قلب ماعت.... الفصل الثامن
بقلم الكاتبة / رباب حسين
اللعنة الجديدة تبدأ من حيث انتهى الألم؛ من اللحظة التي انكشف فيها ماضي الشيطان، وظهر وجه الحقيقي الذي أُخفي لآلاف السنين. جاد… ذلك الرجل الذي كان قلبه يومًا نابضًا بالدفء، أصبح الآن حبيس لعنته هو، نصفه إنسان يصرخ ندمًا، ونصفه الآخر كاهن غارق في دم الماضي، يتلذذ بالانتقام.
أما سجى… فهي الوحيدة التي لم تكسرها الخيانة، ولم يفسدها الظلم، رغم أن جاد طعنها بما يكفي ليحوّل قلب أي امرأة إلى حجر، إلا أنها؛ بغباء العشاق أو حكمتهم ، ما زالت ترفض أن تكون قاتلته، ما زالت تراه جرحها… لا عدوها.
في هذا القصر، يتقاطع الماضي بالحاضر، تمتد يد ماعت من أعماق التاريخ لتشد جاد نحو ظلامه، بينما تصرخ روح سجى محاولة أن تنتشله من تلك الهاوية.
اللعنة الآن أقرب من أي وقت… والجميع على بُعد خطوة من الحقيقة التي قد تنقذهم… أو تلتهمهم.
والآن… تبدأ الحكاية من قلب الظلام، هناك إصرار من ماعت أن يجعل سجى تستعين بلعنته،كما فعل جاد بالسابق، هل وجد بها ما فقده في زوجته الخائنة؟
سؤال قاسي، وإجابة إذا كانت بالإيجاب، إذًا فما ينتظر تلك الفتاة ليس فقط اللعنة، بل طقوس سحر أسود شيطانية، قد بدأ ماعت أن يقوم بها، مستغلًا فقدان سجى لوعيها، بعد هذا التعذيب النفسي الذي مارسه ماعت عليها طوال الليل، حتى شق السماء ضوء الفجر.
أما براء، فقد عاد إلى منزله، بعد أن اتفق مع معروف أن يُحضر له صورة البريدية من الوزارة، وسوف يتقابل معه عصرًا.
لم يستطع براء أن يجلس ساكنًا، فعقله مشغول بالتفكير، وصدره ممتلء بالخوف على سجى، لذا قرر أن يذهب إلى المشفى التي نُقل إليها عليم، مساعد جاد، عسى أن يجد معلومة تفيده بخصوص هذه المقبرة، فبالنهاية هو أحد الأشخاص اللذين حضرو فتح المقبرة ورأوها من الداخل.
انتظر براء حتى أصبحت الساعة الثامنة صباحًا، وتوجه إلى المشفى، طلب مقابلة الطبيب الذي أشرف على حالة عليم، وقام موظف الإستقبال بإرشاده إلى مكتب الطبيب ماهر، وبعد التحية، جلس براء معه وسأله عن المصحة التي نُقل إليها عليم فقال: بس عليم متنقلش لمصلحة، أنا فضلت مستني أستاذ جاد يجي تاني يوم عشان يخلص إجراءات النقل، لكن مجاش، بعدها انتشر خبر موت مرات جاد علام وصديقه، وحد من الوزارة جيه واتكلم معايا، وعرفت إن حالة عليم بسبب لعنة الفراعنة، فضل شوية هنا خد مهدأت واتحسن كتير، واللي عرفته منه إنه هيرجع البلد، ومن وقتها معرفش أي حاجة عنه.
نظر براء إلى الفراغ يفكر، ثم قال: طيب تعرف بلده إيه؟
ماهر: اه، من طنطا، هو ساب عنوانه في الملف قبل ما يمشي لما كتب بياناته، لأن جاد مخلصش أوراق الدخول لما جيه معاه أول يوم.
براء: طيب أنا عايز عنوانه.
قام ماهر بطلب أحد العاملين بإدارة المشفى، الذي أحضر له ملف عليم، ثم أخرج العنوان منه، وذهب براء إلى طنطا مباشرةً.
بعد وقت، كان يقف أمام منزله يطرق الباب، فتحت له أمرأة مسنة، حياها وطلب منها مقابلة عليم، ثم انتظره بساحة المنزل، خرج عليم وجلس معه، أخبره براء بما حدث بالكامل فقال عليم: أنا عرفت إن الوزارة كتمت على الخبر عشان الناس متخافش، حاولت أتصرف عشان أنقذ جاد بس للأسف مقدرتش، وبصراحة من المنظر اللي أنا شفته في المقبرة؛ واللي لحد دلوقتي مراحش من بالي، مقدرتش أروح القصر أبدًا، بس لما خرجت من المستشفى قابلت واحد الوفد اللي راح المقبرة قبل ما تتقفل، ساعتها سألني سؤال غريب.
براء: إيه هو؟!
عليم: سألني إذا كان فيه واحدة بتحب جاد ولا لأ؟ وأنا ساعتها مقدرتش أجاوب، أصل جاد حظه وحش أوي في مواضيع الحب ديه، حب واحدة زمان وطلعت أخلاقها يعني، استغفر الله، والتانية مراته؛ وخانته، مع إن جاد ده مفيش أطيب ولا أحن منه.
براء: ما يمكن الأولانية ديه تكون حبته فعلًا بس هو اللي سابها عشان أخلاقها.
صمت عليم قليلًا وقال: ممكن، أنا أصلًا إتصدمت لما عرفت هو سابها ليه، جاد كان بيحبها بجنون، وقع فيها من أول ما شافها، وسجى كانت بتحبه، بس اللي عملته كان صعب يتغفر.
فتح براء عينيه في صدمة وقال: إيه؟! قلت اسمها إيه؟!
عليم بتعجب: سجى... سجى ممدوح، إنت تعرفها؟!
براء: مش ممكن! سجى هي البنت المحبوسة في القصر من إمبارح معاه جوا.
عليم: إنت متأكد؟
فتح براء هاتفه، وأخرج صورة سجى من على غلاف رواياتها، نظر بها عليم وقال: أيوة هي!
براء: طيب كمل، الموظف اللي في الوزارة كان بيسأل على واحدة بتحبه ليه؟
عليم: مش فاكر، هو لما سألني وأنا قولتله لأ مفيش واحدة بتحبه، قالي يا خسارة، كان ده الأمل الوحيد قدام جاد عشان يخرج من اللعنة.
براء بتوتر: أنا مش فاهم حاجة.
عليم: مش إنت بتقول إن فيه حد ممكن يجبلك صورة البردية؟ خلاص روح وشوف فيها إيه، وبعد كده هنفهم.
نظر براء بساعته، ووقف مسرعًا وقال: أنا لازم أرجع بسرعة، شكرًا يا أستاذ عليم.
عاد براء إلى القاهرة، وذهب ليتقابل مع مراد ومعروف بمكتبه، جلسو معًا، ووضع معروف أمامهم البردية، وقام مراد بقرائتها وترجمتها لبراء.
"لعنة قلب ماعت، لا تقتربو من هذا التابوت، إنه الشيطان ماعت، الذي تسبب في قتل مئات المصريين، بعد أن استخدم السحر الأسود، وأصبح مسخ، يتغلغل داخل العقول، يسرق الذكريات، يكشف الأسرار، يعاقب الجاني، يحرق منزل السارق، يقطع جسد الخائن، أصبح الجلاد دون رادع.
انتشرت لعنته لأيام، عمت الفوضى بالبلاد، هرب أهالي الأقليم، تركو ديارهم وأراضيهم، بعد أن تغذى على دماء البشر، ووقف بين النار، ولم يتأثر بها، بل كان هو مصدرها، صرخته تخطف السمع، تزلزل الجدران.
وفي يومٍ، عندما رأى ماعت رجلًا يهرب مع زوجته من الأقليم، وعرف ماعت سر الرجل الخائن، حاول قتله، ولكن توقف عندما احتضنت الزوجة زوجها، لم يستطع سيف ماعت أن يخترق جسدها، وصاحت الزوجة المخلصة الحبيبة، معلنة أنها لا تستطيع العيش دونه، أخبرها أنه خائن، فسامحته.
بكى ماعت، تذكر زوجته التي تمنى أن تكون مخلصة له، هنا وانفصل ماعت عن اللعنة، فضعفت لعنتة وخرجت من جسده، لم تجد سوى ذلك الحجر الذي وقع أرضًا من رداءه، خرجت قوة سوداء من جسده، وانتقلت إلى ذلك الحجر ليصبح قلب ماعت، ومصدر لعنته، أمر الملك بقتله وتقييد جثته، وكتابة قصته بهذه البردية، ودفنه مع اللعنة داخل القبر الملعون، وانتهت لعنة ماعت بإخلاص الحب الحقيقي."
فتح براء عينيه بصدمة وقال: عشان كده فيه حد سأل عن حبيبة لجاد، لو حبيبته ضحت بنفسها هتنفصل اللعنة عن جسمه، وساعتها اللعنة هترجع للحجر من تاني.
معروف: حقيقي، ولما عرفنا إن مفيش واحدة بتحبه بصدق، عرفنا إن مفيش أمل إن إحنا نرجع جاد تاني.
تذكر براء محادثة دارت بينه وبين سجى قديمًا.
فلاش باك...
كانت سجى تنهي أحداث الرواية الأخيرة، وبراء ينتظرها كي يسلمها فورًا لدار النشر، نظر براء إلى النهاية وقال: نفسي النهاية تبقى، وعاشو في تبات ونبات وخلفو صبيان وبنات، مش انتهى طوفان الغدر، واحترق المنزل، ونجا أهل القرية، البنات كلها بتحب الروايات الرومانسية، إلا البنت اللي أنا شغال معاها، تعشق العفاريت.
ابتسمت سجى بحزن وقالت: كان نفسي تبقى الرواية نهايتها كده، أو حتى الخيال يبقى حقيقة، لكن من ساعة ما عرفت إن الخيال عمره ما هيتحقق، وأنا بعدت عن الروايات الرومانسية، مش عايزة واحدة تتعلق زيي وفي الآخر تعرف إنها كدبة.
تعجب براء من حديثها وقال: واضح إنك إن فيه قصة حب حزينة، صح؟
سجى بحزن: ومين فينا معداش بقصة حزينة يا براء! كاس وبيلف علينا كلنا.
براء: شكلك حزين، واضح إنك حبتيه بجد.
سجى بيأس: ومحبتش غيره، رغم اللي حصل ده كله مش عارفة اتخطى.
عودة من الفلاش باك
كان براء صامتًا، يتذكر تلك المحادثة، بينما معروف ومراد يتحدثان بشأن البردية، فقال براء: سجى بتحب جاد.
نظرا له بتعجب، وقال براء: النهاردة رحت قابلت عليم مساعد جاد، وقالي إنه حب واحدة اسمها سجى، وطلعت هي البنت اللي معاه جوا، وأنا متأكد إن سجى بتحبه، هي كلمتني عنه قبل كده، يعني كده سجى تقدر تفك اللعنة، بس المشكلة بقى، تعمل ده إزاي، ومين هيقولها؟!
صمتو جميعًا ثم قال معروف: لو ده حقيقي، يبقى مفيش غير حل واحد، نروح كلنا عند القصر، ونحاول نكلمها من ورا الباب يمكن تسمعنا وتقدر تخلصه من اللعنة.
وقف براء وقال: يبقى يلا بينا دلوقتي، الليل قرب يدخل وده وقت مناسب.
أما بداخل القصر، كانت سجى نائمة بإرهاق شديد، فقد كانت ليلة طويلة وشاقة للغاية، حتى سمعت صوتًا يناديها، فتحت عيناها بصعوبة، ونظرت أمامها، للتفاجأ بأن جاد يقف أمامها معافى، وقد عاد لطبيعته، وقفت وهي تترنح بالمكان، حتى أسندت كلتا يديها على الطاولة بجواره كي تقف باستقامة، ولمحت عينيه، ذات النظرة التي كانت بهما بهذا اليوم المشئوم، ثم تحدث جاد بقوة: إنتي لحد دلوقتي لسه بتضحكي على نفسك وعليا، أنا عارف إنك مش بتضحي عشاني، إنتي بتعملي كل ده عشان أنا أفصل جوا اللعنة وإنتي تهربي منها، ماعت قالك إني كده كده هموت، ليه بتعملي دور الشجاعة؟! بتضحكي على مين يا سجى؟!
نظرت له سجى بتعجب، لا تعلم إذا كان هذا حقيقة أم لا، كيف عاد لطبيعته بهذه السرعة، وما الذي يتحدث عنه؟! يبدو أنه حلم.
هذا ما قالته سجى لنفسها، لذا لم تنتبه لما يقول، هي لا تريد أن تخوص هذا النقاش حتى في منامها، لا تريد أن تبرر حبها له، فعادت لتجلس بذلك الكرسي، وألقت بجسدها عليه بقوة، فهي لم تعد تفرق بين الواقع والخيال، لذا لم تجب عليه.
فأردف جاد: لو وافقتي يقتلني هيسبني أخرج، مش ده اللي إنتي عاملة بتقولي إنك عايزاه، إنتي عايزة تنقذيني صح؟! ديه الحاجة الوحيدة اللي هتخليني أخرج من هنا، وافقي إنه يقتلني.
ابتسمت سجى بسخرية، فأردف بغضب: عرفتي إنك كدابة، إنتي مش بيهمك غير نفسك وبس، زي لما كنتي بتودي البنات الغلابة ديه للشقة الزفت اللي كنتي شغالة فيها، إنتي عمرك ما اهتميتي بحد غير نفسك، عمرك ما حبيتي، ولا حبتيني، إنتي بس عايزة تعيشي دور الضحية إنك مظلومة، وإن أنا اللي ظلمتك، لكن لا يا سجى، إنتي اللي ظلمتي نفسك وظلمتيني، وأنا مش هسمحلك تكرري غلطك في حقي تاني، والموت اللي إنتي عاملة نفسك خايفة عليا منه، أحسن بكتير من إني أفضل عايش هنا معاكي تحت سقف واحد.
هنا وفقدت سجى عقلها، نظرت له بغضب، لم تعد تتحمل كل هذه الاتهامات الباطلة، رغم ما فعلته لأجله، وما فعله بها، فهي لا تزال تحبه كالغبية، لذا وقفت أمامه بصعوبة وقالت بغضب: الموت عندك أهون؟! تمام يا جاد، أنا هقول لماعت يقتلك، مش ده اللي إنت عايزه؟! خلاص، يبقى تموت.
أحاط به دخان أسود، وارتفعت صوت الضحكات القوية من حولها، وفجأة تحول جاد إلى شبح ماعت، ونظر لها بسعادة بعد أن جسد نفسه بجسد جاد، ليجعلها توافق على قتله، وقال: كنت عارف إنك هتوافقي، راهنت على إنك هتتخلي عنه بمجرد إنك تسمعي الكلام ده منه، دلوقتي إنتي وافقتي على لعنتي، واستعنتي بيها، وبقيتي ملكي، بس الفرق إني مش هعمل فيكي اللي عملته في جاد... لأ، إنتي هتبقي حبيبتي أنا، هخليكي من حتب حبيبتي.
نظرت سجى له بصدمة، وانتبهت للمكيدة التي فعلها ماعت، ثم بحثت بعينيها عن جاد، وجدته كما هو، لا يزال مقيد بتلك السلاسل، فشعرت بالخوف الشديد، هل حقًا سيقتله؟!
قطع خوفها خوفٌ أكبر، عندما رأت الأرض تهوى من تحتها، وانشقت إلى نصفين، أخذت ترجع إلى الوراء خوفًا من أن تسقط بهذه الفجوة التي تشكلت ببهو القصر، لتتمسك بالجدار خلفها، ورأت ماعت يطفو فوق تلك الفجوة، وأحاط به ريح أسود، وارتفعت أصوات غريبة بالمكان، كأنه صوت شياطين تصرخ تارة وتضحك تارة أخرى، رفع ماعت كلتا ذراعيه، ليرتفع شيئًا من تلك الفجوة، وإذا بتابوت فرعوني يخرج من باطن الأرض، يطوف بالهواء أمام عينيها، حتى وضعه ماعت على الأرض، واقترب منه، وضع يده عليه وقال: حبيبتي... من حتب.
ثم نظر لها ماعت، وهي تنظر إليه بصدمة شلت حركتها، والخوف يتصاعد بداخل قلبها.
تُرى... ما هي خطة ماعت الحقيقية؟! هل يجعل سجى حبيسة لعنته؟! أم يعيد بها جسد حبيبته من حتب؟!
لكن ماعت لا يبحث عن حبيبة… بل عن قلب.
يتبع....
رباب حسين
Rabab Hussien