الفصل الثاني عشر

الفصل الثاني عشر

11 0

قلب ماعت... الفصل الثاني عشر

بقلم الكاتبة / رباب حسين

لم يكن الصراخ الذي دوّى في أرجاء المتاهة سوى بداية.... بداية لشيء وُلد من قلب الظلام، شيء لم يدرك جاد بعد أنه ليس عدوًا، ولا صديقًا.... بل امتحانًا وميزانًا، فُتح في وجهه كما فُتح قديمًا أمام كل من اقترب من لعنة ماعت.

استفاق جاد على رائحة تراب قديم، ودفء شعلة تترنح في صمت مريب، كأنه استيقظ في بطن الأرض لا في ممر حجري. كان صدره يعلو ويهبط كمن نجا من الغرق، وذاك المشهد؛مشهد موت سجى المتكرر، ما زال يلتصق بروحه كطين لا يجف.

لكن ما لم يدركه بعد.... أن المتاهة تغيّرت.

لم تعد جدرانًا تتحرك ببطء، بل أصبحت كائنًا حيًا يتنفس، يرى، ويحكم.

وذلك الحارس.... لم يعد مجرد ظل واقف خلفه، بل استيقظ حقًا، وتحركت عروقه بدم لا يعرف الرحمة.

في الخارج، كان مراد يواجه صمتًا مطبقًا، كأن المتاهة ابتلعت كل الأصوات... إلا صوت قلبه القَلِق.

أما بالداخل، كان جاد يقف على أول خطوة في حرب جديدة... حرب لا تُقاتل فيها الأجساد، بل الأسرار.

فلعنة ماعت لا تبحث عن موت جديد....

بل تبحث عمن يستحق الحياة.

الظلام يحيط به، واختفت تلك الشعلة التي كانت تنير المتاهة من يده، وظل ينظر من حوله في رعب، المكان مظلم وتحت الأرض، كما أنه بداخل قبر، لم يعد يعلم هل هو لا يزال على قيد الحياة أم لا، حتى ظهر ضوء أمامه، كمصباح صغير، اقترب منه ببطء، وينظر له بهدوء، وفجأة ظهر حدقة عين بمنتصفها، ثم أضاءت عين أخرى، فنظر لها في صدمة، حتى سمع صوت أنفاس قوية، غاضبة، تزفر بقوة ليرتد جاد إلى الخلف في ذعر، ووجد تلك العينين ترتفع إلى فوق، وكأن هذا الكائن ينهض ليقف أمامه، بدأ جاد يخطو إلى الخلف بسرعة، فقد صُدم من فارق الطول بينهما، وإذا بهذا الكائن يلحق به، وبعد عدة خطوات كان يمسك بجاد، ورفعه أمام عينيه، ثم رفع يده الأخرى، لينتشر الضوء بالمكان.

وقعت عين جاد عليه، وهنا وقعت الصدمة، كائن غريب، لم يراه من قبل قط، كمن صنع من صخر، له هيئة فرعونية، ووجه غاضب، أنفاسه متصاعدة، قوية لدرجة أنها من الممكن أن تطيح به بعيدًا، فمه مدبب كالثعلب، وكأنه كائن أسطوري، وبنظرة واحدة منه جعل جاد يطلب العفو منه ليتركه، الخوف سيطر عليه، يبدو على هذا الكائن القوة، والأغرب أن المكان قد تبدل تمامًا، لم تعد تلك المتاهة التي رآها من قبل، تشتت عقله، ماذا يحدث؟ وكيف؟!

سمع صوت هذا الكائن، وصدى صوته يتخبط بين جدران لا وجود لها، وكأن صوته اخترق جدران قلبه فأصدرت صداه من شدة الخوف، عيناه تبحث بالأرجاء عن سبيل للهروب، وهو يقول برجاء يائس: أرجوك، سيبني أمشي.

نظر له بقوة، وكأنه لم يسمع منه شيء، ثم قال: أنا حارس المتاهة.

جاد بتعجب: حارس، يا نهار مش فايت، إنت أنس ولا جن ولا حكايتك إيه؟! يا عم سبني أمشي، أنا مش جاي أسرق.

ظهر الغضب على وجه الحارس، وسمع جاد صوت يتحرك من جانبه، فإذا بيده تتحول إلى سيف كبير ضخم، ذو أطراف مدببة، مصنوع من معدن لم يراه من قبل، وكأنه من كوكب آخر، رفعه الحارس سريعًا ووضعه عند عنق جاد، فارتجف جسده بقوة وصرخ قائلًا: لأ لأ، إنت هتقتلني ولا إيه؟!

الحارس: لا تكذب، إذا كذبت مرة أخرى سأقتلك حتمًا.

جاد: بس أنا مكدبتش، أنا فعلًا مش جاي أسرق المقبرة، أنا جاي أدور على حاجة.

الحارس: وسوف تأخذها إن وجدتها، إذًا أنت سارق.

جاد: بس أنا لازم أخدها.

الحارس: ستحصل عليها إذا استطعت أن تخرج من المتاهة.

جاد: ماشي اتفقنا، بس نزلني بقى.

الحارس: عليك أن تختار، ولك ثلاث محاولات، إذا فشلت سوف سأقتلك.

نظر له جاد بعدم استيعاب، لا يفهم ماذا يقول.

رفع الحارس يده وانتشر الضوء بالمكان أكثر، وظهر حوله عدة أبواب، لكل باب رقم، نظر بهم جاد بتعجب، من أين أتت كل هذه الأبواب، هذا لم يراه من قبل، ثم سمع الحارس يقول: لك أن تختار ثلاثة أبواب، إذا استطعت أن تنجح بحل اللغز ستخرج منه خارج تلك المتاهة.

وجد جاد أبواب عديدة لا حصر لها، ابتلع ريقه بقلق وتوتر، ونظر إلى الحارس وقال: طيب لو منجحتش، ممكن أخد محاولات تاني، الأبواب كتير جدًا.

الحارس: فقط ثلاثة.

وقف جاد ليختار، يختار مصيره المجهول، وإن يكن كل هذا ليس ليختبره هو، هو يريد أن يختبر ماعت، فالحارس على يقين أن هذا الملعون أمامه هو ماعت.

نظر له الحارس بابتسامة ساخرة، وكأنه يعلم النتيجة مسبقًا، ويعلم أن ماعت لن ينجح في تلك الاختبارات، والنتيجة سينال عقاب من قوة شر أكبر منه، تنتظره لتلتهم جسده في جحيم لا مثيل له، لتنتهي لعنة ماعت نهائيًا.

اقترب جاد من باب قريب، ووقف أمامه، ليرى كلمة تظهر بحفر من نار عليه:"مرآة الأرواح"

تعجب جاد من الاسم، لذا أمسك الباب وفتحه، دخل ماعت بغرفة منيرة، وكأنه في منتصف النهار والشمس ساطعة للغاية، وضع يده أمام عينيه في ألم، يحاول يفتح عينيه ليرى بوضوح، حتى انتفض جسده عندما سمع صوت الباب يغلق بقوة، نظر له وتنفس بصعوبة أثر ذلك الخوف، وأخذ يخطو داخل الغرفة، حتى ظهرت مرآة كبيرة، دهبية ملصعة بعدة أحجار كريمة نادرة، وكأنها كنز فرعوني مدفون، نظر لها بإعجاب المكتشف الذي بداخله، المرآة ضخمة، وفي غاية الجمال، نظر لها جاد وقال بسخرية: ده اختبار؟! مش لايق على شكل الكائن اللي برا ده.

اقترب منها بإعجاب، يتفحص تلك التحفة النادرة أمامه، ومجرد أن وضع يده عليها، تحولت فجأة إلى مرآة قديمة بالية، حوافها من خشب قديم، وظهر عليها كل الضحايا اللذين قتلهم ماعت، كانت الصور حقيقية للغاية، حتى وجد الدماء تتسرب بأسفلها، فتح جاد عينيه بصدمة وبدأ يخطو إلى الخلف بعيدًا عن الدم، حتى أختفى الضوء بالغرفة، وسمع صوت صرخات الضحايا بها، كيف كانو يتوسلون لماعت أن لا يقتلهم.

أخذت الأصوات تعلو وتعلو، وسقط جاد أرضًا وهو يضع كلتا يديه على أذنيه، وأغمض عينيه بقوة، يحاول أن يمنع تلك الصرخات التي تمزق صدره من الداخل، وعقله يتخبط من شدة الألم، حتى سمع صوت الحارس، لم يكن يتحدث بجانبه، بل تحدث داخل عقله، ويضحك بقوة ساخرًا منه، ثم قال بصوت مخيف: اختار ضحية.

ارتد جاد إلى الخلف، وهو يتنفس بصعوبة، هناك ثقل بقلبه لم يعد يتحمله، مئات من النساء يصرخون بقوة، يسمع صوت السيف وهو يقطع أجسادهن، الدماء تغطي المرآة، حاول أن يتمالك نفسه واقترب منها ببطء، وهو يغمض عينيه متفاديًا تلك المشاهد الدموية المؤلمة.

لم يستطع أن ينظر إلى ما يحدث، فمد يده واختار بطريقة عشوائية، لم يجد فارق كبير بينهن، كلهن يُقتلن بذات الطريقة، وبمجرد أن ضغط بأصبعه على المرآة اختفت وخرج منها نيران، مشتعلة، ابتعد جاد عنها على الفور، ونظر إلى النيران بصدمة، حتى وجدها تندفع بقوة وتحول المشهد الذي ضغط عليه إلى حقيقة، الفتاة تقف أمامه وتترجاه أن يتركها، نظر لها جاد بحزن، وقلبه يخبره بأن يسامحها، ولكن شعر بشيء مختلف.

هناك ثقل بيده، كأنه يحمل شيئًا، نظر جاد إلى يده بتعجب، وجد نفسه يحمل سيف ماعت، وبدأت يده تتغير، وتتلون بلون أسود، وكأن جلده يتبدل، انتشر هذا الجلد الأسود على ذراعه، وارتفع حتى وصل إلى صدره، ومنه إلى باقي جسده، وجاد ينظر بعينيه لما يحدث بجسده، ويصرخ من شدة الألم.

تذكر تلك الحية التي خرجت من فم ماعت، ودخلت بجسده، هو نفس الألم الذي شعر به حينها، وكأن اللعنة تعود إلى جسده مرة أخرى، حتى تحول جسده بالكامل إلى ذلك الشيء الأسود، وتصلبت عيناه، لتتحول إلى عين ماعت الثعبانية، نعم، الآن هو ماعت، وعليه أن يختار، هل سيقتلها أم لا؟

نظر لها بقوة، ليرى عينيها، ثم عرف ماضيها، خائنة لزوجها، رأي خيانتها بعينيه، وأصبح بين صراعين، قلبه يريد أن يسامحها ولكن اللعنة التي تسير بجسده ترفض ذلك، يده تتحرك رغمًا عنه، قلبه يصرخ:" لا تفعل ذلك، لا تقتل، أنت لست بقاتل" ولكن يأبى عقله الانصياع، وركزت عيناه على هذا المشهد، مشهد خيانة تلك المرآة أمامه، وتذكر جاد خيانة فريدة، هنا وزاد ألم قلبه، ليصبح الغضب مضاعف، غضب لعنة ماعت التي تمركزت داخل جسده بالكامل، وغضب جاد نفسه من تلك المرأة التي دمرت حياته عن آخرها، وتذكر سجى التي دفعت ثمن كل هذا وحدها.

صمت القلب في حضرة الألم، ورفع جاد يده بقوة، ليقطع جسد المرأة التي أمامه إلى نصفين، لم يسمع توسلها، لم يهبأ لدموعها، ولا الخوف الذي يرتسم على وجهها، رأى فقط خطيتها.

انقسم جسدها، واختفت من أمامه، تلاشت الجدران، وعاد الحارس ليقف أمامه وهو يبتسم بقوة، وكأنه يعلم أن هذه ستكون النتيجة، نظر له جاد بحزن، واختفت اللعنة تدريجيًا من جسده، وسيف اللعنة تبخر من أمامه.

ارتعشت يديه، شعر بأنه قتلها بيده، وكأن يديه امتلئت بدمائها، يشعر بأنه يكره ذاته، وكأن هو اللعنة الحقيقة، ليس لعنة ماعت، بل لعنة القاتل، وأخذ يصرخ بقوة، ويضع رأسه بين يديه، يغمض عينيه بألم، يحاول أن ينسى ذلك المشهد، ويصرخ ليخفي صرختها من رأسه، وصوت السيف وهو يقطع جسدها.

وقف الحارس أمامه بلا رحمة، يرى ألمه، ظن أنه تذكر خيانة تلك الزوجة من حتب، وهذا ما تسبب بقتله بالماضي، فتح جاد عينيه، ليرى نظرة ذلك الحارس، وقف أمامه بغضب، وحاول أن يلكم وجهه بيديه، ولكن أختفى الحارس وظهر خلفه، فركض إليه وحاول جاد مرة أخرى، ولكن قبل تصيبه يده ضرب الحارس قدمه بالأرض بقوة، فتزلزلت الأرض تحت قدميه وقال بغضب: إذا حاولت معاداتي، سوف ألغي تلك المحاولات، واقتلك على الفور، والآن اختار فقط باب آخر.

لم يعد جاد يحتمل، وبداخله شعور أن كل الاختبارات نفسها، وأن لعنة ماعت ستسيطر عليه بداخلها، وتعجب من الأمر، لماذا يمر بهذه التجارب، ولما وضعها الملك بالمتاهة، ولماذا ظهر هذا الحارس الآن؟! أسئلة كثيرة تدور داخل عقله فنظر إلى الحارس وقال: هو أنا ممكن أسألك سؤال؟

الحارس: لك سؤال واحد، ولكن بعد الاختبارات، لنعتبره أمنية أخيرة قبل موتك المحتوم، والآن التفت واختار.

عادت الأبواب مرة أخرى، واليأس يسيطر على جاد، لا يهبأ للموت، لا يخشاه، فقد عاشه مرارًا داخل ذلك القصر الملعون، ولكن كل ما يجلد ذاته هو سجى، التي ضحت لأجله والآن هي بين أحضان ذلك الشيطان، ظنًا منها أنها زوجته، وقد أخذ ماعت مكانه بقلبها، أغمض عينيه في حزن، وهمس بقلبه مناديًا باسمها:" سجى... حبيبتي، ليتك تتذكري من معشوق قلبك الحقيقي."

استيقظت سجى من حلم عجيب، ترى من يناديها من بعيد، صوته مألوف، وكأنه صوت نبض قلبها، ينادي بها ولكن باسم مختلف، تعجبت، هذا ليس باسمها، لما تشعر بأنه يناديها هي؟! ومن هو؟! ولماذا صوته يحمل حنين يرق له قلبي، بل يشتاق إليه؟!

اقترب منها ماعت، وهو ينظر لها بعشق، فابتسمت له، هي مخلصة لزوجها، وذلك ما جعلها تتناسى ما حلمت به للتو.

وبين متاهة الأبواب، ومتاهة الملك الذي بحث بها مراد بكل مكان، ولم يجد جاد، ثم عاد إلى معروف وبراء، ونظر لهما بصدمة وقال: جاد اختفى، مش موجود جوا خالص، أنا دورت كتير أوي وناديت عليه، مفيش فايدة.

براء: يعني إيه يعني؟! اختفى إزاي؟!

معروف: يعني هيختفي يروح فين يا مراد؟! المتاهة مش كبيرة للدرجة ديه.

مراد: السؤال المهم هو ليه صرخ؟! تفتكر فيه باب سري وهو دخل جواه، ما هو أكيد التميمة مكنتش موجودة كل السنين ديه قدام عينين الناس كلها ومحدش شافها.

معروف: أيوة صح، كلامك منطقي.

براء: طيب هنعمل إيه؟! نفضل مستنين وخلاص.

معروف: مفيش حل غير ده، بس لو إتأخر أكتر هدخل أجيبه، لو فيه فعلًا باب سري هوصله.

أما جاد، فوقف ينظر إلى الأبواب حوله، يشعر بأن موته سيكون خلف أحد تلك الأبواب، ولا يوجد سبيل آخر للنجاة، عليه خوض مهمة مجهولة أخرى، والنهاية محددة مسبقًا، هو ميت لا محال، وظل أمل وحيد عالق بصدره، ليته يراها مرة واحدة، يعتذر لها، ويخبرها الحقيقة، يضمها إليه مرة واحدة فقط، يخبرها أنه لا يزال يحبها ولم ينساها قط.

اقترب من باب آخر وفتحه، تُرى... ما هو الاختبار الجديد؟! وهل سينجو جاد أم يصبح أول ضحية لتلك المتاهة؟!

يتبع....

رباب حسين

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

قلب ماعت

المؤلف Rabab Hussien
2025/12/08 مكتملة
قائمة الفصول (20)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة