الفصل الخامس

الفصل الخامس

11 0

قلب ماعت.... الفصل الخامس

بقلم الكاتبة / رباب حسين

منذ عامين...

لم يكن لينسى كيف بدأت الحكاية، حكاية حب بدأت على حين غفلة، لم يكن يتوقع أنه إذا ذهب اليوم إلى عمله، سوف يرى تلك الفتاة التي ستخطف قلبه.

كان يسير داخل المتحف، ورأى فتاة صغيرة تبكي وتلتف حولها كأنها تبحث عن أحد، اقترب منها وحاول أن يجعلها تهدأ، نظرت له الفتاة وقالت ببكاء: مش لاقية أصحابي.

جاد: طيب يا حبيبتي، هندور عليهم سوا، متخافيش.

ثم نظر إلى عليم وقال: هو فيه رحلة مدرسية النهاردة في المتحف؟

عليم: لأ، فيه رحلة تبع دار أيتام.

جاد: طيب كلم الإدارة يتصل بمسئول الرحلة يجي ياخد البنت ديه.

ذهب عليم للإدارة، وجثا جاد أمام الطفلة وقال مبتسمًا: متخافيش، قوليلي بقى اسمك إيه؟

سمع صوت ينادي من بعيد باسم نور فوقف والتفت خلفه، ليرى فتاة تركض نحوه، برغم القلق الذي كان يبدو على وجهها، إلا أن نظرة عينيها خطفت انتباهه من أول وهلة، شعرها الطويل الأسود وهو يطير خلف ظهرها، عيناها الواسعة كعيون الغزال، كلما اقتربت منه ووضحت معالمها أكثر كلما نبض قلبه أكثر.

اقتربت من نور وجثت أمامها واحتضنتها بقوة، وجاد لا يزال ينظر إليها وكأنه تحت تأثير تعويذة حب قوية، وقفت لتنظر إليه وتشكره على اعتناءه بها، ولكن لم تتفوه بكلمة واحدة، لاحظت نظراته، ابتسامته المشرقة، عيناه التي تتأمل ملامح وجهها عن قرب، حاولت أن تتحدث وتذهب من أمامه بعد أن شعرت بإنذار عشق يقترب إليها فقالت: شكرًا إنك...

قاطعها قائلًا: إنتي مين؟!

سجى: أنا مسئولة عن رحلة دار الا...

قاطعها مرة أخرى: لأ، اسمك إيه؟!

نظرت حولها بتوتر ثم قالت: ولا حد.

كادت تذهب ولكن وقف أمامها قائلًا: أنا مش بعاكسك، أنا يمكن أول مرة أتجرأ وأتكلم كده، بس ردي عليا أرجوكي، اسمك إيه؟!

توقعت سجى أن يكون من أحد أقاربها اللذين لم تعرف عنهم شيء منذ ولادتها فقالت: إنت بتشبه عليا؟!

جاد: لأ، أنا أول مرة ملامح بنت تخطفني كده، يمكن عشان شكلك بريء أوي، عيونك فيها براءة أطفال، لما شفتك بتحضني نور حسيت إن طفلة بتحضن طفلة زيها، صدقيني مش بعاكسك، أنا بتكلم جد، قوليلي اسمك بس، ولا سر مينفعش حد يعرفه؟

سجى: اسمي سجى.

مد جاد يده مصافحًا لها وقال: أنا جاد علام، عالم آثار.

صافحته سجى وقالت: أهلًا بيك.

نور: عالم آثار؟ يعني حضرتك تعرف تترجم لغة الفراعنة يا عمو؟

نظر لها جاد بابتسامة وقال: اه يا حبيبتي، عايزاني أقرالك حاجة؟

نور: اه، أصل عمو اللي كان بيشرح الحاجات اللي في المتحف سابنا ومشي، وإحنا مش عارفين إيه المكتوب على كل تمثال، ممكن حضرتك تشرحلنا؟

سجى: لا يا نور، بلاش تعطلي عمو، أكيد عنده شغل.

نور: عشان خاطري يا ميس سجى.

حملها جاد وقال بصوت طفولي: لو سمحتي يا ميس سجى، ممكن توافقي.

ابتسمت سجى وقالت: مش عايزة أعطل حضرتك.

التفت جاد حوله وقال: مين حضرتك؟ اسمي جاد بس، وبعدين مفيش عطلة ولا حاجة، يلا يا نور.

تحرك جاد ولحقت به سجى إلا أن وصلو إلى الأطفال في قاعة المتحف، بدأ جاد يرشدهم ويتحدث عن الآثار الموجود داخل المتحف، لم يستطع أن يبعد عينيه عن سجى، حتى شعرت بالخجل من نظراته، وهو يبتسم لها في سعادة، حتى وقف عند أحد التماثيل التي تعبر عن ترابط الزوجة والزوج في العصر الفرعوني.

قال جاد: وده تمثال تاني بيعبر عن حب الزوجة لزوجها من آلاف السنين، ولحد دلوقتي مصر من أكتر الدول اللي بتهتم بالترابط الأسري، ثم نظر إلى سجى وقال: زي تمثال منكاورع اللي بيعرض في بوسطن، اللي بيجسد قصة حب إتحدت حتى المنفى عشان تكمل، تمسكها بالملك منكاورع بقوة دليل على إنها السند، والحب، والرابط اللي لا يمكن يتكسر بسهولة، نفسي ألاقي سند ليا كده، واحدة تتمسك بيا متسبنيش، تحت أي ظرف، ويا سلام لو عيونها حلوة كده، زي ميس سجى، أكون مبسوط جدًا.

نظر لها الأطفال فشعرت سجى بالخجل من حديثه وقالت: كفاية كده يا ولاد ويلا نمشي.

جاد: لسه بدري، خليهم يرتاحو شوية وياكلو، ليه هتمشو بدري كده؟! عايزين تمشو يا ولاد؟

قال أحد الأطفال: لأ، هنقعد لحد ما ميس سجى توافق تتجوزك يا عمو.

ضحك جاد، وقالت سجى في خجل، عيب كده يا لؤي، يلا نمشي بقى ونسيب عمو يشوف شغله.

جاد: يولع الشغل، لؤي معاه حق.

ولكن أصرت سجى أن تعود إلى الملجأ.

قام جاد بتوصيل الأولاد إلى الحافلة، وهناك تحدث مع السائق وعلم منه اسم الملجأ، وذهبت سجى مع الأولاد تحت نظرات جاد العاشقة، لم تستطع أن تتخطى ما فعل معها بهذا اليوم، علق في ذهنها نظراته، ابتسامته، حتى رأته مرة أخرى أمام باب الملجأ في اليوم التالي، وقف وحاول أن يتحدث معها، ولكن كانت سجى تتهرب منه، لم ييأس جاد.

ذهب باليوم التالي وقبل أن تهرب من أمامه كما فعلت أمس وقف أمامها بغضب وقال: أنا مش مراهق، ولا عيل صغير عشان تعامليني بالتجاهل ده، لو فعلًا مش عايزة تتكلمي معايا ولا تديني فرصة حتى أتعرف عليكي قولي، وأنا همشي ومش هتشوفيني تاني، لكن مش هفضل أجري وراكي في الشارع.

سجى: ما هو ديه مش طريقة تتعرف بيها على حد يا أستاذ جاد.

جاد: يا ستي إديني الطريقة اللي تريحك وأنا هعملها، بس بلاش معاملة إني بعاكس واحدة في الشارع وهي مش بتعبرني، شكلي وحش قدام الناس.

نظرت سجى حولها للشارع الفارغ، فأردف جاد: نعتبر إن فيه ناس يعني.

سجى: حضرتك عايز إيه مني بالظبط؟

جاد: طلبي بسيط، أتعرف عليكي، ويا ستي لو معجبتكيش ممكن تسمحيلي بس أحبك من بعيد، أنا راضي، بس إديني فرصة.

سجى: إنت متعرفش عني حاجة.

جاد: هعرف كل حاجة لو إتكلمتي معايا.

سجى: لأ هو كفاية تعرف حاجة واحدة بس، أنا متطوعة في الدار عشان أرد جميل الناس اللي في الإدارة، عشان الناس ديه هي اللي ربتني، يعني أنا تربية الملجأ ده، ها... لسه عايز تتعرف عليا؟

جاد: لأ هو السطحية ديه تخليني أتراجع عن إني أتعرف عليكي، أصل شكلك مش سطحية كده خالص، لكن أنا ممكن أعذرك لسبب واحد، إن أكيد في ناس كتير بتحكم عليكي غلط لمجرد إنك إتربيتي على إيد الناس المحترمة اللي في الإدارة جوا، مع إن الناس ديه زي ما ده دورهم تجاه عملهم، هما برده أباء وأمهات لناس تانية، وعارفين يعني إيه تربية ونشأة سليمة، أما لو إنتي فاكرة إني هبعد وهبطل أعجب بيكي لمجرد إنك متربية في ملجأ تبقي غلطانة، أنا أعجبت بالبنت اللي واقفة قدامي ديه، هي مين أو بنت مين مش فارق معايا.

