، وهي تنظر إليه ولا تراه كما كانت تراه من قبل، حتى وإن عاد إلى هيئته المسحورة، فلا تزال تراه بهذه الهيئة المرعبة.

لم يتوقف ماعت: ظل يقترب منها وهو يرسم ابتسامة قاتلة على وجهه، هربت منه، لا تريد أن يلمسها، وهو يلاحقها بهدوء وقال: مش عايز ألمسك غصب عنك، إنسي اللي حصل كله، افتكري إني ماعت جوزك وحبيبك، وتعالي في حضني.

تعثرت سجى وهي تخطو إلى الخلف لتبتعد عنه ووقعت أرضًا، ظلت تنظر إليه بخوف ثم بكت وقالت: أرجوك بلاش، إديني بس فرصة.

ماعت بتحذير: إنتي عارفة لو رفضتيني هعمل إيه.

سجى: عارفة، وأنا خلاص وافقت أبقى معاك، بس إديني وقت، خليني أتأقلم بس على الوضع الجديد.

هدأ ماعت قليلًا، ووقف ينظر إليها، لا يريد أن يخسرها، ولا يتحمل رأيتها تبكي وترجاه بهذه الطريقة، وإن كانت اللعنة تسيطر عليه، حتى ينفذ طلباتها وينشر الظلام حول العالم، ولكن يضعها هي خارج حدود تلك اللعنة، بل هي أساس الحياة بالنسبة له، لذا قرر أن يتركها لبعض الوقت حتى تعتاد الأمر.

أومأ لها بالإيجاب وقال: اطلعي ارتاحي حبيبتي، إنتي تعبتي النهاردة.

ركضت من أمامه في ذعر، وصعدت إلى غرفتها، لا تستطيع أن تتوقف عن التفكير بجاد، بل صوته لا يزال يترنن داخل أذنيها، توجهت نحو النافذة على الفور، تبحث عن هذا الشخص، كانت تأمل أن تراه، تريد أن تعرف ماذا قال له، تُرى... من هو؟! وعن ماذا كان يعتذر؟! وكيف يحبني لهذه الدرجة؟! ولما أشعر بالحنين له وأنا لا أعلم هويته؟!

أسئلة كثيرة، الأجابة الوحيدة التي توصلت لها، أن هناك شيء غامض قد حدث معها، ومن المؤكد أن ماعت هو من فعل هذا بها.

أما جاد، فذهب إلى مكتب معروف، لا يوجد كلمات تصف ما يشعر به، أو تعبير يصف كم الحزن الذي بداخله، لقد فضلت عليه شيطان ملعون! ألهذه الدرجة تراني شخص سيء؟! ترى الشيطان أفضل مني!

نظرو إلى بعضهم البعض، ثم أومأ مراد إلى معروف كي يتحدث معه ويهون عليه ما حدث اليوم، وإن كان صدمتهم أكبر، فقد فشلت الخطة تمامًا، فسجى هي أساس نهاية اللعنة.

نظر معروف لجاد واقترب منه وقال: الملك حذرك من اليأس.. صح؟!

نظر له جاد ولم يبدي ردة فعل فأردف: جوايا حاجة بتقولي إن اللي سجى قالته النهاردة مش حقيقي، بص يا جاد... واضح إنك غلطت جدًا في حق البنت ديه زمان، ومع ذلك هي لما شافتك في القصر ضحت بنفسها عشانك، وده معناه إنها بتحبك بجد، معتقدش إنها ممكن تختار ماعت وتسيبك بالسهولة ديه.

نظر له جاد وقال: يعني إيه؟!

معروف: يعني يا أما سجى ضحت بنفسها عشان تحمينا، يا أما مش سجى اللي كانت بتتكلم أصلًا.

براء: سجى فعلًا بتحبك، هي قالتلي إني محبتش غير مرة واحدة بس، والمرة ديه إنت، وأنا مع البروفسور، فيه حاجة حصلت النهاردة مش مفهومة.

معروف: بس السبب معروف، ماعت خايف من كتاب السحر اللي معانا، بيحاول يبعد جاد من الصورة عشان ميخلصش عليه، فا بلاش نستسلم للموضوع، خلينا ندور على حل نقدر نخرج بيه ماعت من القصر.

لم يكن هناك خيارات كثيرة، ولكن قررو أن ينتظرو، فماعت لن يخرج عنوة، والأهم أن اللعنة لن تسكن في هذا القصر، فسوف تتحرك لتباشر عملها، لذا على ماعت أن يصدق بابتعاد جاد عن طريق سجى، حتى يطمئن أنها أصبحت له، وعليهم التحلي بالصبر حتى يغادر ماعت القصر، ويبدأو بتنفيذ خطتهم.

هل اللعنة ستظل ساكنة؟! أم ستخرج من جعبتها؟... والأهم؛ هل يستطيع جاد ورفاقه أن يمنعو اللعنة من الانتشار بعد أو تأخذ الضوء الأخضر للخروج؟ وهل ستواجه مصر نفس المصير كما حدث بالماضي؟!

أسئلة كثيرة... والإجابة قريبًا.

يتبع....

رباب حسين

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

قلب ماعت

المؤلف Rabab Hussien
2025/12/08 مكتملة
قائمة الفصول (20)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة