الفصل الثالث عشر

الفصل الثالث عشر

13 0

قلب ماعت.... الفصل الثالث عشر

بقلم الكاتبة / رباب حسين

ثلاث اختبارات، بل ثلاث خطوات للموت المحتوم، لحظة انهزام عصفت بما تبقى بقلب جاد من أمل، القلب الذي ينبض باسم سجى، ويصل نبضه إلى قلبها الذي لا يزال يتذكره بالرغم من فقدانها لذكرياتها.

أما جاد، فكان يواجه خلف كل باب محكمة، نُصبت ليُحاسب على ذنب لم يقترفوه، وخطايا تسحب روحه كلما رأها، وكأن الدماء التي سالت على يده؛ هي اللعنة الحقيقية التي أصابته، لوثته.... أصبح قاتل.

في الخارج، كانت سجى تعيش في عالم آخر... عالم صامت بذكريات ناقصة، وقلب يعشق قاتله دون أن يدري. أما ماعت، فكان يزداد ثباتًا، كأن روحه السوداء ترتوي من كل صراع يعيشه جاد داخل المتاهة.

وفي اللحظة التي يمد فيها يده نحو الباب الجديد، يبدأ القدر في كتابة جولة جديدة من الحرب بين الإنسان... واللعنة.

فتح جاد الباب الثاني، كان يتوقع أن يكون الاختبار مشابه لما قبله، ولكن تفاجأ أنه بداخل مقبرة فرعونية، شعر بالهدوء قليلًا وهذا لاعتياده رؤية المقابر الفرعونية وذلك بحكم عمله.

وجد بالمنتصف تابوت مغلق، ولا يوجد شيء غيره، فتح التابوت، وجد جثة محنطة، ولكن ليست قديمة، بل وكأنها حنطت للتو، نظر حوله بتوجس، تُرى... ما هذا الاختبار؟! ماذا عليّ أن أفعل الآن؟! حاول أن يبحث عن أي دليل يرشده للمهمة المطلوبة منه بهذه الغرفة، ولكن الغرفة فارغة تمامًا.

فجأة سمع همهمة، تعجب جاد، فالصوت يأتي من التابوت، نظر إلى الجثة بقوة، منتظر أن يتأكد إذا كان الصوت صادر منها أم لا، وفجأة تعلقت الجثة برقبته، صرخ جاد بقوة، ونزع يدها عنه، وارتد إلى الخلف، ثم تعثر ووقع أرضًا، تحركت الجثة من التابوت ونزلت منه، وأخذت تقترب منه ببطء، وهو يزحف إلى الخلف مبتعدًا عنها.

العجيب أنها تراه، بالرغم من أنها عينيها مغلقة بالكامل بهذا القماش، كلما راوغها وابتعد عنها، لحقت به مرة أخرى، حتى قالت بصوت هادئ: لا تخف حبيبي، هذه أنا، أنا على قيد الحياة، عدت إليك كي نصبح سويًا، ألم تشتاق إليّ؟!

نظر لها جاد بخوف، عن أي حبيبة تتحدث؟! ظل يلتفت حوله يبحث عن الباب، فقد قرر أن يخرج من الغرفة ويترك هذا الاختبار، هو بكل الأحوال لا يعلم ماذا يفعل، وأيضًا هو على يقين أنه لن ينجح به. دب الذعر بقلبه عندما لم يجد الباب، الغرفة مغلقة من كل الجهات، الجدران مصمتة، مما زاد خوفه، وهو يركض بعيدًا عن هذه الجثة المتحركة.

اخترق سمعه صوت يحدثه داخل نفسه، فأغمض جاد عينيه بقوة وسمعه وهو يقول: أرفع الغطاء عن وجهها.

فتح جاد عينيه، ونظر إليها وهي تقترب منه، وقف جاد بقوة زائفة، وأنفاسه تتصاعد من شدة الرهبة، حتى وقفت أمامه، ورفع يده المرتعشة لينزع عن وجهها هذا القماش، حتى رأى ملامحها.

هي فعلًا حية، لم تمت، وجهها مشرق، وجميل للغاية، كيف تكون بهذا الجمال، ظل يرفع القماش حتى ظهرت عينيها الساحرة، التي تنظر له بعشق، تعجب من نظراتها، فهي تنظر إليه كأنها تعرفه جيدًا، ثم تحدث بصوت رقيق: اشتقت إليك.

شعر جاد بأن هناك شيء يسري بجسده، شعور غريب، لم يفهم ما هو، نظر إلى قدميه، ثم إلى ذراعيه في تعجب، حتى انتبه لما تقول مرة أخرى: لن أتركك هذه المرة، لن أكون لغيرك، سوف تصبح ليّ وأنا لك.

اقتربت منه، حتى لم يبقى بينهما سوى سنتيمرات قليلة، نظرت إلى عينيه بقوة، والشعور بجسده يشتت تفكيره، وكأنه فقد السيطرة على جسده.

اقتربت من أنفاسه، ليفتح جاد عينيه بصدمة، هي تسحب أنفاسه منه، حتى شعر بأن جسده قد فرغ من الهواء، يريد أن يستنشق بعض الأكسجين، ولكن هي لا تزال تسحب أنفاسه، حتى وصل لشعور أن روحه بدأت تغادر جسده، اختنق بقوة، يحاول أن يدفعها عنه، ولكن هي لا تتحرك، قد التصقت به بقوة، حتى تحولت ملامحها إلى جثة متعفنة، عيناها خرج منها الدود، وذاب جلدها الخارجي، كان يصرخ من داخله، هيئتها مرعبة ومقززة، ووقف عاجز لا يعلم كيف ينقذ نفسه منها.

أما في الخارج، كان براء ينظر إلى المتاهة بتوتر، لقد تأخر جاد كثيرًا، ولا يعلم إذا كان سيعود أم لا، فنظر إلى معروف وقال: لا كده كتير بجد، طيب خلينا ندور على حل، ما يمكن لقى باب زي ما قولتو بس مش هيخرج منه، يمكن فيه مخرج تاني للباب ده.

معروف: أنا كنت لسه بفكر في نفس الموضوع، أنا شايف إن أنا أدخل جوا وأدور على الباب ده.

براء: ماشي، بس ناكل الأول، وخد أكل معاك لجاد، اليوم خلص وإحنا يا دوب كلنا في الطريق بس.

مراد: طيب أنا هخرج أجيب أكل، مش هتأخر هرجع على طول.

أومأ له براء بالإيجاب وذهب، أما سجى، فكانت جالسة بالفراش بالطابق الأعلى من القصر، بالرغم من أن القصر بالأسفل في حالة يرثى لها، إلا أن ماعت قد حافظ على جمال الطابق العلوي استعدادًا لعودة زوجته الحبيبة من حتب.

كانت سجى تنظر أمامها بشرود، تفكر بذلك الحلم الذي راودها، حتى عاد ماعت وقد سرق لها طعام من مطعم قريب، فهي تشعر بالهزيان كثيرًا، وضع الطعام أمامها، فنظرت له بامتنان وابتسمت له وقالت: شكرًا عزيزي.

بدأت تأكل بجوع شديد، هي لم تتناول الطعام منذ ٣ أيام، أما ماعت فكان يراقبها بعين عاشقة، والعجيب أنه سحر سجى، جعلها تراه بهيئة بشرية ولكن كطيف، لا تستطيع أن تلمسه، لذلك هي لا تراه على حقيقته.

بعد أن أنهت الطعام، نظر لها ماعت وقال: بكرة هنسافر، لازم نروح سوا نجيب التميمة اللي قولتلك عليها، ساعتها هنبقى مع بعض على طول... وللأبد.

ابتسمت سجى بسعادة، ولكن هناك شعور بداخلها يبعث بالحزن داخل صدرها، لا تعلم السبب. خرج ماعت وتركها لترتاح حتى يذهبا معًا بالغد، بعد أن أخبرها أن لا أحد يراه سواها، لذا عليها أن تسافر وهو سيكون معها دائمًا.

أما بتلك المتاهة القاتلة، عقاب ماعت الذي لم يحصل عليه بعد، فكان جاد على مشارف الموت، إلا أنه بدأ يشعر بأن جسده يتحول، وشعر بثقل في يده، واستشعر ذلك السيف مرة أخرى، بالرغم من أنه يشعر بالغضب من نفسه لقتل تلك السيدة بالمهمة الأولى، إلا أنه رأى أن لا سبيل لديه سوى أن يقتل تلك المرأة أيضًا، فهي تقتله، ولم يعد يتحمل ما تفعله به، فرفع سيفه وقطع جسدها به، وهو على يقين أن المهمة قد فشلت.

تبخرت من أمامه، والغرفة اختفت جدرانها، ووجد تلك العيون تنظر إليه بسعادة، فقد تبقى مهمة واحدة وسوف يلقي به في جحيم أبدي.

نظر له جاد بيأس، وقال: كفاية كده، أنا عارف إني مش هنجح في المهمات ديه، فاعتبرني سقط في المهمة اللي جاية كمان، أنا مش هستحمل أكتر من كده.

الحارس: اممم، من الممكن أن تنجح في المهمة الأخيرة.

جاد: المهمات ديه مش عشان أنجح فيها.

اقترب الحارس منه بسرعة، ونظر داخل عينيه بغضب عارم وقال: لا، هذه المهمات كي تشعر بكل ذرة وجع، وكل ألم شعر به الناس اللذين قتلتهم.

ارتد جاد إلى الخلف بخوف وقال: أنا مقتلتش حد.

رفع الحارس يده مرة أخرى وظهر السيف بها، وقام بجرح ذراعه به، تألم جاد بشدة، ونظر إلى دمائه التي تسيل منه بذعر وقال بغضب: موتني أحسن، موتني بقى وريحني، أنا خلاص تعبت، ارحمني وموتني.

صفعه الحارس بقوة فارتطم بالحائط خلفه وتألم بشدة ثم قال الحارس: وأنت... من نال رحمتك؟!

جاد بوجع: أنا عمري ما أذيت حد، أنا مش عارف إنت بتعمل فيا كده ليه؟ ومين إنت أصلًا؟! وموجود هنا من أمتى؟

الحارس: منذ زمن، كنت في انتظار مجيئك، وعندما استشعرت تلك اللعنة التي في جسدك؛ استيقظت من غفلتي التي دامت لآلاف الأعوام.

عقد جاد حاجبيه بتعجب، وبدأ يفكر، "هذا الحارس يتحدث عن لعنة ماعت، وهذه اللعنة رسخت بي منذ أن دخلت تلك الحية بجسدي، ومن المؤكد أن هناك آثر لها بداخلي، الآن فهمت، قد وضع الملك سنوسرت حارس على التميمة، ليمنع ماعت من الوصول لها، وعندما استشعر الحارس اللعنة ظهر لي، هو يظنني ماعت، إذًا هو يختبرني، إذا كان ماعت لا يزال يختار القتل ونشر لعنته، أم لا، ولكنني لست ماعت."

عاد جاد النظر إلى الحارس وقال: إنت فاهم غلط.

الحارس: الباب الأخير.

ظهرت الأبواب أمامه، فعاد جاد النظر إليه وقال: اسمعني بس إنت فاهم غلط، أنا مش ماعت، أنا بني أدم عادي.

الحارس بغضب: لن تستطيع خداعي، المهمة الأخيرة.

جاد بغضب: أنا مش ماعت، ومش هدخل مهمات، ما أنا مش هياخد من عمري سنين، وياخد حبيبتي، وفي الآخر أخد أنا عقابه وهو يجي ياخد التميمة ويدمر العالم كله، مش هدخل الباب.

رفع الحارس سيفه وقال: شئت أم أبيت، لن تخرج من هنا دون أن تتم المهمات، أو هالك في الجحيم.

ثم أنزل سيفه على جسد جاد، كاد أن يقطع رأسه، ارتد جاد بذعر وقال: حرام بقى، يارب ساعدني، أعمل إيه بس.

الحارس: أدخل الباب، عليك فقط الاختيار.

نظر له بيأس، لا يوجد مفر، هو هالك مهما حاول، يجب أن يدخل الغرفة، ويفشل، ويموت، ويختفي ذلك الحارس، وتظهر التميمة، وسجى!

فرت دمعة هاربة من عينه، تودع تلك الحبيبة التي لم يحظى بها أبدًا، لن ينال عفوها، لن يجد فرصة للإعتذار لها، انتهى الأمر، واستسلم جاد للموت.

ذهب إلى أول باب أمامه، لم يحاول حتى الاختيار، النهاية واحدة في كل الحالات.

فتح الباب، وإذا بحديقة جميلة، مليئة بالازهار، والأشجار التي تتزين بثمار الفاكهة، وهناك سور حولها مرتفع، وعليه نقش فرعوني حديث، تأمل تلك الرسومات، ما أبدع المصري القديم! ظل يتأمل المكان الذي بعث بصدره الاطمئنان، وكأن الحارس يضع أمام عينيه قطعة من الجنة، وإذا فشل، تتحول الجنة إلى جحيم، أصبح الأمر واضح، هو على مشارف الموت.

خطف بصره كرات مضيئة بألوان زاهية، وهناك ميزان ذهبي عتيق، وضع بجوار تلك الكرات، اقترب منه بتعجب، "هل هذا هو الاختبار؟"

هذا ما قاله جاد بداخله، نظر داخل الميزان، رأي ريشة نعام بأحد الكفتين، والكرات تصدر ضوءًا مشعًا كنجوم السماء، ثم سمع صوت الحارس يقول: افتح الكرات، وانظر بكل ما هو مكتوب بداخلها، ثم اختار من المذنب من بينهم، ثم ضع الورقة في الكفة الأخرى، إذا تحركت الكفة التي تحتوي على الريشة، إذًا أنت نجحت، وإذا لا فاختيارك خاطئ، وسوف أعلنك خاسر.

تنهد جاد، وبدأ بفتح الكرات، ووجد بها ورقة صغيرة للغاية، والتي من المستحيل أن تحرك كفة الريشة، سيطر الألم عليه، وبدأ يرى الاختيارات التي أمامه.

(من حتب_ عشيقها ماحور رع_ أبوها سرامون_ الملك) والاختيار الأخير كان (أنت)

نظر جاد إلى الورقة بحزن، وبدأ يحاسب ذاته، "نعم، أنا المخطئ، كان يجب أن اسمع لسجى، كان يجب أن أثق بها، لقد أخطئت بحقها عندما أوهمتها بأنني اعتديت عليها، وظلمت نفسي حين تزوجت تلك الخائنة فريدة، وبالنهاية فتحت باب للعنة سوف تنهي هذا العالم، وحبيبتي بين يد قاتل لا يرحم، بعد أن ضحت بنفسها لأجلي، أنا فعلت كل ذلك، والآن عليّ أن أدفع الثمن"

رفع وجهه للسماء وقال بصوت باكي: يارب أنا عايز أعتذرلها، عايز أنقذها من بين إيديه، يارب ساعدني.

أمسك بآخر اختيار، ووضعه على كافة الميزان وهو يقول: سامحيني يا سجى، كان نفسي أشوفك بس، سامحيني يا حبيبتي.

أغمض عينيه، ووضع تلك الورقة بالميزان، مستسلمًا لمستقبل مجهول، ونهاية مؤلمة له، موت محتوم، وقد تقبله بيأس شديد.

تُرى... هل نجح بالاختبار، أم سيواجه مصير ماعت المجهول؟!

يتبع....

رباب حسين

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

قلب ماعت

المؤلف Rabab Hussien
2025/12/08 مكتملة
قائمة الفصول (20)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة