الفصل التاسع

الفصل التاسع

13 0

قلب ماعت.... الفصل التاسع

بقلم الكاتبة / رباب حسين

لم ينتهي هذا الجسد المدنس بالسحر الأسود بمجرد خروج قوة الشر منه فقط، فاتباع هذا النوع من السحر يعني أنه وثق إتفاقية مع الشيطان نفسه، فيصبح جسده مسجون تحت هذه القوة، وإن حاول أحد قتل الجسد، تسحب الروح منه ولكنه يظل مثل الميت الحي، كجثة متحركة على الأرض من قبل الشياطين، أما القلب، فيظل ينبض لأجل الحبيب، فعندما تذكر ماعت محبوبته من حتب، وأدرك ما فعله بها، ألمه قلبه عليها، فصرخ بحسرةٍ على فراقها، ولكن كان الموت قد سبقه إليها، ضعفت التعويذة، ولكن وقف الأمر عند قتل جسد ماعت.

كان الملك سنوسرت الثالث أحد ملك الأسرة الثانية عشر، يتملكه الغضب بسبب الفوضى التي أحدثها ماعت بذلك السحر الأسود، وعندما علم بضعف ماعت الذي حل عليه، بعد أن قامت تلك المرأة المخلصة بالتضحية لأجل زوجها الخائن، أمر الملك بإحضار ماعت إلى قصره، ثم طلب حضور كهنة المعبد ليقترحو الطريقة المناسبة للتعامل مع هذا المدنس.

بعد وقت، كان ماعت مقيد أمام الملك بسلاسل حول قدميه، ذراعيه مقيدة إلى الخلف، وطوق من الحديد يلتف حول رقبته، به سلسلاتين، ورجلان يمسكان بهما، فقط لمحاولة تقييد ماعت الغاضب، نظر الكهنة له في حزن أولًا، فهو كبيرهم، وقال أحد الكهنة: لا يمكن قتله بالطريقة المعتادة يا مولاي، علينا أن نسحب ذلك الشر من جسده، ثم نقوم بقتله.

الملك: حسنًا، وكيف نفعل ذلك؟!

قاطع حديثهم صوت ماعت الغاضب، فنظرو له جميعًا بصدمة، عيناه تصدر سهام سامة من الغضب، صوته وكأنه يخرج من قاع جهنم.

نظر الملك إليه بخوف، واقشعر بدنهم من ذلك الصوت، فقال كاهن آخر: جسده مدنس، إذا قتلت روحه فجسده ملك للشيطان، سيبقى كالميت الحي، لذا علينا استخدام تميمة الحجب، سنقوم بوضعها على صدرها، وهذه سوف تسحب قوة التحكم من داخله، وبعد ذلك يمكن قتله، ولكن علينا إخفاء تلك التميمة بعيدًا عن جسده.

قام الملك بتنفيذ ما اقترحه الكهنة، وأحضرو تميمة الحجب، أحد العناصر التي كان يصنعها الكهنة وتوضع عند المعابد لتحجب الشر عنهم، وبالفعل، حجبت قوته عنه، وأصبح جسده في شدة ضعفه، بعد أن فقد نصف قوته بهذا الحجر (قلب ماعت)، الذي أمر سنوسرت أن يدفن معه، ولكن التميمة دفنت بقبر الملك سنوسرت، ومعها كتاب السحر الأسود، لذلك ماعت الآن مجرد شبح، ظل أسود بلا جسد.

ذلك الظل الذي يتمتع بقوة شيطانية، وعقل مدبر للمكائد، وها قد أوقع تلك الفتاة البريئة في مكيدة محنكة، استفز ما بها من ألم، بعد أن شحن عقلها بالكثير من الأكاذيب، وصور لها مئات الذكريات المحرفة، جعلها تفقد السيطرة على أعصابها، ونطقت بالكلمة التي لم تكن لتنطقها أبدًا، هو أخبرها من قبل أنها بعد فترة لن تستطيع أن تفرق بين الوهم والحقيقة، وهذا ما حدث، فقدت شعورها بالواقع، وارتبك عقلها وتشوش من كثرة العبث بذكريات العقل الباطن.

نظرت سجى لما يحدث أمامها، شيء بعيد عن الخيال، لم تكن لتتخيل أن ترى هذا الأمر يحدث بالحقيقة، قبر فرعوني يخرج من تحت الأرض، ألهذا السبب اختار ماعت ذلك القصر؟! هل لأنه يعلم بوجود مقبرة حبيبته بالأسفل؟!

نظرات ماعت تحولت إلى شيء آخر، كان ينظر إليها بطريقة مختلفة، طاف أمامها بهدوء، ووقف ينظر داخل عينيها وقال: حبيبتي من حتب، كانت جميلة، مكنش فيه أجمل منها في الأقليم كله، كانت نور الشمس ودفاها، ضوء القمر اللي كان بينور عتمة ليلي، نجوم في سمايا بتدلني على حب عشت عشانه... ومت بسببه، الحب مش بالأيد، لكن الأخلاص بإيدينا، لو كانت من حتب أخلصت لجوزها وبيتها، كانت هتعيش زي ما هي ملكة متوجة على عرش قلبي، قلبي اللي مش قادر ينساها لحد دلوقتي، مات ولسه متعلق بيها، حزني إني موتها بإيدي؛ رغم خيانتها ليا، واجعني، إنتي عكسها، مخلصة لواحد غدر بيكي وسابك، والحقيقة إنه معرفش قيمتك، لما تحديتي لعنتي عشانه، قررت أحطك تحت الاختبار ده، أشوف هتضحي بيه عشان تخرجي من هنا وتبعدي عن لعنتي، ولا هتفضلي مخلصة، وعشان استحملتي كله ده، أنا اختارتك عشان تكوني من حتب، بنفس جسمك، مش هغيره، بس هغير شكلك، هخليكي شبهها هي.

هل هذا جزاء إخلاصي؟! أقيد عشيقة لظل الشيطان الملعون، ماذا سيفعل بي هذا العشق الكاسر أكثر من ذلك؟ لم يبقى سوى أن يتركني جثة هامدة، نظرت له بحزن، والخوف الذي أصبح ملازم لها منذ أن دخلت ذلك القصر الملعون.

ثم أخذت تفكر؛ الآن هي استعانت به كما فعل جاد، لذا هي مقيدة داخل لعنته، فكان من الطبيعي أن تصبح مثله.

نظرت له والخوف ازداد داخل قلبها، لذا فكرت بحل آخر، أن تقبل بأن تكون من حتب، فهذا سيحافظ على جسدها من لعنته، لذا قررت أن توافق، فقالت: لو وافقت، هتقتل جاد فعلًا؟

ماعت: لأ، لو عايزاه يمشي هيمشي، لأني محتاج كل قوتي عشان أقدر أرجع جسمي، وهو لازم يخرج، مهمته خلصت، أنا فضلت مستنيكي سنتين، كنت عارف إنك هتيجي عشانه، لأن محدش هيقدر يخرجه من هنا غيرك، وأنا لما شفتك في ذكرياته، وعرفت حقيقة اللي حصل معاكي، قلت إنتي الوحيدة المناسبة إنها تكون من حتب.

فتحت عينيها في صدمة، ونظرت إلى جاد في حزن، قد قيده داخل هذا القصر، داخل لعنته، فقط لأجلي؟! كان هذا كفيل بأن يجعلها تضحي بكل شيء لأجله، لذا أخذت قرارها ووافقت، وطلبت من ماعت أن يجعله يرحل.

ماعت: لما نكمل الطقوس، عشان مش عايز حد يأثر عليكي.

التفت ماعت، ورفع كلتا يديه، أحاطت النيران بالتابوت، وبدأ يتمتم بتلاسم السحر الأسود.

أما جاد، الذي كان يسمع كل شيء، وعلم أنها تضحي من أجله، كانت روحه تبكي من الداخل، دون دموع، دون صراخ، ألم مكتوم، وغصة مريرة، حبيبته الوحيدة، عشقه الأول، ألا يكفي ظلمه لها؟! هل يظلمها هذا الشيطان أيضًا؟! ألا يكفيها ظلمًا؟!

جاد يعرف ذكريات ماعت، يعرف ما يخطط له جيدًا، وإذا قام بعمل تلك الطقوس، سوف تُمحى ذاكرة سجى، ستعود لها ذاكرة من حتب، ستتغير ملامحها، وتنساه، ستتذكر فقط أنها زوجة ماعت، ولكن بإخلاص سجى المعهود، ستظل معه إلى الأبد، وليس لديه وسيلة، سوى أن يراهن على هذا القلب الذي ينبض له، فالقلب لن يخضع لهذا السحر، والروح الطاهرة ستظل طاهرة كما هي.

قطع حزن جاد، صوت طرق باب القصر، كانت سجى مغيبة، تحت تأثير ذلك السحر الأسود الذي يمارسه ماعت، وكأنها تمر بمرحلة إزالة لهويتها الحقيقية.

وصل براء ومراد ومعروف، أخذ كل واحدًا منهم جهة من القصر، يطرقو على النوافذ والأبواب، ويصيحون باسم سجى، سمع جاد ما يقوله أحدهم عند الباب بقوة، براء: يا سجى، إلمسي جسم جاد، يا سجى، لو لمستيه هيرجع لطبيعته.

انتبه جاد لما يقول، هو محق، إذا كانت لمسته من الأول كانت انتهت اللعنة على الفور من جسده، لذا منعها ماعت بقوة وضربها حين حاولت لمس جسدي، تُرى من هذا؟! وكيف علم بذلك الأمر؟

ابتعدو جميعًا بفزع، عندما سمعو أصوات مرعبة تصدر من داخل القصر، هناك أضواء عجيبة تخرج من النوافذ، وصرخة سجى التي جعلتهم ينظرون لبعضهم البعض بصدمة، تُرى ماذا يحدث بالداخل؟!

وقفو ينظرون بترقب، الأصوات تتغير من مخيفة إلى مرعبة، نيران تلتهم القصر من الداخل، وصوت ماعت الشيطاني الذي يتمتم بطلاسم غير مفهومة، دب الفزع في قلوبهم، اقترب براء من الباب باندفاع، لم يطرقه، بل حاول أن يفتحه، ولكن الباب موصد، نظر خلفه إلى مراد ومعروف وقال: ساعدوني، سجى بتصوت جوا، ساعدوني نخرجها، مش عايزين ضحية تانية تتحبس جوا، محدش هيقدر يخرجهم تاني.

نظر معروف ومراد لبعضهما البعض، براء محق، يجب أن يقتحمو القصر، اقتربا منه، وقامو بدفع الباب معًا بقوة، لاحظ ماعت ما يحدث عند الباب، فنظر له بعين حمراء مخيفة، وإذا بمراد وبراء ومعروف يطوفون بالهواء بعيدًا عن الباب بمسافة كبيرة، وسقطو أرضًا بألم.

أما ماعت، فعاد النظر إلى التابوت، وتمتم بآخر تعويذة، ثم نظر إلى سجى، التي فتحت فمها بشدة من هول ما يحدث بجسدها، وتخشبت أوصالها، واختفت حدقتا عينيها، لتتغير هيئتها وتصبح من حتب، نظر لها ماعت بسعادة وحب، قد أصبحت تشبهها تمامًا.

فتحت عينيها ونظرت أمامها بهدوء، ثم نظرت إليه وقالت: زوجي العزيز.

ابتسم ماعت، بل ضحك من شدة السعادة، من حتب تنظر له بحب وامتنان، وهذا كل ما كان يتمناه، حاول أن يلمسها ولكن لم يستطع، هو مجرد ظل، بلا جسد، شعر بالغضب الشديد، ولاحظت سجى ذلك فقالت: متضايقش، أكيد فيه حل.

ماعت: الحل في قبر الملك سنوسرت، لازم نروح هناك.

سجى: نروح.

ثم وقعت عيناها على جاد، فعقدت حاجبيها وقالت: مين ده؟!

نظر له ماعت، وقال: لا ده حد مش مهم، رفع يده نحو جاد، وفجأة عاد لطبيعته، ثم وقعت السلاسل من على جسده، ليرفع الغطاء عن عينيه، نظر إلى من حتب التي تقف أمام ماعت، وصاح بقوة والدموع تنهمر على وجهه: سجى... لأ يا سجى، ليه وافقتي؟! ليه تعملي كده؟! ليه تحرميني منك؟! أنا آسف يا حبيبتي، سامحيني.

نبض قلب من حتب، ليس كأي نبض، نبض مشتاق، صوته يتغلغل داخل أذناها، يبعث بشعور مريح، تشعر بأنها تعرفه، بل وكأنه شخص مألوف بشدة، وقبل أن يقترب منها جاد ويتحدث مرة أخرى، نظر له ماعت بغضب، ودفع الباب من بعيد، وطار جسد جاد إلى الخارج، وأغلق الباب مرة أخرى.

وقف جاد مسرعًا وأخذ يطرق على الباب ويحاول أن يفتحه، وهو يصيح باسم سجى، تحت نظرات مراد ومعروف وبراء المتفاجئة، وقال معروف وهو يفتح عينيه بصدمة: جاد!

التفت جاد إليه، وركض نحوه على الفور وقال بتوتر: بروفسور معروف، كويس إنك هنا، ساعدني أرجوك، خدها، خدها وحبسها بدالي، خلاص راحت مني، إلحقني.

براء بتعجب: إنت تقصد سجى؟! سجى جوا مكانك، يعني هي اللي بقت جوا اللعنة؟!

جاد: اه، بس إنت مين؟!

براء بغضب: مش مهم أنا مين، لازم تدخل القصر وتلمسها عشان اللعنة تبعد عنها.

جاد: لأ... الوضع مختلف عني، ماعت عمل سحر أسود، وخلى سجى بهيئة مراته من حتب، يعني اللعنة أكبر من لعنتي بكتير، والمصيبة إن لو عمل اللي في دماغه، يبقى لعنة ماعت هترجع كاملة، واللي عمله في مصر زمان، هيعمله تاني، بس من غير نقطة ضعف.

هذه المرة، ماعت نجح في تصليح الخلل الذي كان بقلبه، وأصبحت زوجته مخلصة له، لذا رمم قلبه المجروح، وأخذ نصف قوته التي كانت بالحجر قلب ماعت، ولديه خطوة أخيرة، تميمة الحجب، إذا حصل عليها ستكون بداية لعنة أبدية، لن تكون على مصر فقط بل على العالم أجمع.

يتبع...

رباب حسين

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

قلب ماعت

المؤلف Rabab Hussien
2025/12/08 مكتملة
قائمة الفصول (20)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة