كما يلمع الدم المؤكسج بين الرئتين. كما تلمع قبلة الأب على جبين ابنته، لمعت روح كادري..
لكنها لم تلمع بلون الدم الفاتح النظيف، ولا بالحب الذي تطبعه قبلة نقية.
لمعت روحها بشرارة سوداء لم تستشعرها من قبل في حياتها.
أو ربما فعلت، لكنها كانت بعيدة جدًا، في قاع قلبها. مثل فكرة رفضت الاعتراف بها. مثل دمعة رفضت إخراجها. ومثل مشاعر رفضت تقبلها.
بمجرد أن قال كيال "أمرك يا سيد المقام" وطعن جلد مؤخرة رقبتها الفاتح بحافة رمحه الذهبية، حتى شعرت بروحها تلمع بقوة. ثم تتفتت.. تدريجيًا.
وكأنها تفقد نفسها شيئًا فشيئًا.
مرّت عواطفها بسرعة عبر لوزتها الدماغية، تتلاطم كالموج الخائف من خلال عينيها التي توسعت في ألم.. ألم عاطفي لم تفهم معناه.
شعرت، ولو بطريقة قصيرة، أن كل مشاعرها كانت تغادرها في تلك اللحظة، تمامًا كما غادر اللمعان عينيها بالكامل؛ حتى كادت تتحول إلى لون داكن.
ابتسم ميلخازار بهدوء، مثل ابتسامة أب فخور، وهو يراقب وهج عينيها الدافئ يضعف، ولكنهما ازدادا حدة شرسة، كفرد شاهين خارق.
"هل ظنّ عذراف حقًا أننا سننتظره؟ فتاي الصغير والعزيز لا يزال لا يفهمني تمامًا. ياللإحباط" لم تكن كلماته تحمل أي عاطفة حقيقية، لا شيء سوى لمعان الهوس في عينيه وهو يضغط يد كادري أكثر ضد اللوحة الزيتية الضخمة.
"هيا يا عزيزتي، قدمي روحك السكرية قربانًا لي. أحتاجكِ أكثر مما تظنين. أحتاج شرّكِ الكامل!" بنبرة مرتجفة، وعينين مبتلتين من فرط الحماسة، قال ميلخازار.
بينما في الخلف يقف كيال، قبضته تشتد على رمحه الأسود وهو يراقب بصمت الطقوس المقدسة أمامه. ترتعش أطراف أصابعه على الرمح كأنه يكافح لكبت ابتسامته الفخورة.
في اللوحة الزيتية الكبيرة والمؤطرة، كانت ترتكز نسخة سوداوية من كادري. فن خالص رسمه ميلخازار بنفسه.
كادري، تبتسم بلطف باهت، شعرها الكستنائي القصير يبدو أشعثًا، وعينيها البنية تبدو أقرب للرمادي. وفوق رأسها تستقر القطعة الأمثل.
تاج أسود كبير من الأوبسيديان الأسود، بارد كالليل، مزين بالعقيق الناري والكارنيليان، ودخان أسود يخرج ويطوف من حوافه، وكأن التاج يتنفس ويمتص الضوء حوله.
ومثل الصورة صار مظهر كادري، حتى اشتدت الهالات الداكنة أسفل عينيها كالصبغة.
أفلت ميلخازار يديها ببطء شديد وهو يراقبها، بابتسامة حذرة ومتحمسة، ثم تراجع كلّ منه وكيال، والأشخاص الداكنين من حولهما.
التفتت كادري، لتعطي ظهرها للوحة التي أصبحت فارغة الآن. وعينيها الميتتين نقلتهما نحو ميلخازار، ثم ببطء..
ببطء هي جثت على ركبتيها، وبنبرة باردة لمعت الكلمات من ثغرها "أقدم روحي وعقلي وقلبي قربانًا لك يا سيد المقام، فافعل ما شئت بي".
تلك لم تكن كادري، بل كانت النسخة الأسوأ منها.
وقد استشعر سيلدي ذلك.
لأنه، وبينما كان يراقب من فوق إحدى القبب، توسعت عينيه وتوهجت بضوء برتقالي داكن جدًا، ودمعة.. سقطت من طرف جفنه.
"كـ.. كادري..؟". هكذا إذن، أدرك للتو أنه قادر على سماع أفكارها لسبب ما، ولكنه في تلك اللحظة كان كل ما تمكن من سماعه هو صراخ حاد متألم.
كيف لها أن تصرخ في أفكارها؟ ألم تكن الأفكار دومًا عبارة عن كلمات؟
"لم يلتزم بكلمته!" بنبرة مرتعشة، حين سيطر الغضب عليه، هو صاح. ارتعشت قبضته على السكين واشتدت.
"لن أسمح بهذا! لن أسمح بهذا التهاون!" لم يعد يستطع إبقاء صوته منخفضًا، كان غاضبًا كما لم يفعل من قبل.
ولكنه شعر بأن تلك المشاعر لم تكن كلها له، فكما شعر بالغضب، شعر أيضًا بـ.. السعادة؟ المتعة؟ وكأنه أراد أن يصرخ ويضحك في الآن ذاته.
بدون تفكير، دفع جسده البلاستيكي الصغير عبر الظلال من حوله.
نعم.. الظلال.
كان السكون يخيم على المكان قبل ساعة أو اثنتين، لكن سرعان ما امتلأت المدينة بالظلال السوداء، تتراكض بالأرجاء، وكأنها تصرخ بجوارحها المبهمة.
كان سيلدي يفعل الأمر ذاته. لم يعرف إلى أين يتجه بالضبط، وكيف، لكنه فقط دفع نفسه بين الظلال بشدة كصاروخ محترق.
حيث كانت رائحة احتراق شديدة تفوح منه، عينيه تلتهبان بضوء برتقالي خارق، ويئن بنبرة مرتجفة ومضطربة.
كان يظهر ويختفي، يتذبذب كخلل إلكتروني.
يظهر يمينًا، يختفي، يظهرًا يسارًا، وكأنه يتخطى الطريق بأسرع ما يمكنه.
لم يكن مستقرًا، حتى أن يده التي تحمل السكين ارتجفت كأرض متزلزلة، وكانت السكينة في يده مهددة بالسقوط.
لِما لا؟ فقد سقط قلبه بالفعل منذ سنوات لا يستطيع أن يحصيها، وقد سقط اليوم ثانية.
"أنت.. إلى أين؟" ظهر عذراف من إحدى الأزقة، يتحرك بسرعة محاولًا مواكبة وتيرة سيلدي، لكن الآخر لم يكن يستمع، فقط يفرك أسنانه معًا ويتذبذب نحو الأمام.
وكلما تحرك أسرع، طاف دخان رمادي من حوله.
ظل عذراف يتحرك بجانب سيلدي، وعينيه بقيتا ثابتتين عليه بصمت، يراقب كما لو كان يحاول أن يفهم.. أو يتذكر.
شيء كهذا قد حدث مرة بالسابق، وعذراف يذكر هذا بوضوح.
وهذا أقلقه.
"أنت، لن تهجم على سيد المقام، صحيح؟ تعلم أنه لا يمكنك فعل هذا" وكأن عذراف قلق، فقد تكلم بحاجب معقود، لكن سيلدي لم يتوقف ولم يجب.
تنهد عذراف، ثم اندفع نحو الدمية، ودفعه بقوة إلى الخلف حتى ارتطم ظهره ببناية قريبة. آملًا أن يوقفه.
لكن لماذا.. لماذا لم يتوقف؟
وكأن شيئًا لم يكن، تلقّ سيلدي الضربة ثم دفع نفسه مجددًا نحو الأمام. لم يزد ذلك سوى من الوهج والنيران في عينيه.
"إنه أعمى تمامًا" تمتم الرجل الأسمر لنفسه، ثم ابتسم باستمتاع. قرر أنه لا يريد أن يتدخل. رغم أنه لا يعرف ما سبب غضبه بعد، إلا أنه سيتركه يهدم العالم، بينما يستمتع بمشاهدة فيلم الدمار من المقعد الأمامي.
بهذا، تراجع عذراف تاركًا سيلدي يرتطم في الفراغ يمينًا ويسارًا عبر تذبذبات مضطربة، متحركًا إلى وجهة لا يعرفها بوعي .
أخذ يتمتم بين أسنانه "لا يمكنني أن أسمح بحدوث هذا! لا يمكنني أن أخسرها مرتين! هذا.. أنا.. لا أملك الوقت!".
كان الظل الأحمر الذي هاجمه سابقًا يراقبه من بعيد، حيث اشتد حاجبيه بخفة، ثم اختفى كالظل الذي هو عليه.
وفي جانب آخر، حيث ميلخازار غارق في أوج سعادته الملتوية، ظهر الظل الأحمر عند الزاوية، خلف الناس ذوي الحليّ السوداء.
لم ينطق بحرف، كل ما فعله هو أنه اقترب من كيال، ودخل في رمحه، وكأنه سكب روحه بداخله، حتى أضاء الرمح باللون الأحمر بدل الأسود.
عرف كيال ذلك، حيث أنه نظر إلى رمحه بحاجب مرفوع، ثم انحنى بخفة. "يا سيد المقام، يبدو أن عدونا في طريقه إلى هنا. اسمح لي أن أؤدي واجبي".
قال يحدّث ميلخازار، الذي كان يفرك يديه بيديّ كادري، فنقل نظره نحو رجل الرمح، وأومأ بكسل "اجعلني فخورًا كما تفعل دائمًا يا عزيزي الداكن، بينما أمهد أنا الطريق لبجعتي السوداء".
"كما تأمر يا سيدي" استقام، ثم استدار ومشى بعيدًا بينما ينظر في رمحه الأسود، ويطلب من الظل بداخله أن يسبقه ويراقب سيلدي.
أعاد ميلخازار تركيزه إلى كادري، وأخذ يمسح على جانب رقبتها بلمسة ناعمة. نبرة صوته منخفضة وحذرة كالترتيل، حيث قال: "لنقرر معًا مصائر هذا العالم الضعيف يا سيدة مقامي. تعرفين أنه ما من أحد يحبكِ بقدري، لذلك ستتبعينني طوعًا بقلبك الأسود اللذيذ".
ابتسمت كادري بغضب "تريد مني أن أحطم تلك الدمية الغبية لأشلاء حسب ذوق سيادتك. أعرف ذلك، ولن أتهاون في إنهائه على أكمل وجه".
استرسلت: "لقد عرفتُ مسبقًا أنه ليس شخصًا يمكنني الوثوق به. ذو وجهين، ومريب، وغامض النوايا مثله ليس خياري الأول".
لم تعرف أن كلماتها تلك كانت مثل ألحان بيتهوفن على سمع مليخازار، حيث أنه أغمض عينيه بخفة يستمع إليها، وكأنه يبجّل كل حرف تنطق به.
"تجعلينني فخورًا بكِ حين تعتنقين نهجًا صارمًا وحادًا مثل هذا يا طيرتي الجارحة. يلائمك الشر أكثر مما تظنين". واشتدت أصابعه على رقبتها؛ ليس ليؤلمها، ولكن بما يكفي ليحذرها.
"تذكري، لن أرضَ بأقل من هذا". عيونه البيضاء الشفافة تنقلت بين عيونها الباهتة وهو يقول ذلك، ثم اقترب وطبع قبلة بين عينيها "ولن تفعلي أيضًا".
لسبب ما، جعلتها تلك القبلة غاضبة، لكن ابتسامتها لم تعكس مشاعرها الصحيحة؛ حيث كانت ممتنة وسعيدة. جثت ولامست الأرض بأطراف أصابعها.
"بالتأكيد، يظل الطريق الأسود أسهل بكثير من الأبيض، وأنا مستعدة لسلوك الطريق الذي أنت عليه يا سيد المقام".
من خلف نافذة عالية قريبة، ارتعشت أطراف عيون عذراف بغضب شديد مكبوت. لقد خانه ميلخازار، ولم ينتظر كما طلب منه أن يفعل.
هل ظنَّ أن عذراف سيطيعه دائمًا لمجرد أن إبليس منحه مركز القيادة؟ سوف يرى.
يتبع~
Dontin