سجى: أنا آسفة مش قصدي، بس الموضوع زي ما قلت عامل حاجز نفسي عندي، بس مش قصدي أحكم عليك غلط وأقول إنك زيهم.

جاد: حصل خير، مفيش داعي تعتذري، بس بما إني طلعت مش سطحي، مش هتكفأيني وتديني رقمك؟

ابتسمت سجى وقالت: أنا متعودتش أعمل كده بصراحة.

جاد: ولا أنا، أنا راجل محترم بجد، بس إنتي السبب، حد قالك تبقي حلوة وبريئة كده.

سجى بخجل: خلاص بقى، طيب خد رقمي عشان عايزة أمشي.

جاد: حاضر.

أخذ رقم هاتفها، وبعد ذلك اليوم، أصبحت سجى هي محور حياته الجديد، لم يترك لحظة دون أن يتحدث معها، كان يشعر بأنه يتحدث مع ذاته، وكأنها جزء منه، يتحدث معها دون حدود، وقلبه ينبض لها دون توقف، أما هي؛ قد وقعت ضحية سهم الحب الذي أصاب قلبها، بل ولأول مرة تعطي مشاعر الحب التي بداخلها لأحد، أصبح هو الأب والأم، الأخ والأخت، الصديق والحبيب، لم تبخل عليه بأي مشاعر، حتى أصبح هو كل الناس بالنسبةِ لها.

حتى جاء اليوم الذي انتهى به كل شيء،

إستطاعت فريدة أن تنصب الشباك التي أوقعت سجى في خطأ لم يكن مقصود، ودفعت سجى الثمن غاليًا، والأغلى أنها فقدت جاد.

وها هو يبكي على حافة الطريق، وإن كان ألمه من خيانة زوجته وصديقه لا يحتمل، إلا أن سماعه لما قاله طارق كان أكثر إيلامًا، ظل يفكر كيف فعل طارق هذا؟! تُرى... هل ظلم سجى؟!

حتى ظهر أمامه ماعت شبح أسود خرج من داخل صدره، ليقف أمام عينيه، نظر له جاد بصدمة، لم يستوعب ما يرى، وكأن عقله لم يعد يفرق بين الحقيقة والواقع، حتى إنه لم يفهم كيف رأى فريدة وطارق في غرفة نومه، فظل ينظر إليه وهو يتخيل أنه يتحدث مع نفسه وقال: إيه ده؟!

ماعت: متخافش، أنا اللي ساعدتك عشان تشوف حقيقة مراتك، عشان تعرف مين اللي كانت بتحبك ومين اللي بتضحك عليك وبتخونك.

جاد بتوتر: إنت... إنت خرجت من صدري... إزاي... إزاى ده حصل؟

ماعت: عشان أنا جواك، إنت صعبان عليا أوي، وقعت في كدب فريدة، وخداع طارق، قدرو يوقعو بينك وبين حبيبتك الوحيدة، البنت اللي سكنت قلبك ومعرفتش تخرجها منه، طيب لو عرفت كمان إن فريدة راحت البيت عندها وفضحتها وسط الجيران عشان تمشي وتسيب البيت، وكل ده عشان حست بس إنك ممكن ترجعلها، قطعت الطريق بينكم عشان تقدر تتجوزك هي، وفي الآخر خانتك.

جاد بغضب: هي سجى فعلًا كانت بتعرف رجالة وبتودي بنات من دار الأيتام لشقق مشبوهة؟ ولا ده كمان من تخطيط فريدة؟!

ماعت: من تخطيط فريدة.

جاد بغضب: يعني هي اللي وقعت بينا، وأنا صدقت، ضيعت سجى من إيدي، وكمان إتجوزت ديه؟! وبعد ده كله تخوني؟!

ماعت: إهدى بس، إيه رأيك لو خلصتك منها خالص؟!

جاد: تخلصني منها إزاي يعني؟! عايز تقتلها؟

ماعت: اه، الخيانة جزاءها الموت.

جاد بتوتر: لأ... لأ قتل إيه؟!

ماعت: متقلقش، أنا اللي هقتلها، إنت بس وافق وملكش دعوى بالباقي، وأنا هخلصك منهم وإنت بعيد.

جاد: بس إنت جوايا، هتقتلهم إزاي وأنا بعيد؟!

خرج ماعت من جسده، ليقف أمامه بكامل هيئته، حتى أنه حجب ضوء الشمس عنه، وكأن الليل قد حل فجأة، ثم تحدث، وتحول صوته إلى صوت مرعب، اقشعر بدن جاد على آثره، وبدأ يستوعب ما حدث، فصدمته بما علم عن زوجته وسجى، لم تجعله يعي ما يحدث معه، وكأن عقله شُلّ عن التفكير، وبدأ يسأل بصوت مرتجف، وقال بخوف: إنت مين؟!

قال بصوت قوي: أنا الكاهن ماعت، كبير كهنة الأسرة الملكية، لقد استعنت بي، وسوف أقتل زوجتك الخائنة وعشيقها طارق.

ثم اختفى من أمامه، نظر جاد إلى آثره في صدمة، يشعر ببرودة تتخلل جسده، ثم تذكر حديث عليم، عندما صرخ بقوة وقال عنه ملعون، الآن عرف السبب، من المؤكد أنه رأى هذا الظل يتخلل داخل جسدي.

ظل جاد جالسًا بالطريق، حائر حزين، يفتقد لحبيبته، يتذكر ما فعله بها، الندم يعصر قلبه، ألم أقوى من القتل، وما ألمه أكثر، أنه لن يراها بعد الآن، لن يجدها، وحتى إن وجدها، فلن تسامحه أبدًا، شعور بالعجز لم يتحمله، ثم تحول إلى خوف، لم يعرف لما شعر بهذا الخوف كله، ثم بدأ أن يستوعب ما يحدث، فتح عينيه في صدمة، هل هذا الكائن سيقتل فريدة وطارق حقًا؟!

ركض سريعًا وعاد إلى منزله، ليرى تجمع تحت المنزل، وقف أحد السكان وقال: كويس إنك جيت يا أستاذ جاد، فيه صوت صريخ قوي جي من شقة حضرتك.

ابتلع جاد ريقه بتوتر، وصعد إلى منزله، وخلفه مجموعة من الجيران، فتح الباب وتوجه داخل غرفة النوم، وجد فريدة وطارق بالفراش، لم تكن هذه الصدمة الوحيدة، ولكن هيئتهما كانت بشعة، تحول لون بشرتهما إلى اللون الرمادي، أصبح جسدهما كهيكل عظمى، يكسوه الجلد المنكمش فقط، وكأن معالم الحياة سُحبت منهما، عيناهما جاحظة، وفاههما مفتوح من هول الصدمة، وكأن آخر ما شهاداه هو شيطان.

نعم، هو شيطان غاضب، ملعون، ووسط هذا الذهول الذي حل عليه، وصرخات الرجال اللذين رأو جثثهما، وقف جاد ينظر في ركن الغرفة، ليرى ماعت ينظر إليه ويبتسم ابتسامة إنتصار، قد حقق أول انتقام له، وقتل الخائنة.

وفي ظل هذا الذعر والأصوات المرتفعة من حول جاد، إلا أنه سمع صوت واحد، وكأنه انفصل عن العالم، وتخلل إلى أذنه صوت ماعت وهو يقول: الآن، أنت ملكي.

هل كان يعلم أنه يفتح باب الشيطان بيده؟ كان يفسح الطريق للعنة ستقضي عليه أولًا، أنه إذا وافق على قتل زوجته وأخذ ثأره منها؛ سوف يصبح تحت وطأة الشيطان، يستخدم جسده كيف يشاء، ينهي حياته عن أخرها.

وها هو الآن، مقيد داخل ذلك القصر، يسمع ما حوله، ولكن لا يقوى على الحراك، لا يقوى على أخذ رد فعل لما يسمع، والأكثر صعوبة، أنه يسمع سجى بجواره، تتألم ولا يستطيع مساعدتها.

يتبع....

رباب حسين

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

قلب ماعت

المؤلف Rabab Hussien
2025/12/08 مكتملة
قائمة الفصول (20)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة