قلب ماعت... الفصل العاشر
بقلم الكاتبة / رباب حسين
القصر الذي اشتعل بنيران السحر الأسود لم يهدأ، بل ظل يزفر دخانًا كثيفًا، كأن جدرانه تحاول طرد ما رآه من أهوال.
وفي الخارج، وقف جاد يشاهد العالم من حوله بينما عالمه الداخلي ينهار بالكامل، أصبح رجلًا يركض خلف بقايا روحه، يحاول الإمساك بما يتسرب منه بلا رحمة.
كانت صرخة سجى ما زالت عالقة في الهواء، تقف بينه وبين أنفاسه، تشده من قلبه كلما تذكر ملامحها وهي تُسلب منه قطعة قطعة، تُسحب من بين أصابعه كما تُسحب الروح من الجسد.
لم يدرك جاد يومًا أن الألم الحقيقي ليس في الظلم الذي اقترفه، بل في العجز؛ العجز أمام يد شيطان يعبث بحبيبته، ويحوّل ماضيه لعنة تهدد حاضره ومستقبل العالم كله.
مراد يقف مذهولًا، معروف شاحب الوجه من هول ما أدركه، وبراء يقاتل الذعر داخله، لكن جاد وحده كان يقاتل نارًا لا يراها غيره، نارًا تلتهم صدره كلما تخيل سجى وهي تنظر له بعينين لا تتذكرانه، ولا تعرفان شيئًا عنه... سوى أنه "لا شيء".
وفي أعماق القصر، حيث ما زالت أصداء التعاويذ ترتطم بالجدران، كانت سجى... أو من حتب؛ تخطو خطوة جديدة داخل القدر الذي رُسم لها، بينما ماعت يستعد للخطوة الأخيرة... الخطوة التي ستُعيد جسده، وتُحرر قوته بكاملها، وتُطلق عهدًا جديدًا من الظلام.
لكن شيئًا واحدًا لم يحسب له حساب؛ القلب.
ذلك القلب الذي لم يخضع لعنته يومًا، لا قديمًا ولا حديثًا.
عيناه تنظر إلى القصر الذي يغلق عن آخره، وانسحب الأمل من داخل صدره، ثم التفت إليهم في ألم، واختل توازنه وسقط أرضًا.
لم يستوعب أحدًا منهم ما حدث، وعن أي شيء تحدث جاد، ثم ركضو نحو جاد وحاولو أن يسعفوه، وفي الطريق للمشفى، نظر براء إلى معروف وقال: هو يعني إيه اللي جاد قاله؟ يعني إيه لعنة أكبر، إزاي يعني سجى بقت مرات ماعت؟! إنت فهمت حاجة؟!
معروف: لأ، نطمن بس إن جاد كويس وبعدين نفهم إيه اللي حصل بالظبط، شكل جاد مش طبيعي، خايف يكون عقله جراله حاجة.
مراد: متنسوش كمان إنه بقاله سنتين جوا لعنة محبوس، أكيد جسمه بقى ضعيف جدًا.
وصلو إلى المشفى، وبعد وقت طويل من الفحص، خرج الطبيب ماهر، ونظر لهم بتعجب، وقال: هو مش ده جاد علام؟! ولا حد شبهه.
براء: أيوة هو يا دكتور، طمنا.
ماهر بذهول: غريب، جسمه مفيهوش أي حاجة، يعني لو كلامكم صح وبقاله سنتين محبوس جوا القصر من غير غذا، ده كان مات من زمان، لكن الغريب إن جسمه كأنه كان متجمد، كأن السنتين معدوش عليه.
نظر له معروف بتعجب وقال: يبقى ديه الطريقة اللي ماعت قدر يحافظ بيها على جسمه لحد دلوقتي.
براء: هيعمل كده في سجى كمان؟!
مراد: خلينا نفهم بس يا براء، هو جاد فاق يا دكتور؟ نقدر نشوفه؟
ماهر: اه فاق، تقدرو تشوفوه.
دخلو الغرفة سريعًا، وجدو جاد يهم بالنهوض من الفراش، فقال معروف: رايح فين؟!
جاد بذعر: هلحقها، لازم ألحقها.
كاد يذهب، ولكن أمسك به معروف وقال: استنى بس يا جاد، فهمنا إيه اللي حصل، خلينا نساعدك.
براء: أنا عايز أعرف اللعنة اللي كنت بتتكلم عليها ديه إيه، وكمان إيه حصل لسجى؟!
جاد: قبر من حتب مرات ماعت كان تحت القصر، وده السبب اللي خلى ماعت يجبرني إني اشتريه، وجمد جسمي من جوا، ومش عشان يفضل مسيطر عليا... لأ، عشان كان مستني سجى، الحكاية طويلة، بدأت لما لمست الحجر أول مرة، ماعت عمل مسح لدماغي في ثواني، شاف كل حاجة، ولما رحت البيت ولمس حاجة فريدة، عرف إن سجى مظلومة، وكان فاضل حاجة واحدة، يتأكد هي مخلصة ولا لأ، فضل مراقبها، عرف كل تحركاتها، لحد ما أتأكد إنها لسة بتحبني، وبعدين ظهر موضوع القصر قدامها، عشان عارف إنها هتروح هناك ومش هتخاف، ومن ساعة ما دخلت القصر وهو حبسها، وهمها بذكريات غلط، كدب عليها وفي الآخر خد شكلي وكلمها بطريقة خلاها توافق على إنها تستخدم لعنته، وأول ما وافقت خرج التابوت من تحت الأرض، وخلى سجى هي مراته، نفس الشكل والذكريات، بس بإخلاص سجى، ورماني برا القصر عشان مأثرش عليها، كده فاضل حاجة واحدة بس، تميمة الحجب، وديه اللي فيها نص قوة ماعت، لو خدها هيرجع له شبه هيكل، هيبقى ميت متحرك، ودلوقتي لازم أمنعه إنه يوصلها، ولازم نتحرك سرعة.
معروف: هي فين التميمة ديه؟!
جاد: مقبرة الملك سنوسرت التالت.
مراد: أبيدوس؟!
جاد: العرابة المدفونة، في المجمع الجنائزي، كنا فاكرين إن دفن الملك سنوسرت في المتاهة ديه بس عشان يحمي القبر من اللصوص، لكن الحقيقة إنه عمل المتاهة المعقدة ديه عشان يخفي التميمة وكتاب السحر الأسود، كان عارف خطورتهم كويس، ودلوقتي لازم نروح ندور عليها.
براء: هو إنت عرفت كل ده إزاي؟!
جاد: لما ماعت قتل فريدة وطارق، استولى على جسمي، وبقينا شخص واحد، متنساش إنه طيف أو ظل، كان محتاج لجسمي عشان يشتري القصر، وكمان يستدرج سجى عشان توافق إنه يقتلني زي ما أنا وافقت ينتقملي من الخاينة وعاشيقها، ولما إندمج جوا جسمي، عرفت كل حاجة عنه، هو دلوقتي متأكد إني همنعه، ولازم أروح أبيدوس دلوقتي وأدور جوا المقبرة على الكتاب والتميمة.
معروف: بس الموضوع صعب، والمشوار طويل، أكيد هو هيوصل قبلك.
جاد: عشان كده نتحرك بسرعة أرجوكم.
ذهبو معًا، يحاول السباق مع الوقت، هذه الفرصة الأخيرة له لحماية سجى من ماعت، وأيضًا فرصته الأخيرة ليعتذر لها هما فعل سابقًا ويجتمع مع حبيبته وعشقه الأوحد.
ذهبو إلى أبيدوس_سوهاج، وفي الطريق، نظر براء إلى جاد قليلًا وبعقله الكثير من الأسئلة، ولاحظ ذلك جاد، فقال له: إنت شغال في الوزارة جديد؟!
براء: أنا مساعد سجى.
تذكر جاد ما قاله براء عند القصر، وشعر بالغيرة، هو مهتم بها للغاية، وهذا ما أثار شكوكه، فقال: اممم، واضح إن علاقتكم قوية أوي.
براء: ده حقيقي، بس أنا عايزة أسأل حضرتك سؤال، إنت اتحبست في لعنة ماعت لما طلبت منه ينتقم لك من اللي أذوك، ودلوقتي سجى هي اللي جوا اللعنة، هي سجى عايزة تنتقم من مين؟! ده أنا من ساعة ما اشتغلت معاها وهي ملهاش حد، ولا ليها أصحاب، ولا بتكلم حد غير الناس اللي تبع الشغل وبس.
جاد بحزن: مني، كانت عايزة تنتقم مني، والحقيقة هي مكنتش عايزة ده، برغم اللي عملته معاها، لكن سجى رفضت إن ماعت يقتلني، ووافقت أصلًا إنها تبقى مراته عشان يسبني أخرج من القصر ودلوقتي هي مكاني جوا.
براء: كنت عارف إنها بتحبك، وعمرها ما حبت غيرك.
كان يجب أن تكون هذه الكلمات مصدر سعادة لجاد، لكن لا، هي لا تزال تحبه رغم ما فعل، تذكر كم تحملت داخل هذا القصر لأجله فقط، وكأنها أتت لتصفعه بعشق أبدي يخلق ندمًا ينبش بين طيات روحه، وتذكر سجى، تلك الفتاة البريئة التي عشقها بكل صدق، وتذكر ذلك اللقاء الأخير بينهما قبل هذه المكيدة التي دبرتها فريدة.
فلاش باك
كانت سجى تنتظر جاد بالمطعم الذي يذهبان إليه عادةً، كانت دائمًا تأتي وتجده ينتظرها بالداخل، لكن هذا اليوم تأخر بالوصول، جلست بالمطعم لتنتظره، وبعد وقت دخل جاد وبحث عنها بعينيه، لوحت بيدها أمامه، فاقترب منها وقال: أسف حبيبتي إتأخرت عليكي.
لم تتحدث، فقط نظرت إليه بحزن، فأردف: لا مش هتزعلي مني عشان كده صح؟ أنا كان عندي شغل بجد وبدور على حاجة كده لو لقيتها هتغير حياتي.
عقدت حاجبيها وقالت: غريبة! أنا متضايقة اه بس مش منك، الصراحة حلمت حلم وحش أوي النهاردة، عشان كده طلبت أشوفك، قلقت عليك، في الحلم كنت بتدور على حاجة، وأنا واقفة من بعيد بنادي عليك وإنت مش سامعني، وكنت بحاول أمنعك تدور على الحاجة ديه، بس فجأة لقيتها، وبعدها بعدت واختفيت، قعدت أدور عليك كتير، وقمت من النوم بعيط عشان مش لقياك، وإنت دلوقتي جي تقولي إني بدور على حاجة، بلاش يا جاد.
جاد: ده حلم يا سجى، وبعدين ده حاجة في الشغل متقلقيش.
سجى: مش عارفة بس أنا قلبي مش مطمن، وبعدين كنا واقفين في مكان غريب، شكله وحش، بلاش تقلقني عليك يا حبيبي، أنا خايفة تبعدك عني.
ابتسم جاد وقال: مش إنتي كنتي معايا في الحلم؟! يعني لو حصل حاجة زي ما إنتي خايفة يعني هتبقي معايا، وأنا عمري ما هسيبك، إلا لو إنتي بعدتي عني.
سجى: أنا مبعدش عنك أبدًا، أنا أضحي بنفسي بس إنت تعيش.
عودة من الفلاش باك
قد وفت بعدها، ضحت بنفسها لأجله، نظر إلى الطريق بحزن، وقلبه ينادي باسمها، يتمنى أن يتحدث معها مرة واحدة، يعتذر لها عما فعل، "استنيني حبيبتي، أنا هرجعلك تاني، ومش هبعد عنك المرة ديه، وهوفي بوعدي"
هذا ما قاله جاد لنفسه.
أما سجى، فكانت تجلس أمام ماعت، تنظر إليه بحب، وهو ينظر لها باشتياق شديد، ثم تحولت ملامحها إلى الحزن وقالت: أنا نفسي أشوفك.
ماعت: هيحصل قريب، بس لازم استنى نجم معين يظهر في السما، عشان التميمة ترجع تديني قوتي تاني.
سجى: وده هيظهر إمتى؟!
ماعت: بعد يومين، أنا وإنتي هنروح أبيدوس، لازم تبقي معايا، إنتي أساس ماعت، قلبي اللي كان سبب ضعفي المرة اللي فاتت، هيبقى مصدر قوتي لما تبقي موجودة.
سجى: بس اللي إنت قولته من شوية مخوفني، مش ممكن الراجل ده اللي إنت استخدمته عشان ترجع يكون عرف إنت هتعمل إيه؟ وساعتها هيمنعك.
ماعت: لأ، محدش هيقدر يوقفني، أنا السلاح اللي معايا قوي، السحر الأسود صعب يتهزم، ده غير إن هو ضعيف، جاد عارف أنا ممكن أعمل إيه بس مش عارف قوتي هتبقى عاملة إزاي وإنتي جنبي.
توقفت سجى عن السمع بعد عن قال ماعت اسم جاد، وكأن الزمن توقف بها، شعرت بألم داخل قلبها، تكاد تشعر بأنها ستبكي، ولا تعلم ما السبب، ولما هذا الاسم يسبب لها الألم، فا من حتب لا تعرف اسم جاد من قبل، لذا تعجبت من أنها تشعر بحنين له.
وصلو إلى أبيدوس، ولم ينتظر جاد فذهب إلى المقبرة على الفور، وبعد أن نزلو إلى أسفل، وجدو ممر ضيق للغاية، فقال معروف: هو الممر يا جاد وأخره التابوت، هتدور فين؟!
فكر قليلًا وقال: طبيعي اللصوص أو أي حد بينزل مقبرة فرعوني بيدور على التابوت على طول، لأن المجوهرات بتبقى جنبه، لكن أنا حاسس إن التميمة مش جنب التابوت، فا أنا عايز أمشي في بقيت المتاهة، يمكن ألاقي حاجة.
معروف بصدمة: تمشي في المتاهة؟! أفرض معرفتش ترجع؟! لا طبعًا مينفعش.
جاد: إسمعني بس، التابوت ظاهر أول ما تنزل الممر الأول، طيب ليه عمل المتاهة ديه؟ ما ده سؤال عمرنا ما سألناه لنفسنا، إيه الغرض منها؟ وأظن كده الإجابة واضحة، أنا هدخل يعني هدخل.
معروف بغضب: لو دخلت مش هتخرج، مش هتعرف ترجع، بلاش يا جاد، اسمع الكلام.
جاد: سجى ضحت بنفسها عشاني، وهتموت بسببي، ومش هي بس، كلنا هنموت لو ماعت رجع تاني، وأنا مش هستنى لما ماعت يرجعله جسمه وتبقى سجى مراته بجد، سجى ليا أنا ومحدش هياخدها مني، ولو المتاهة ديه هي اللي هتوصلني للطريقة اللي هخلص بيها على ماعت مش هتردد ثانية.
زفر معروف وقال: يا ابني إنت بقالك سنتين محبوس جوا القصر، ويوم ما تخرج تدخل تحبس نفسك هنا؟!
جاد: وارمي نفسي في النار عشانها، إنت مش عارف سجى عملت عشاني إيه، وأنا عملت فيها إيه، ديه أقل حاجة أقدمها ليها، إنتو بس استنو هنا ولو مخرجتش إمشو.
نظرو له بتعجب، المكان مخيف، مظلم، بالتأكيد لن يعود، ولكن أصر على الذهاب، ودخل لمتاهة الموت بقدمه.
لم يرمي نفسه بهذا الخطر ليبحث عن التميمة فقط، بل ليبحث عن عشق دُفن تحت الغدر، غدره هو.... ينتظر العفو من الحبيبة، ويريد أن يخلصها من سجن ماعت.
لم يكن يعلم ما ينتظره بالداخل، وكيف سينجو من مهالك المتاهة.
يتبع...
رباب حسين
Rabab Hussien