قلب ماعت.... الفصل السابع عشر
بقلم الكاتبة / رباب حسين
أصبحت هي السجينة، هي المقيدة داخل جدران ذلك القصر، ولكن نظراتها له اختلفت، فالهمسات التي تتردد في الممرات لم تكن بشرية بل تشبه زحف شيء يستيقظ بعد نومٍ طويل، يترقب اللحظة المناسبة للهجوم...
كان جاد يسير داخل مكتب معروف ووجهه يحمل ندوب ليلةٍ لم تنتهِ بعد.... عيناه حمراوان من الألم، وصدره يعلو ويهبط بصعوبة، وكأن الحية التي بداخله تتقلب في أشد صراعاتها. لم تعد مجرد لعنة؛ أصبحت غضبًا حيًا يبحث عن مخرج، عن دمٍ يسفكه، وعن حقيقة تبتلع ما تبقى من روحه.
أما سجى... فكانت في الطابق العلوي من القصر، ترتجف يداها وهي تلامس النافذة، وكأن الزجاج قد يجيب على أسئلتها التي لا تنتهي. شيء بداخلها ينبض بضعف؛ نبضة كانت يومًا جزءًا من جاد، جزءًا من حياتها، من حقيقتها. ومع كل لحظة يعود ذلك الوجع الغريب الذي لا تفسير له... كأن قلبها يحاول أن يذكرها بما يُجبرها عقلها على نسيانه.
وفي أعماق القصر؛ كان ماعت يتحرك بخطوات ثقيلة، خطوات لا تنتمي لإنسان. وجهه المتشقق، جلده الرمادي، والعين التي تلمع كعين حية تبحث عن فريسة؛ كلها كانت إشارات أن اللعنة لم تعد تحاول الاختباء. لقد بدأت تستعد للخروج؛ لتأخذ ما تراه حقها، وما حُرمَت منه منذ قرون، في ظل ذلك الصراع الداخلي لماعت، فهو لجأ إلى تلك التعويذة فقط لينتقم، والآن حبيبته بين يديه، ولكن اللعنة تقيده، وبدأ الصراع بين قلبه الذي يحمل حبها، وبين لعنة سيطرت على جسده ولن تتركه إلا عندما تنهي ما بدأت بالماضي.
ومع أول صرخة رياح هزت جدران القصر، أدرك الجميع أن الليلة القادمة لن تكون اختبارًا؛ بل معركة حقيقية.
معركة بين قلب يُحاول النهوض رغم الانكسار... وروحٍ تُحاول أن تتذكر رغم القيود،
ولعنةٍ تنتظر اللحظة المناسبة لتبتلع كل شيء.
هل سينهار كل شيء؟ أم سيولد أول خيط للنجاة؟
مضى يومان، كانا مثل الدهر، إزداد خوف سجى، فهي تسمع صرخات ماعت كل ليلة، فحان دوره ليتذوق ما صنعت يداه من قبل، بالليلةِ الماضية، سمعته يتحدث مع ذاته، يترجى ويبكي: أنا مش عايز غيرها وخلاص بقت معايا... كفاية كده، كفاية اللي ماتو زمان، سيبني أعيش مع اللي بحبها.
كانت تقف عند أول الدرج، تتخفى وراء ذلك الجدار حتى لا يراها، لم تعرف مع من يتحدث، لم تدرك أن هذا حديث مع الشيطان، تلك الحية التي تجسدت أمامها وهددتها، وبالأخير رضخ ماعت، لا يوجد لديه بديل، وذلك عندما لاحظت رعشة صوته وهو يترجاه أن لا يقتل من حتب.
تعجبت؛ هل لا يزال يحميني؟! ألهذا القدر يحبني؟! وأصابتها الحيرة، وسؤال يتردد داخل عقلها، كيف لا أحبه وهو زوجي؟! ومن هذا الذي ينبض له قلبي؟!
وفي الصباح، سمعت أصوات صاخبة، ماعت يتحدث بلغة غير مفهومة، وهناك إضاءة تصدر من الطابق السفلي، وكأن نيران تشتعل وتضيء القصر عن آخره، دب الخوف في قلبها، وهناك حدس بداخلها بأن القادم أسوء.
أما جاد، فقد درس كتاب السحر، كل التعوايذ التي قد تنهي ماعت قد كتبها ودونها، وفي منزل معروف الذي يعيش وحده، دخل المكتب بالصباح، ووجد جاد لا يزال مستيقظًا، فاقترب منه وقال: بقالك يومين منمتش.
نظر له جاد بأرهاق وقال: الصراحة، مش قادر أنام بعد اللي سمعته منها، أنا اتكسرت زمان لما صدقت اللي قالوه عليها، لكن كسرتي من كلامها أكبر بكتير.
معروف: لسه قدامك فرصة، عشان كده مش عايزك تستسلم، أنا استسلمت زمان، أو... اهتميت بشغلي وركزت فيه، لحد ما وصلت للسن ده وأنا عايش لوحدي، واكتشفت إني لو كنت إديت لحياتي ربع الاهتمام اللي إديته للشغل؛ أكيد كانت حياتي بقت أفضل، عشان كده متستلمش.
تنهد جاد وقال: مش هكدب عليك... بصراحة أنا خايف تكون فعلًا إفتكرت كل حاجة واختارته.
معروف: لو سجى افتكرت كل حاجة؛ التعويذة اللي حولتها لمن حتب كانت أكيد اتكسرت، طول ما هي لسه مرجعتش لهيئتها الحقيقية تبقى لسه مش فاكرة.
صمت جاد قليلًا ثم قال: معاك حق.
ثم ظهر على وجهه علامات القلق وقال: تفتكر هددها؟! أصل مش طبيعي تطلع تقول كده وهي مش فاكرة حاجة... أكيد هددها، ويا عالم عمل فيها إيه، أنا عايز أروح القصر.
نهض ليذهب إلى هناك ولكن أمسكه معروف من يده وقال: استنى بس، براء ومراد بيراقبو القصر باستمرار، ولو فيه مجال ندخل أو ماعت خرج وسابها هيبلغونا، وجودك هناك ممكن يخلي الوضع أسوء، معلش استحمل شوية.
جاد بيأس: مش قادر يا ناس... مش قادر، مش قادر استحمل إنها معاه جوا، مراته، فاهم يعني إيه مراته؟!
معروف: إهدى يا جاد، للأسف مفيش قدامنا حل تاني غير إننا نستنى.
جلس جاد وعلامات الألم بادية على وجهه، ووضع يده على صدره وقال: الوجع زاد أوي، يا ترى إيه السبب؟!
معروف: طيب روح ارتاح شوية، قلة النوم مش هتفيد بحاجة.
تركه جاد وذهب إلى الغرفة ونام، بعد صراع مع عقله كي يتوقف عن تخيل أبشع الصور والتخيلات التي تحدث الآن بين ماعت وسجى.
في الليل، كانت سجى جالسة بالغرفة، تنظر إلى الباب بتوجس، لم تخرج اليوم من غرفتها أبدًا، وكادت تموت جوعًا، ولكن فضلت أن تموت بهذه الطريقة على أنها تموت بين يدي ماعت، الذي لا يزال يصدر أصواتًا مرتفعة وغير مفهومة بالأسفل.
الأصوات هدأت، وبدأت سجى تقترب من الباب بهدوء وحذر، حتى فتحت الباب وخرجت لترى ماذا يحدث، وأين ماعت.
وقفت بصدمة، عندما رأت دخان أسود يلتف حول ماعت، حتى أختفى بالمنتصف، وارتفع الدخان عاليًا، حتى وصل إلى السقف، واخترقه بقوة، صرخت سجى ورجعت إلى الخلف وهي تضع كلا زراعيها على رأسها، تحمي نفسها من تساقط الطوب، حتى أختفى الدخان، وفتحت عينيها تنظر إلى ما يحدث بصدمة.
أما براء؛ الذي يراقب القصر من الداخل، رأى الدخان يخترق القصر ويخرج بقوة، ثم سمع صرخات سجى، فركض على الفور إلى القصر، حاول أن يفتح الباب، وعندما فشل أخذ يصيح باسم سجى كي تفتح له إن استطاعت، وصل صوته إلى سجى بالأعلى، فركضت على الدرج ونزلت، حاولت أن تفتح الباب ولكن فشلت، فقالت بفزع: خرجني... خرجني قبل ما يرجع.
براء: متخافيش يا سجى، أنا بحاول أكسره.
نظرت سجى إلى الباب، الصوت مختلف، ليس هذا الرجل الذي يتحدث معها، ولا ذات الصوت الذي تسمعه بأحلامها، ولكن.... ذات الاسم، هل أنا سجى أم من حتب؟!
ظل براء يحاول، فأمسك بعدة الزراعة بالحديقة، وأخذ يطرق الباب حتى يكسر الخشب لكن دون جدوى، زفر بيأس وقال: الباب مش بيتفتح، أنا هتصل بيهم يجو بسرعة يساعدوني.
سمعته سجى وهو يتحدث مع أحد، وطلب منه أن يأتي سريعًا، وعندما انتهى من الحديث قالت: هو أنت مين؟!
براء: كنت عارف إن مش إنتي اللي اتكلمتي معانا في الجنينة، أنا براء يا سجى، المساعد بتاعك.
سجى: المساعد! يعني إيه؟!
براء: إنتي كاتبة، اسمك سجى ممدوح، كنتي جاية القصر عشان تكتبي عن رواية مرعبة، ومن ساعة ما دخلتي القصر مخرجتيش، ضحيتي بنفسك وقررتي تفضلي جوا القصر الملعون ده عشان تحرري حبيبك... جاد.
سجى: يعني.... يعني ماعت مش جوزي؟!
براء: ولا إنتي من حتب، إنتي سجى، ماعت واحد ملعون، اتدفن من آلاف السنين، ورجع عشان ينتقم، وهوسه بمراته خلاه يغيرك وعمل عليكي تعويذة عشان تبقي شبهها، تفتكرى كل ذكرياتها هي، يعني كل اللي إنتي فكراه ده مش حقيقي، مش ذكرياتك إنتي، إوعي تخليه يقربلك يا سجى.
سجى بخوف: لأ... لأ مقربليش، بس أنا خايفة، ده مرعب، في ثانية بيبقى عامل زي التعبان الكبير، خرجوني من هنا أرجوكم.
أغمض براء عينيه في حزن وقال: متخافيش يا سجى بس إنتي متعرفيش هو راح فين؟!
سجى: لأ... هو بقاله فترة بيتكلم مع نفسه كتير، وبيقول حاجات مش فاهماها.
براء بغضب: هما إتأخرو ليه؟!
كان جاد يقود السيارة بجنون، ومعروف بجواره، ومراد بالخلف، وقال معروف: هنعمل حادثة قبل ما نروحلهم، إهدى شوية.
نظر له جاد وقال بانفعال: عايز ألحق قبل ما يرجع، لازم أوصل بسرعة.
تفاجأ جاد بظهور سيارة أمامه، فهو يسير بالطريق العكسي، فصرخ مراد وانحرف جاد من أمام السيارة على آخر لحظة.
مراد بفزع: ممكن تبص قدامك، مش كفاية ماشين عكس.
جاد: حاضر حاضر.
معروف: شوف كده فيه أخبار عن حاجة بتحصل في البلد ولا لا يا مراد، خروج ماعت مش مطمني.
فتح مراد هاتفه، وبمجرد أن فتح وسائل التواصل الإجتماعي، تفاجأ بحادث مروع داخل أحد الملاهي الليلية، وقام أحد الشباب بفتح بث مباشر لما حدث، وسط صدمة من المتابعين، وضع مراد الهاتف أمام معروف وقال: مصيبة! ماعت عمل مصيبة.
نظر معروف إلى الهاتف، رأى ماعت يدخل إلى الملهى الليلي، وتفاجأ الشباب بالداخل بمظهره، اعتقدو أنه متنكر، وبدأ الشباب بتصويره، ثم اقترب منه أحدهم وبدأ يمزح معه، نظر له ماعت بغضب، ثم ظهر السيف بيده وقطع جسده نصفين، نظرو جميعًا لما حدث بصدمة، ثم بدأو بالركض إلى الخارج، ولكن الباب مغلق بإحكام، بدأت الصرخات تعلو، وماعت يقتل واحد تلو الآخر، ثم ظهر صوت سيارات الشرطة بالمكان، حاولو الاقتحام ولكن فشلو، بدأ الشباب بمحاولة القتال مع ماعت، وعندما هجمو عليه وأمسكو به جميعًا، تحول إلى أفعى ضخمة، وابتعدو عنه في زعر، بخ السم في وجوه كل من بالمكان، ثم سقط الهاتف من يد ذلك الشاب، بعد أن مات أثر السم، ورأى معروف الدخان يخرج من سقف الملهى.
معروف بفزع: اتصل ببراء، قوله يبعد عن القصر فورًا، أكيد ماعت راجع على هناك.
نفذ مراد ما طلبه معروف ونظر جاد لهما بصدمة وقال بفزع: حصل إيه؟! فهموني.
معروف: ماعت قتل حوالي ١٠٠ شب وبنت في ملهى ليلي، مش هينفع نروح هناك.
جاد بغضب: يعني إيه؟!
معروف: يعني لو رحنا دلوقتي كلنا هنموت، وأولنا سجى، البلد هتلاقيها اتقلبت باللي حصل ده.
أوقف جاد السيارة وشاهد الفيديو، في لحظة صمت مرعبة، هذا الكائن يمكث مع سجى بذات المكان، لا يوجد كلمات تصف حالة الرعب التي يمر بها جاد حاليًا، والندم يتغلغل داخل صدره، هو من فتح باب اللعنة، هو من فتح المقبرة، حتى تمنى الموت بداخله قبل أن يفتحها.
أما براء؛ فسمع ما قاله مراد، وأنهى المكالمة ثم قال: سجى، ماعت راجع، أنا لازم أمشي، متحاوليش تضايقيه، ولا تخليه يغضب، حاولي تقنعيه إنك نسيتي كل حاجة ومش بتفكري في حد غيره، وإوعي تخليه يلمسك، إحنا هندور على حل تاني عشان نخرجك من هنا.
سجى ببكاء: أرجوك استنى، متمشيش.
براء: متخافيش يا سجى، أنا براقب المكان على طول، أنا جنبك مش همشي، اسمعي بس اللي قولتلك عليه، هتعدي إن شاء الله ونخلص من الكابوس ده، وآخر مرة تكتبي روايات رعب.
ابتعد براء بسرعة، ونظرت سجى داخل القصر، تحتضن جسدها بخوف، تشعر بأن عمرها سينقضي بهذا القصر، أنها لن تستطيع مغادرته أبدًا، وهناك تخبط يقتلها من الداخل، من هي؟! وما الحقيقة؟! وكيف حدث كل هذا؟!
فقدان الهوية والذكريات، يجعلك في عاصفة داخلية لا تتوقف، أسئلة تتوالى داخل راسك دون إجابة، وإن كانت لديك إجابات، لن تتأكد أبدًا إنها صحيحة، ولكن هناك حقيقة واحدة قد تأكدت منها سجى، هذا القلب يعرف عاشقه حقًا، ليس ماعت... إنما حبيبها هو جاد.
نظرت إلى السماء تدعو الله أن يجمعها به، وتعود لحياتها التي لا تعرف عنها شيء، وفي ظل ذلك التخبط، سمعت صوت الهواء يقترب، عاصفة غاضبة تقترب من القصر، وكأن الموت يطرق بابها، يخطف ما بقى من روحها المعذبة.
عاد ماعت إلى القصر، تحت نظرات سجى المترقبة، تُرى... هل ستسطيع تنفيذ ما قاله براء.... إم لا.
يتبع....
رباب حسين
Rabab Hussien