الفصل الحادي عشر

الفصل الحادي عشر

10 0

قلب ماعت... الفصل الحادي عشر

بقلم الكاتبة / رباب حسين

لم تصب تلك اللعنة هذا الجسد من الخارج فقط بل لوثته بسحر أسود، ينهش في القلب ويقتل الروح رويدًا رويدًا، سحر يجعل الجسد موسوم بختم اللعنة، كان من الممكن أن تقتل كل ما هو جميل ونقي به، لولا أن القلب لا يزال ينبض بعشق بريء، دنسته تلك المكيدة، وبرغم طعنه بخنجر الخيانة، إلا أنه كان يريد أن يسامح، فبعد أن وافق على ثأر ماعت تحت ضغط الصدمة، ندم على إتخاذ ذلك القرار، ولكن كان قد فات الأوان، وبقى ذلك الحب الذي دُفن في شغف القلب، ينبض باسمها في الخفاء، حتى أستطاع أن يخرج عن صمته؛ عندما أثبت أن التي عشقها تستحق هذا الحب.

وعاد الآن يجاهد فقط من أجلها، يحاول أن يتمسك بآخر أمل له، علها تكون له هذه المرة، وإن كان الحرب اليوم أكبر منه، وإن كانت لا تتذكره، ولم تعد تلك الطفلة البريئة، حتى وإن ظلت على هيئة من حتب، سيظل يحاول فقط من أجلها، وستظل بنظره... سجى.

لم تكن تلك المتاهة كما رآها من قبل، فعندما دخل بها كباحث وعالم مكتشف، رأى أنها مجرد وهم رسمه ذلك الملك الذكي، فقط ليحمي مقبرته، لذا قرر أن يدخل بها مرة أخرى، ولم يكن يعلم ما الذي ينتظره.

مجرد أن اقترب منها، ودب قدمه بأول خطوة بها، استيقظ ذلك المجهول، لسبب لا يعلمه، بل لا يعلم بوجوده من الأساس، سمع خطوته، استشعر جسده، علم أن هناك لعنة دخلت تلك المتاهة، ومهمته فقط حماية ذلك الشيء الثمين بداخلها، فتحولت المتاهة إلى عقاب مدروس ومخطط.

وهذا عندما قرر الملك سنوسرت الثالث، منع ظهور لعنة ماعت مرة أخرى، وهنا اقترح عليه الكهنة أمرٌ خطير.

فلاش باك...

بعد أن تم دفن ماعت داخل تلك المقبرة، وكتابة هذه البردية، وهذا التحذير شديد اللهجة بالخارج، عاد الكهنة إلى قصر الملك، وطلبو مقابلته لأمرٍ عاجل: وافق الملك على الفور وسمح لهم بالدخول، ووقف أحد الكهنة أمامه وقال: مولاي، لقد قمنا بما أمرت به، ولكن هناك أمرٌ خطير علينا أن نتناقش به.

الملك: ما هو؟

الكاهن: تلك التميمة التي تحتوي على قوة ماعت الشريرة، أين ستحتفظ بها يا مولاي؟

الملك: لم أفكر بالأمر بعد.

نظر إلى الكهنة بجواره ثم عاد النظر إلى الملك وقال: هناك خطة قد فكرنا بها، هناك احتمال ولو طفيف أن يمسك أحد ذلك الحجر داخل المقبرة، وإذا حدث ذلك سيعود ماعت مرة أخرى بسهولة، ولكن تلك التميمة هي الأسوء، لذا فكرنا أن نحمي التعويذة من أي احتمال للحصول عليها، ووجدنا أن الطريقة الوحيدة لحمايتها هي بنفس السلاح التي تحتوي عليه.

عقد الملك حاجبيه وقال: لا أفهم ما تقصد.

الكاهن: سوف نقوم ببناء متاهة، ونضع التميمة وكتاب السحر الأسود داخلها، ونقوم بعمل سحر أسود يجعل المتاهة أكثر تعقيدًا.

الملك: كيف ذلك؟

الكاهن: سنعين حارس بالمقبرة، عن طريقة تعويذة قديمة، إذا شعرت باقتراب أي علامة من السحر الأسود يقوم بمحاربته بنفس السلاح، حتى لا يستطيع ماعت أن يجد تلك التميمة.

الملك: فكرة جيدة، ولكن وجود المتاهة وحدها سيبعث الفضول بالبحث عنها، إذًا قومو ببناء تلك المتاهة بجوار مقبرتي، حتى إذا بُعثت مرة أخرى أستطيع حمايتها أيضًا، وبهذه الطريقة لن يشك أحدًا ببناء المتاهة.

عودة من الفلاش باك

عندما دخل جاد المتاهة بهذا القلب الملوث بلعنة السحر الأسود، استيقظ هذا الحارس ليبدأ بحماية تلك المتاهة.

بعيون ثاقبة، وقوى خارقة، يواجه جاد مصير لم يكن له، وحرب ليس طرفًا بها، تبدلت الجدران، اختلفت الأبواب، وما خلفها، تحمل سحرًا يقاوم لعنة انتقام، لتحارب الانتقام بالندم، تكشف خبايا الروح، تفضح الأسرار وتواجه الخطايا، لتجعل قوة الانتقام التي قامت عليها لعنة ماعت زائفة.

أما هذا الحارس المجهول، لم يكن يعلم أن رائحة اللعنة والسحر الأسود هذه لا تعود إلى ماعت، وعلى جاد أن يواجه مصير ماعت بهذه الحرب.

كان جاد يسير بين الطرق الضيقة للمتاهة، هو يتذكرها قليلًا عندما دخل بها أول مرة، نظر إلى النقوش الفرعونية القديمة، التي تدل على عظمة وقوة الملك سنوسرت الثالث، لمح بعض الرسومات، وبدأ يقرأ بعض الجمل المرسومة، لعله يجد دليل على الأمر، أو إشارة لمكان التميمة، ولكن لم يجد شيء، استمر بالمشي، وهو يحمل تلك الشعلة القديمة بيده، يتذكر أن كان هناك باب كبير، حاول البحث عنه، ولكن لم يجده، وبعد وقت، اكتشف أنه عاد لذلك الحائط مرة أخرى، فتح عينيه في صدمة، وظل ينظر خلفه وأمامها بذهول، كيف عاد لذلك الحائط؟! هل يسير بحلقة مغلقة؟! ولكن هذا لم يحدث من قبل، هو دخل بهذا المكان ولم يتعرض لذلك، حاول أن يسلك مدخل آخر، وبعد وقت من السير، وجد نفس الحائط أمامه، نظر له بيأس وتعب، لا يعلم كم مضى عليه من الوقت، وما المسافة التي يمشيها، وإن كانت المتاهة ليس بهذا الحجم، شعر بالتعب واليأس يغلب عقله. فقرر أن يجلس قليلًا ليرتاح، ويحاول أن يفهم ماذا يحدث بالمكان.

جلس يلتقط أنفاسه، وعقله لا يفكر سوى بسجى، يشعر بالخوف الشديد أن يؤذيها ماعت، والأصعب أنها لا تتذكره، وفجأة سأل نفسه، هل التميمة ستنجح في إعادة هيئة سجى القديمة؟ أم ستنهي لعنة ماعت فقط؟! وبالرغم من استياء بأن هيئتها قد تغيرت لتلك الخائنة، إلا إنه قرر أنه سيظل معاها مهما حدث، وعليه فقط أن يخبرها بالحقيقة.

فلاش باك

بهذا اليوم المشئوم، يوم طلب من سجى أن تأتي إلى منزله، حيث أخبرها أنه تم تجهيز عش الزوجية، وطلب منها أن تعاين المنزل، حتى يقوم بعمل التعديلات التي ستطلبها، ولأن جاد لم يتعدى حدوده معها من قبل، ولم يحاول حتى أن يلمس يدها، ولعلمها بأن جاد يخاف عليها ويحبها حقًا، ذهبت إلى المنزل، وحدث ما لم تتوقع، قام جاد بتخديرها، وهو يرى أنها يجب أن تتذوق ما فعلته بتلك الفتيات.

حملها بين يديه، وهو ينظر إلى وجهها الطفولي وهي نائمة، هناك صراع بداخله، كان يتمناها زوجة له، كانت ملكة متوجة على عرشه، هل هذه هي النهاية؟ هل سيسرق منها أعز ما تملك كاللص؟ هل سيتحول إلى ذلك المغتصب الغادر معدوم الضمير؟ والأصعب؛ هل سيفعل هذا بسجى؟!

وضعها على الفراش، وبيد مرتعشة حاول أن يجردها من ملابسها، وفجأة شعر بأنه لا يستطيع التنفس، ابتعد عنها على الفور، وجلس بجوارها على الفراش، نظر إليها، وبكى، حتى أنه وضع كفه على فمه كي لا تخرج شهقاته منه، يبكي على الحال الذي وصل إليه، ولا يتحمل أن يراها بهذا الألم الذي سيصيبها عندما تستيقظ.

وفجأة قال بصوت مكسور: ليه يا سجى عملتي كده؟! إزاي أصلًا؟! أنا مش مصدق إن سجى البريئة الطيبة بتشتغل الشغلانة ديه، مش عارف إزاي مفكرتيش فيا، مفكرتيش في حبي ليكي، مخوفتيش يحصل كده في بنتنا، مخوفتيش من ربنا، ليه تطلعيني أهبل قدام نفسي؟! المصيبة دلوقتي إني مش عارف أكرهك، أكرهك إيه؟! أنا مش عارف أبطل أحبك، إنتي محفورة في قلبي، اسمك مرسوم في عقلي، بنام وبصحى أفكر فيكي... ياريتني ما عرفتك.

بعد وقت، هدأ جاد، وقرر أن لن يفعل ذلك بها، لن يستطيع أن يكسرها بهذه الطريقة، لذا قرر أن يخدعها فقط ويوهمها أنه قد اعتدى عليها، وبعد وقت يذهب ويخبرها بالحقيقة، حتى تتعظ مما حدث لها، وتشعر بألم تلك الفتيات، اقترب منها وأغلق عينيه، ثم نزع عنها ثيابها، ووضع عليها الغطاء، وقام بجرح يده ووضع بعض قطرات الدم على الفراش، وتركها وخرج من الغرفة.

بعد أن علمت فريدة بالخطة التي رسمها جاد، قامت بالذهاب إلى منزلها وإشاعة الأكاذيب عنها أمام الجيران، حتى لا يجدها جاد، وينقطع كل السبل بينهما كي لا يعود لها، وهذا لأنها رأت جاد وهو يتعذب بحبها بعيدًا عنها.

عودة من الفلاش باك

قاطع هذه الذكرى، صوت صرخة الفتاة الذي صدى بالمكان، فتح جاد عينيه بصدمة ونهض بفزع، ظن أن ماعت قد جاء إلى المكان ليبحث عن التميمة، وهذا صوت سجى، اخترق سمعه صوتها مرة أخرى، فأخذ يتلفت حوله ليسمع مصدر الصوت من أي اتجاه، حتى سار باتجاه لم يراه من قبل، لم يتذكر أنه رأى ذلك المدخل، دخل إليه بترقب، وظل يسير به حتى وجد باب بآخر الطريق، نظر له بتعجب، الباب يبدو مختلف عن المتاهة، تُرى.... هذا هو مكان التميمة وقد وصل إليها ماعت قبله؟!

أخذ نفس عميق، وقرر أن يدخل ويواجه ماعت ويحاول أن ينقذ سجى منه حتى وإن كلفه الأمر حياته، اقترب بخطى مرتعشة، وفتح الباب، وسمع صوت صرخة مدوية متألمة، ليرى هذا المشهد أمامه، مشهد كفيل بأن يجعل كل ما به من قوة تنهار، رأى ماعت يضرب من حتب بالسيف، ويقسم جسدها إلى نصفين، وهو يعلم أن سجى هي التي أمامه، فهي على هيئة من حتب الآن، اختنقت انفاسه في صدره، فقد الشعور بالزمن، والمكان، تجمدت أوصاله وهو يرى سجى تتحول إلى جثة مشوهة.

