قلب ماعت.... الفصل الخامس عشر
بقلم الكاتبة / رباب حسين
لم يكن جاد يعلم أن الهزيمة الحقيقة... ليست تلك التي رآها في عيون ماعت، بل تلك التي شعر بها في أعماقه، وهو يخطو خارج المتاهة خالي اليدين... خاسرًا التميمة، وخاسرًا سجى، وخاسرًا آخر خيط كان يربطه بالأمل.
كانت أبيدوس صامتة إلى حد الخوف، كأن العاصفة تحبس أنفاسها انتظارًا لما سيحدث. الرمال جامدة، الهواء ثقيل، واللعنة داخل جسد جاد تتحرك ببطء... وكأنها تستعد لخطوتها القادمة.... هي جزء من ماعت يعذب جاد بقوة، بل تأثرت بالتعويذة فألمت صدره، أما ماعت فلم يتأثر.
شعر بأن ماعت لم يأخذ التميمة فقط... بل أخذ قطعة من روحه معه.
لكن وسط هذا الظلام، ووسط الانكسار الذي يسري في عروقه... انبثق بريقٌ ضعيف، بريق كلمات الملك سنوسرت التي لم يفهمها بعد:
"اللعنة الراسخة بداخلك.... سلاح ذو حدين.... إستخدمها بذكاء.... إحذر من اليأس، فهو ليس من نفسك، بل من نفس ماعت."
تساءل جاد بينه وبين نفسه:
ما الذي لم يفهمه بعد؟
وأين يبدأ الطريق الذي أشار إليه الملك؟
تلك الليلة.... لم ينم.
جلس أمام كتاب السحر الأسود، صفحاته تقسو عليه، تفتح له أبوابًا مظلمة لا يجب أن تُفتح، وتهمس له بأن لكل لعنة ثمن.... ولكل فداء قربان.
وبينما يقلب الصفحة تلو الأخرى، ويصارع الألم الذي ينهش صدره، أدرك شيئًا واحدًا: أن نهاية الحرب لم تبدأ بعد. وأن ماعت... لن يكتفي بما حصل عليه، فهناك شيء ثمين يملكه جاد... هذا الكتاب، هو لاحظ صدمة ماعت عندما لفظ جاد بتلك التعويذة، وعلم أن ماعت سيأتي إليه يومًا ما، لذا عليه الاستعداد.
دخلو جميعًا عنده الغرفة بالفندق، فقد قامو بتأحيل العودة إلى القاهرة بسبب تأثر جاد بالتعويذة.
نظرو له بحزن، فعندما خرج من المتاهة كان يخفي دموعه عن أعينهم، ثم جلسو معه وقال مراد: المفروض نواسيك، بس للأسف اللي حصل ده مش هيتحل بالمواساة، ولا هتداوي اللي حصل معاك، خلينا ننسى اللي حصل ونركز في اللي جي.
جاد بيأس: المشكلة إني مش عارف ليه التعويذة مأثرتش عليه، وكمان أنا اللي تعبت لما قولتها، طيب أنا مش فاهم ده حصل إزاي وليه؟!
معروف: اعتقد إني فهمت يعني إيه قلب طاهر، إنت قلبك متأثر باللعنة اللي جواك، واللي حصلك النهاردة ده معناه إن اللعنة لسة راسخة جوا روحك، وده اللي تعبك.
جاد: عشان كده الملك قالي اللعنة اللي جوايا سلاح ذو حدين، يعني الحية اللي جوايا إتأثرت وهو لأ؟!
براء: بس ثواني، لو كلامك صحيح، يبقى الحية ديه سلاح نواجه بيه ماعت، يعني نضربه بنفس لعنته.
مراد بصدمة: فكرة هايلة! دور على حاجة تستدعي الحية من جواك عشان نستخدمها.
معروف: مع احترامي لكل الأفكار الجميلة ديه، بس فيه حاجة مهمة لازم تحصل الأول، ماعت زمان كان عنده نقطة ضعف، وهي من حتب، مراته، قلبه كان حزين على فراقها، وده اللي ضعفه وخلى قوته تتفصل عنه.
جاد: أكيد مش هنقتل سجى!
معروف: لأ، سجى لو رجعتلها ذكرياتها هتتخلص من سحر ماعت، أنا قريت تعويذة في الكتاب إمبارح عن نقل الذكريات، وأعتقد إن ديه التعويذة اللي استخدمها ماعت عشان ينقل ذكرياته لسجى.
أعطى جاد له الكتاب وقال: فين هي؟!
أمسك معروف الكتاب، وأخذ يبحث عنها حتى وجدها، وقام بقرائتها: تعويذة نقل الذكريات، بس ثانية، ديه بتنقل الذكريات وتمحيها من الذاكرة التانية!
جاد: يبقى ماعت نقل ذكريات من حتب، مش ذكرياته هو.
معروف: بس ديه فيها مشكلة، لو نقلت إنت الذكريات هتتمحي من ذاكرتك، يعني هتنسى كل حاجة.
جاد: يعني هي هتفتكرني وأنا هنساها؟!
معروف: اه، أظن كده الموضوع صعب، لو رجعت ذكريات سجى، إنت مش هتقدر تقف قدام ماعت، لأنك ببساطة هتنسى كل حاجة.
براء: لازم حد يدخل معاه، في كل الأحوال لازم حد يقول تعويذة الفصل غيره.
مراد: ده معناه إن الحرب مبقتش حربك لوحدك يا جاد، كلنا هندخل معاك، لازم نواجه ماعت ونخلص منه.
معروف: يبقى عايزين خطة.
جلسو معًا ووضعو خطة محكمة للقضاء على ماعت، وقررو السفر بالصباح.
مرت الليلة في سوهاج بحلم الانتصار، بينما بداخل ذلك القصر، لم تكن تلك الليلة حلمًا لسجى، بل بداية شك دخل بقلبها، رؤية جاد كان عاصفة لها، عندما رأته أول مرة بالقصر، لم تتأثر به، وإن كان هناك شعور بداخلها بأنها تعرفه، ولكن لم تهتم، عكس الشعور الذي أحسته عندما رأته بالمتاهة، ربما تأثرت بالأحلام التي كانت تراودها عنه، أو أن الرابط الذي بين قلبيهما قد أعاد لها ذلك الشعور بالحنين، وربما تلك التضحية التي قامت بها من أجله هي التي تأن بداخل قلبها الحزين على نسيان معشوقه الأول والأخير.
كانت سجى بغرفتها، تحاول أن تمنع نفسها عن التفكير به، تتذكر صوته، نظراته، حروف الاسم الذي نطق به، الرجاء الحزين الذي سكن صوته المرتعش. كانت مواجهة عاصفة بكل ما بها من يقين، فقبل أن تراه كانت على يقين بأن ماعت هو زوجها، حبيبها، ولكن الآن؛ تأكدت أن قلبها لم ينبض له أبدًا، إذًا... ما هذه الذكريات التي برأسي؟! كيف أتذكر كل ما يربطني به؟! أتذكر قصة الحب التي عشناها معًا، تلك الأحاديث التي علقت قلبي به، تلك النظرات العذبة التي روت قلبي بعشقه الأبدي.
حيرة، تردد، خوف، والأسوء، عندما سمعت ذلك الباب يُفتح، ودخل ماعت ووقف أمامها، وتوقف عقلها عند تلك النظرات، نظرات ماعت لها التي تخبرها بكل يريد، هو الآن يمتلك جسد، وإن كان هذا الجسد ليس بشري، ولكنها تراه مكتمل متأثرة بسحر ماعت اللعين.
اقترب منها يتحسس وجهها بأنامله، مؤكدًا لها ما شعرت به، إنه يدعوها للفراش كزوجةٍ له، انتفض جسدها بقوة بمجرد أن لمس وجهها، فنظر لها ماعت بتعجب وقال: إنتي كويسة؟! مريضة ولا حاجة.
نظرت سجى إلى أسفل بخجل وقالت: أنا بس تعبانة من السفر شوية.
تنهد ماعت وقال: ارتاحي حبيبتي، أنا مش مستعجل، العمر كله قدامنا... وللأبد.
أومأت له بالإيجاب، وأمسك يدها ووضعها بالفراش ودثرها تحت الغطاء، واستلقى بجوارها، توقع أن جسدها ينفر منه، وهذا طبيعي، فهو ليس زوجها، والجسد لا يتذكر لمسته، فقرر أن يتمهل، فهو بالأخير لا يريد أن يخسرها مرة أخرى، وتكون هي سبب بخسارته الحرب، فالكتاب الذي مع جاد قادر على إنهاءه بسهولة، لذا عليه أن يحصل على ذلك الكتاب، وحينها سيكون بأمان، ويضع بصمته على جسد سجى، لتصبح له دون رادع.
أما سجى، فنامت وهي تواليه ظهرها، هناك نفور قوي تجاهه يزداد مع مرور الوقت، يتنافى مع تلك الذكريات، جعلها متخبطة، ولكن هناك شيء يخبرها بداخلها: "هذا ليس مكانك... هذا ليس من ملك قلبك."
أغمضت عينيها، والدموع تفر منها هاربة، ثم نامت... ورأت ذلك الحلم.
كانت تقف أمام مرآة كبيرة، ترى هيئتها الحالية، وفجأة تحولت ملامحها إلى الحزن، تعجبت سجى، فهي لا تشعر بذلك الحزن البادي على وجهها، وما أثار دهشتها أكثر؛ أن إنعكاسها بالمرآة بدأ يتحدث معها فقالت: مش ده حبيبي.
عقدت سجى حاجبيها وقالت: قصدك مين؟!
من حتب: ماعت... مش هو حبيبي، هو قتله، وحرمني منه.
سجى: قصدك الراجل اللي كان في المتاهة؟!
من حتب: لأ، ولا ده حبيبي، فوقي، ودوري على الحقيقة.
نظرت خلف سجى، فالتفتت سجى أيضًا تنظر لما أشارت له، فوجدت نفسها (بهيئة من حتب)، تجلس على ضفاف النيل، وهناك شخص يقترب منها بهدوء، ووضع زهرة بيضاء على وجهها، فابتسمت بعشق له وقالت: تأخرت!
ماحور رع: كنت أبحث عن وردتكِ المفضلة، أحب أرى وجهكِ السعيد عندما تحميلن الزهرة بين يديكِ.
من حتب: أنت من جعلتني أعتاد على الأمر، لذا عليك أن تلتزم به مدى الحياة.
ماحور رع: لكِ ذلك سيدتي.
استيقظت سجى من هذا الحلم، الذي زاد من حيرتها، من هذا الذي كان معها، وأين ذلك المكان؟!
وكأن من حتب تحاول أن تصحح ذكرياتها التي أفسدها ماعت، فهو نقل ذكريات من حتب لسجى ولكن جعلها تظن أنه هو ماحور رع، ولذلك هي تحبه وتخلص له، فكان الأمر أكثر تعقيدًا، بل أصبح كابوسًا يرواد سجى، قلبها ملك جاد، وعقلها الممتلأ بذكريات من حتب، يأبى أن يحول ماحور رع إلى ماعت.
استيقظ ماعت، ووجد سجى تنظر إلى الخارج عبر النافذة، ثم التفتت إليه وقالت: عايزة أروح عند النيل.
ابتسم ماعت وقال: ياريت، نروح سوا.
سجى: ونفطر هناك.
ماعت: أمر حبيبتي، يلا بينا.
أما جاد ورفاقه، فقد غادرو سوهاج في طريقهم إلى القاهرة، وقررو أن يذهبو معًا إلى القصر، ليقومو بتنفيذ تلك الخطة.
بعد وقت، كانت سجى تجلس على ضفاف النيل مع ماعت الذي غير هيئته بسحره الأسود، لكي يراه الناس إنسان طبيعي كما تراه سجى، نظرت سجى حولها بتعجب، الصورة التي رأتها بالحلم مختلفة تمامًا، لم يكن هناك أي مباني أو مطاعم نهائيًا، بل كانت تجلس على شط النيل مباشرةً، قاطع شرودها حديث ماعت: المكان متغير صح؟!
سجى: جدًا! مش ده المكان اللي في ذاكرتي أبدًا.
ماعت: مصر بتتغير على طول، بس أعتقد إنه أحلى.
سجى: بالعكس، البساطة أجمل، يعني أنا مش قادرة ألمس الماية.
ماعت: بعد شوية ممكن ناخد مركب من اللي هناك دول وندخل جوا النيل، أهم حاجة تكوني مبسوطة.
ابتسمت له سجى وقالت: طيب عايزة وردة.
ابتسم ماعت وقال: حاضر، هروح أجيبهالك حالًا.
ذهب ماعت، وبعد وقت عاد وهو يحمل بيده وردة حمراء اللون، نظرت لها سجى بتعجب، هي تتذكر الحلم، وتتذكر أنها تحب الورد الأبيض، قدم لها ماعت الوردة فقالت له: اللون اللي بحبه فعلًا.
ماعت: عارف، أنا دايمًا كنت بجبلك وردة باللون ده.
الأمور تزداد تعقيدًا، جعلت سجى متخطبة، أين الحقيقة، هذا الحلم، تلك الذكريات، هذا القلب الذي ينبض لشخصٍ آخر، أين هو حبيبي الحقيقي؟!
تناولا الطعام، وعادا إلى القصر، لاحظ ماعت إنطفاء اللمعة بعينيها، هناك أمر عجيب وتغيير كبير بتصرفاتها، منذ أن رأت جاد بالمتاهة، هل صدقت ما قاله جاد لها؟ سؤال زرع الخوف بقلبه، لذا قرر أن يثبت لها حبه وأنه هو حبيبها حتى لا تشعر بالتخبط، جلس معها وظل يتحدث بقلبه بصدق، فهو متيم بمن حتب، ولا يزال يرى بها كل أمل بالحياة، فهي الفتاة التي تمناها منذ الصغر، وعندما أصبحت زوجته كان أسعد إنسان على وجه الأرض.
حل الليل، ووصل جاد ورفاقه عند القصر، وتقدم جاد سريعًا ليفتح الباب، فهو يتخيل كل الأشياء السيئة التي من الممكن أن تحدث بينهما منذ أن غادرا معًا.
اقترب جاد وحاول فتح الباب ولكن فشل، حاولو جميعًا مساعدته وكسر الباب، ولكن الباب قوي كالفولاذ، نظر مراد له وقال: أكيد الباب مسحور، هنعمل إيه وهندخل إزاي؟!
معروف: مش عارف.
فكر جاد قليلًا ثم قال: أنا هخليه يخرج بنفسه، ثم صاح عاليًا: سجى.... يا سجى.... أنا جاد يا سجى، أنا حبيبك الحقيقي مش هو، قلبك بينبض ليا أنا، وعمره ما حب حد غيري، فوقي من لعنته، إوعي تخليه يلمسك، إنتي مش مراته، ده ملعون، شيطان، إوعي تصدقي كلامه.
مراد: تفتكر كده هتصدقك؟!
براء: مش مهم، بس ماعت هيخاف لتصدقه.
جاد: إفتحي وأنا هفهمك كل حاجة، طيب لو مش مصدقاني خليني على الأقل اعتذرلك، خليني أقولك الحقيقة، أنا ملمستكيش، أنا ضحكت عليكي ووهمتك بده، بس مقدرتش أئذيكي أبدًا، أنا معرفش هيجيلي فرصة أعتذر عن اللي عملته قبل كده ولا لأ، بس أنا مش هضيع اللحظة ديه، خليكي فاكرة إني بحبك، وعمري ما حبيت غيرك، هما اللي فرقو بينا، ومع ذلك ضحيتي بكل حاجة عشاني، عشان تخرجيني من القصر الملعون ده، وأنا مش هسيبك معاه، مش هسيبك تحت لعنته، إفتحي الباب، خليني أخرجك من سجنه.
بالداخل، كانت سجى تسمع كل حديثه، وزاد من تخبطها، شعور الحزن الذي اجتاح صدرها، عندما سمعت باعتذاره، وكأن الألم الذي كانت تشعر به لسنوات، تحرك على أثر حديثه، وذلك النبض يؤكد لها أن جاد هو حبيبها.
تُرى... هل ستفتح سجى الباب لتنهي اللعنة وتهرب، أم لماعت رأي آخر؟!
يتبع....
رباب حسين
Rabab Hussien