لم يقطع السيف جسدها فقط، بل كسر قلبه نصفين، عن أي ألم كنت أتحدث؟! عن أي جرح كنت أتألم منه؟! فما أرى الآن هو أقسى أنواع الألم، أشد صفعة تلقيتها في حياتي.

فإن كان غدر الحبيب مضنيا، ففراق الحبيب داميا.

شُلت حركته، وتجمعت الدموع في عينيه، وهو ينظر إليها بحسرة، واقترب منها قليلًا، ولكن اختفت من أمامه في صدمة منه.

ظل يتلفت حوله بقوة، ونظرات الذعر مرسومة على وجهه، حتى سمع ذات الصرخة مرة أخرى من خلفه، نظر إليها على الفور، ليرى هذا المشهد يتكرر أمامه مرة أخرى، ماذا يحدث؟! وكيف؟!

حاول الاقتراب مرة أخرى منها، واختفت في لمح البصر، زادت حيرته، لا يستوعب عقله ما يحدث.

سمع الصوت، والتفت خلفه، ليقع ذات المشهد، وتكرر الأمر، مرة بعد مرة بعد مرة، هو يعيش ذكرى انكسار ماعت، هذه الذكرى التي قضت على لعنته قديمًا، عندما أدرك للحظة أنه قتل حبيبته من حتب، وكأن الحارس اختار أن يصفعه بتلك الذكرى حتى يفقد قوته، رائحة اللعنة التي بقلب جاد جعلته يتعامل معه على أنه ماعت. صرخ جاد بشدة، وفقد وعيه وسقط أرضًا.

سقط صامتًا... لكن المتاهة لم تصمت، بل اقتربت منه كأنها تبتلعه.

وفي خضم ما يحدث، هناك قلبًا آخر تألم من المجهول، انقبض قلبها عن صرخة جاد، شعر بالحبيب الوحيد، بألم روحه الذي أصاب روحها، لتنظر حولها وكأنها تبحث عنه، لا تعرف ما سبب هذا، ولا عن من تبحث، ولكن هناك شعور مجهول بالفراغ حولها.

وصل صوت جاد إلى مراد ومعروف وبراء بالخارج، ونظر بعضهم إلى بعض بتعجب، ثم قال براء: معقول قدر يوصل لحاجة بسرعة كده، ده مكملش ١٠ دقايق؟!

مراد بصدمة: وحتى لو وصل، بيصرخ من إيه؟! المتاهة فاضية مفيهاش حاجة.

معروف: إنت دخلتها قبل كده صح؟!

مراد: اه، ليه؟!

معروف: أنا قلقان يكون حصله حاجة جوا، بص أنت تمسك الحبل ده، وتدخل المتاهة، لو لقيته أعرف هو كويس ولا لأ، وخلي الحبل معاك عشان تعرفو ترجعو.

معروف: فكرة حلوة، ماشي أنا هدخل وإن شاء الله يبقى كويس.

دخل مراد وظل يبحث عنه بالمتاهة، والعجيب أنه لم يجده، لم يعثر على أي أثر له.

هرب من قصر ملعون، بعد أن ضحت سجى بنفسها كي يخرج منه، ليدخل إلى لعنة أخرى، ولكن هذه المرة لن يكون هو فقط الضحية، بل هذه التي ضحت من أجله ستظل عالقة بين ذكريات معشوقة ذلك الملعون، معمية بعشقه المزيف، متألمه بقلب يعرف من يحب حقًا، وجسد مقيد بضلتها.

هل ينتصر الحب أم الجسد؟!

يتبع...

رباب حسين

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

قلب ماعت

المؤلف Rabab Hussien
2025/12/08 مكتملة
قائمة الفصول (20)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة